خيوط القمر ج٢
الفصل الثاني عشر
مرَّ شهران منذ انضمام رنا إلى دار لوران.
وخلال تلك الفترة…
لم تعد مجرد المصممة الجديدة.
بل أصبحت اسمًا معروفًا داخل الشركة.
يعرفها الجميع بابتسامتها…
وبقدرتها الغريبة على تحويل أكثر الأيام ضغطًا إلى يوم أخف.
حتى فاروق…
أصبح يعتاد وجودها في اجتماعات التصميم.
وإذا غابت يومًا عن أحد الاجتماعات بسبب انشغالها في قسم الخامات، شعر أن هناك شيئًا ناقصًا… دون أن يعترف بذلك لنفسه.
….
في صباح أحد الأيام…
دخلت رنا الشركة وهي تحمل باقة صغيرة من زهور الأقحوان.
استقبلها عم حسن بابتسامته المعتادة.
— صباح الخير يا آنسة رنا.
رفعت الباقة أمامه.
— دي ليك.
فتح عينيه بدهشة.
— ليا أنا؟
— أيوه… امبارح سمعتك بتقول إن النهارده عيد جوازك.
ضحك الرجل بسعادة.
— إنتِ فاكرة؟
هزت كتفيها.
— قلتلك قبل كده… المصمم بيلاحظ التفاصيل.
تأثّر الرجل كثيرًا.
— ربنا يسعد قلبك يا بنتي.
ابتسمت وأكملت طريقها.
….
في الطابق الخامس…
كانت ليان تراقب المشهد من بعيد.
لم تستطع منع نفسها من الابتسام.
رنا لم تكن تتصنع اللطف…
بل كانت هكذا مع الجميع.
وهذا تحديدًا ما جعلها محبوبة.
لكن ليان كانت تعلم أن هذه الصفات قد تجعل أي رجل يقع في حبها.
….
بعد الظهر…
كان فاروق يراجع أحد العقود المهمة داخل مكتبه.
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
والدته.
ابتسم وأجاب.
— السلام عليكم يا أمي.
— وعليكم السلام يا حبيبي… عامل إيه؟
— الحمد لله.
جاءه صوتها الدافئ:
— هتيجي تتغدى معايا النهارده؟
نظر إلى الملفات المتراكمة أمامه.
— نفسي… بس عندي شغل كتير.
تنهدت والدته.
— يا فاروق… الشركة مش هتهرب.
ابتسم.
— عارف.
ثم قالت بنبرة تحمل معنى آخر:
— وعلى فكرة… ابن خالتك اتخطب الأسبوع اللي فات.
أغلق عينيه وهو يعرف إلى أين يتجه الحديث.
— ربنا يبارك له.
— وأنت بقى؟
ضحك بخفة.
— يا أمي…
— إيه يا أمي؟ كل مرة أقولك نفس الكلام.
تنهد.
— لما ألاقي الإنسانة المناسبة.
— ولا أنت مستنيها تنزل من السما؟
ابتسم وهو يهز رأسه.
— يمكن.
أنهت المكالمة بعد أن أوصته ألا يهمل نفسه.
ظل الهاتف في يده للحظات…
ثم أعاده إلى المكتب.
وتسلل سؤال صغير إلى عقله…
يا ترى… كيف تكون المرأة المناسبة؟
ولأول مرة…
ظهرت أمامه صورة رنا وهي تضحك.
هز رأسه سريعًا.
— إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟
ثم عاد إلى عمله.
….
في قسم التصميم…
كانت رنا تساعد إحدى المتدربات الجدد.
قالت الفتاة بخجل:
— معلش… أنا بوظت الرسمة.
ابتسمت رنا.
— مفيش رسمة بتبوظ.
— إزاي؟
جلست بجوارها.
— كل غلطة بتعلمنا نرسم أحسن.
ثم أمسكت قلمها.
وخلال دقائق…
حولت الخطأ إلى تصميم جديد.
صفقت المتدربة بسعادة.
— بجد… أنا كنت هعيط.
ضحكت رنا.
— ممنوع العياط في قسم التصميم.
في تلك اللحظة…
كان فاروق يمر أمام القسم.
توقف دون أن يشعر.
ورأى رنا وهي تشجع الفتاة بابتسامتها المعتادة.
ظل يراقب المشهد لثوانٍ.
ثم أكمل طريقه.
لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه.
….
في نهاية الدوام…
خرجت رنا من الشركة.
وقفت على الرصيف تنتظر سيارة أجرة.
لكن السيارات كانت قليلة بسبب الزحام.
مرت عشر دقائق…
ثم خمس أخرى.
وفي تلك اللحظة…
توقفت سيارة سوداء بجوارها.
انخفض زجاج النافذة.
كان فاروق.
نظر إليها بهدوء.
— لسه واقفة؟
ابتسمت.
— واضح.
— مستنية إيه؟
— تاكسي… بس شكله قاطعني.
نظر إلى الشارع المزدحم.
ثم قال ببساطة:
— اركبي… أوصلك في طريقي.
ترددت لثوانٍ.
— لا… هتعب حضرتك.
— مش هتتعبيني.
ظلت صامتة.
ثم قالت بابتسامة خفيفة:
— بشرط.
رفع حاجبه.
— شرط؟
— ما نتكلمش في الشغل طول الطريق.
نظر إليها ثانية…
ثم ابتسم.
— موافق.
فتحت الباب وجلست.
….
تحركت السيارة بهدوء.
ساد الصمت لدقائق.
ثم قالت رنا وهي تنظر من النافذة:
— أنا أول مرة أركب عربية رئيس تنفيذي.
رد بهدوء:
— وإيه رأيك؟
نظرت حولها.
— كنت متخيلة فيها أزرار بتطير.
التفت إليها باستغراب.
— بتطير؟
ضحكت.
— معرفش… أفلام بقى.
هز رأسه مبتسمًا.
— للأسف… عربية عادية.
— خسارة…
ثم نظرت إليه بطرف عينها.
— بس السواق محترم.
نظر إليها.
ثم ضحك.
ضحكة قصيرة…
لكنها خرجت من قلبه.
ولم ينتبها…
إلى السيارة التي كانت تقف على الجانب الآخر من الطريق.
كانت ليان قد خرجت لتوها من الشركة.
ورأت رنا وهي تصعد إلى سيارة فاروق.
تابعت السيارة حتى ابتعدت.
وشعرت بانقباض في قلبها.
لم يكن بينهما أي تصرف خاطئ…
لكنها كانت ترى المسافة بينهما تضيق يومًا بعد يوم.
وفي مكان ما داخلها…
بدأ قرار يتشكل ببطء…
قرار سيغير مجرى الأحداث في الفصول القادمة.

