خيوط القمر ج٢
ابتسمت.
— يعني المشكلة فيا؟
— المشكلة إنك بتفكري زيادة.
ضحكت.
— دي تهمة أعترف بيها.
—
دقت الساعة التاسعة مساءً.
قال فاروق وهو يغلق الملف:
— كفاية النهارده.
نظرت إلى الساعة بدهشة.
— الوقت جري.
— لأنك كنتِ مستمتعة بالشغل.
وقفت تجمع أوراقها.
ثم قالت وهي تتمطى:
— ظهري أعلن استقالته.
ابتسم.
— واضح.
—
وأثناء خروجها من القسم…
انطفأت بعض الأنوار تلقائيًا.
توقفت رنا.
— يا ساتر…
نظر إليها.
— بتخافي؟
قالت بسرعة:
— لا.
ثم أضافت وهي تشير إلى الممر المظلم:
— بس لو طلع حد من هناك هصرخ.
ابتسم لأول مرة منذ بداية اليوم.
— اطمني…
لو في حد، هيخاف من صرختك.
ضحكت وهي تهز رأسها.
— حضرتك بدأت تتريق عليا.
— بتعلم.
اتسعت عيناها بدهشة مصطنعة.
— يعني أنا اللي بعلم الرئيس التنفيذي الهزار؟
قال وهو يفتح باب المصعد:
— للأسف…
ابتسمت وهي تدخل المصعد.
ولأول مرة منذ أن عرفته…
شعرت أن ذلك الرجل الصارم لم يعد يبدو بعيدًا كما كان.
—
في الطابق نفسه…
كانت ليان تخرج من مكتبها بعد إنهاء تقرير التسويق.
توقفت عندما رأت باب المصعد يُغلق.
ورأت من خلاله…
فاروق يقف بجوار رنا.
لم تسمع حديثهما…
لكنها رأت الضحكة التي ارتسمت على وجهه.
وأدركت شيئًا كانت تحاول إنكاره منذ أيام…
فاروق الكيلاني…
لم يعد يتعامل مع رنا كأي موظفة أخرى.
أما هو…
فلم يكن قد اعترف لنفسه بذلك بعد.
الفصل العاشر
منذ السابعة صباحًا…
كانت دار لوران للأزياء تعيش حالة استنفار.
عمال ينقلون منصات العرض.
مصممون يجرون اللمسات الأخيرة.
وفريق التسويق يتأكد من أماكن الضيوف.
أما رنا…
فكانت تقف أمام الفستان الذي عملت عليه مع الفريق طوال الأيام الماضية.
مررت أصابعها على القماش برفق، ثم ابتسمت.
— أخيرًا…
جاءت منى من خلفها.
— متوترة؟
أجابت وهي تضحك بخفة:
— شوية.
نظرت إليها منى مازحة.
— شوية دي يعني؟
— يعني لو حد كلمني دلوقتي ممكن أرد عليه بالفرنساوي… وأنا معرفش فرنساوي أصلًا.
ضحكت منى بصوت مرتفع.
— خلاص… يبقى التوتر طبيعي.
….
في الطابق العلوي…
كان فاروق يراجع قائمة الحضور.
دخل سامر يحمل جهازًا لوحيًا.
— كل الضيوف أكدوا حضورهم.
أومأ فاروق.
— ممتاز.
نظر إليه سامر مبتسمًا.
— في حاجة تانية.
رفع فاروق رأسه.
— إيه؟
قال سامر بمكر:
— رنا من ساعة ما جت وهي ماشية تلف حوالين الفستان كل خمس دقايق… شكلي هطلب حد يطمنها إنه لسه موجود.
ابتسم فاروق دون قصد.
— طبيعي… أول عرض كبير ليها.
قال سامر وهو يراقب ابتسامته:
— واضح إن حضرتك متابعها كويس.
عاد فاروق إلى أوراقه.
— أنا متابع شغل الفريق كله.
ابتسم سامر في هدوء، لكنه لم يعلق.
…..
قبل بداية العرض بنصف ساعة…
كانت رنا تحمل مجموعة من الدبابيس الخاصة بتثبيت إحدى القطع.
لكنها كانت مستعجلة.
وفجأة…
اصطدمت بأحد الفنيين.
تناثرت الدبابيس على الأرض.
شهقت وهي تضع يدها على جبينها.
— يا نهار أبيض…
جلست بسرعة تجمعها.
وفي اللحظة نفسها…
انحنى شخص آخر يساعدها.
قال بهدوء:
— لو فضلتي مستعجلة كده… هنغير اسمك من رنا إلى الإعصار.
رفعت رأسها…
فضحكت فورًا.
— حضرتك!
ناولها فاروق آخر دبوس.
— خدي…
قالت وهي تبتسم بخجل:
— والله المرة دي مش غلطي.
نظر إلى الفني الذي كان يعتذر بدوره.
ثم قال مبتسمًا:
— هنعتبرها حادث عمل.
وقفت وهي تمسك العلبة جيدًا.
— وعد… مش هوقع حاجة تاني.
رفع حاجبه.
— متأكدة؟
نظرت إلى العلبة.
ثم إلى الأرض.
— لا… بلاش أوعد.
ضحك بخفوت.
….
بدأ عرض الأزياء.
انطفأت الأنوار.
وسلطت الأضواء على منصة العرض.
خرجت العارضة الأولى…
ثم الثانية…
ثم الثالثة.
كان المستثمرون يتابعون باهتمام.
أما رنا…
فكانت تقف خلف الستار، تكاد تحبس أنفاسها مع كل إطلالة.
وقف فاروق على بعد خطوات منها.
يلتفت أحيانًا إلى المنصة…
وأحيانًا إلى شاشة المراقبة.
وعندما ظهرت القطعة التي صممتها رنا…
ساد صمت لثوانٍ.
ثم بدأت همسات الإعجاب بين الحضور.
نظر أحد المستثمرين إلى زميله وأومأ برأسه بإعجاب.
التفت فاروق نحو رنا.
وجدها تنظر إلى المنصة وعيناها تلمعان.
لم تقل كلمة واحدة…
لكن ابتسامتها قالت كل شيء.
اقترب منها خطوة.
وقال بصوت منخفض حتى لا يقطع تركيز الفريق:
— مبروك.
نظرت إليه بدهشة.
— لسه العرض مخلصش.
ابتسم.
— لكن التصميم نجح.
شعرت بدفء غريب في قلبها.
واكتفت بأن تهمس:
— شكرًا.
….
بعد انتهاء العرض…
وقف الحضور يصفقون بحرارة.
تقدم المستثمر الإيطالي لمصافحة فاروق.
ثم أشار إلى أحد التصاميم.
— هذا التصميم تحديدًا… من صاحبه؟
التفت فاروق نحو رنا.
وأشار إليها.
تقدمت بتردد.
صافحها الرجل بابتسامة، ثم أثنى على التصميم من خلال المترجم، وأشاد بفكرته وأناقته.
احمرّ وجه رنا من الخجل.
بينما كانت منى تنظر إليها بفخر.
….
بعد مغادرة الضيوف…
عاد فريق العمل إلى القاعة.
قالت منى بحماس:
— يا جماعة… نجحنا!
تعالت التصفيقات.
وفي لحظة عفوية…
بدأ الجميع يصفق لرنا.
اتسعت عيناها.
وأشارت إلى نفسها.
— أنا؟
قال أحد المصممين:
— أكيد إنتِ… تصميمك كان نجم الليلة.
ضحكت وهي تخفي وجهها بكفيها.
— خلاص… كفاية… هتخلوني أتكسف.
….
كان فاروق يقف بعيدًا يراقب المشهد.
اقترب منه سامر.
— مبسوطة أوي.
أجاب فاروق وهو ينظر إلى الفريق:
— تستحق.
ابتسم سامر.
— وهي تستحق النجاح…
ولا تستحق كمان إنك تقولها كلمة حلوة قدام الناس؟
نظر إليه فاروق بطرف عينه.
— سامر…
ضحك سامر.
— خلاص… فهمت.
وغادر قبل أن يسمع أي رد.
…..
أما في الجهة الأخرى من القاعة…
فكانت ليان تتابع كل شيء.
ورأت نظرة الفخر في عيني فاروق وهو ينظر إلى رنا.
ولأول مرة…
شعرت أن منافستها الحقيقية ليست جمال رنا…
ولا موهبتها…
بل تلك العفوية التي جعلت الرجل الأكثر جدية في الشركة يبتسم دون أن يشعر.
عندها فقط…
بدأت فكرة صغيرة تتسلل إلى عقلها…
فكرة لم تكن تنوي تنفيذها الآن…
لكنها أدركت أنها قد تحتاج إليها يومًا ما إذا استمرت الأمور في السير بهذا الاتجاه.




