# الفصل الثامن بدأت رنا تعتاد الاستيقاظ مبكرًا. لم تعد تفتح عينيها وهي تفكر في ازدحام الطريق... بل في التصميم الذي ستكمله، أو الفكرة التي ستناقشها مع فريقها. حتى والدتها بدأت تلاحظ التغيير. وضعت كوب الشاي أمامها وقالت مبتسمة: — بقى عندك شغل يخليكي تصحي قبل المنبه؟ ضحكت رنا. — يا ماما... ده اسمه تطور. رفعت والدتها حاجبها. — ولا يكون فيه حد في الشغل؟ كادت رنا تختنق بالشاي. — ماما! ضحكت الأم وهي تربت على كتفها. — بهزر يا بنتي... روحي ربنا يوفقك. خرجت رنا وهي تهز رأسها وتبتسم. --- في دار لوران... كان قسم التصميم يستعد لاجتماع مراجعة المجموعة الجديدة. دخل فاروق في موعده المعتاد. جلس الجميع في أماكنهم. بدأت منى تعرض التصاميم واحدًا تلو الآخر. إلى أن جاء دور رنا. وقفت أمام الشاشة، وأخذت تشرح فكرتها بثقة. كانت تتحدث بحماس، وتشرح سبب اختيارها للألوان والخامات، حتى إنها لم تنتبه إلى خصلة شعر أفلتت من رباطها، وظلت تتأرجح أمام عينيها كلما تحركت. حاولت إبعادها أكثر من مرة وهي تواصل الشرح. وفجأة... تعلقت الخصلة بزر قميصها. توقفت عن الكلام. نظرت إليها باستغراب. ثم حاولت سحبها. لكنها زادت تعلقًا. ساد الصمت في القاعة. قالت وهي تنظر إلى الخصلة: — واضح إنها قررت تستقيل هي كمان. انفجر الفريق بالضحك. حتى فاروق أطرق برأسه وهو يخفي ابتسامته. استطاعت أخيرًا تحرير شعرها، ثم قالت وهي ترفع يديها: — نكمل الاجتماع... قبل ما يحصل تمرد من باقي الشعر. ضحك الجميع مرة أخرى. عاد الهدوء إلى القاعة. قال فاروق بعد أن نظر إلى التصميم: — بعيدًا عن مشاكل الشعر... التصميم ممتاز. ابتسمت رنا. — الحمد لله... كنت خايفة الخصلة تأثر على التقييم. رد بهدوء: — لا... التقييم للتصميم، مش للمصفف. --- بعد انتهاء الاجتماع... خرج الموظفون إلى مكاتبهم. قال أحد المصممين لرنا وهو يضحك: — أول مرة اجتماع مراجعة يتحول لستاند أب كوميدي. ضحكت. — والله هي اللي بدأت. وأشار إلى شعرها. --- في الظهيرة... وصلت إلى الشركة عينات أقمشة جديدة. كان على فريق التصميم نقلها إلى غرفة الخامات. حملت رنا صندوقًا متوسط الحجم. لكنها لم تنتبه إلى أنه أثقل مما توقعت. — يا ساتر... قالتها وهي تحاول رفعه. في اللحظة نفسها... ظهر فاروق من نهاية الممر. لاحظ محاولتها. اقترب منها. — سيبيه. قالتها بسرعة وهي تشد الصندوق. — أقدر. رفع أحد حاجبيه. — واضح. ابتسمت بإحراج. — كنت هقدر... بعد خمس دقائق مثلًا. أخذ الصندوق منها بسهولة. وسار باتجاه غرفة الخامات. سارت بجانبه وهي تشعر بالحرج. — حضرتك مش لازم تشيله. قال بهدوء: — وأنا مش لازم أسيب حد يشيل حاجة تقيلة وهو بيتعب. نظرت إليه للحظة. ثم قالت بابتسامة: — الموظفين لو شافوك كده هيطلبوا منك تنقل المخزن كله. نظر إليها بطرف عينه. — ساعتها هعرف إن الفكرة كانت بتاعتك. ضحكت بصوت عالٍ. --- كان باب غرفة الخامات مفتوحًا. وما إن دخلا... حتى رأتهما ليان. فاروق يحمل الصندوق... ورنا تسير بجانبه تضحك. تجمدت ملامحها للحظة. اقتربت منهما. — أستاذ فاروق... كنت هدّي العمال ينقلوا الصناديق. وضع الصندوق في مكانه. — خلص الموضوع. ثم غادر بهدوء. التفتت ليان إلى رنا. ورسمت ابتسامة دبلوماسية. — واضح إنك محظوظة. لم تفهم رنا المقصود. — ليه؟ — الأستاذ فاروق بنفسه ساعدك. ابتسمت رنا بعفوية. — الصندوق كان تقيل... وأنا شكلي كنت هوقع بيه. هزت ليان رأسها وهي تبتسم. لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيها. — أكيد. ثم غادرت. وقفت رنا تنظر إليها باستغراب. وهمست لنفسها: — هي زعلانة ليه؟... يمكن كانت عايزة تشيل الصندوق هي! --- في المساء... كان فاروق يراجع بعض الرسومات في مكتبه. توقف عند تصميم يحمل اسم **رنا الشافعي**. ظل يتأمله طويلًا. ثم أمسك قلمه، وكتب في هامش الصفحة كلمة واحدة: **"مبدعة."** أغلق الملف. لكنه لم ينتبه إلى أنه ابتسم مرة أخرى... كلما وقع اسمها أمام عينيه. # الفصل التاسع لم يكن صباح ذلك اليوم عاديًا في **دار لوران للأزياء**. فبعد أقل من أسبوعين، كان من المقرر عرض المجموعة الجديدة على كبار المستثمرين والمشترين، قبل إطلاقها رسميًا. لذلك... كان الجميع يعمل وكأن الوقت يركض. --- في التاسعة صباحًا... دخل فاروق إلى قاعة الاجتماعات. وقف الجميع. أشار إليهم أن يجلسوا. ثم قال بهدوء: — عندنا خبر كويس... وخبر محتاج مجهود. نظر الموظفون إلى بعضهم. ابتسم ابتسامة خفيفة. — الخبر الكويس إن مجموعة المستثمرين الإيطاليين وافقوا يحضروا العرض. ساد الهمس داخل القاعة. فهذا يعني أن نجاح العرض قد يفتح أبوابًا جديدة لدار لوران. ثم أكمل: — والخبر التاني... إنهم طلبوا يشوفوا تصميمًا حصريًا، يكون أول مرة يتعرض. ساد الصمت. قالت منى: — والوقت؟ أجاب: — أربع أيام. شهق أحد المصممين. — أربع أيام بس؟ أومأ فاروق. — وعلشان كده... التصميم ده هيكون مسؤولية فريق صغير. ثم نظر إلى منى. — اختاري معايا. بدأت منى تذكر أسماء المصممين. حتى توقفت. — وأنا أرشح رنا. رفع بعض الموظفين رؤوسهم إليها. أما رنا... فاتسعت عيناها. وأشارت إلى نفسها. — أنا؟ ابتسمت منى. — أيوه... إنتِ. نظر إليها فاروق. — عندك اعتراض؟ ابتلعت ريقها. ثم ابتسمت بثقة. — لا... بالعكس. --- بعد انتهاء الاجتماع... جلست رنا أمام مكتبها، تنظر إلى الورقة البيضاء. اقتربت منها زميلتها سارة. — مالك؟ زفرت رنا. — أول تصميم حصري ليا... قدام مستثمرين أجانب. ابتسمت سارة. — ودي فرصة مش بتتكرر. قالت رنا وهي تعض شفتها. — عارفة... وعشان كده خايفة. ربتت سارة على كتفها. — اللي قدر يقنع الأستاذ فاروق، هيقدر يقنع أي حد. ضحكت رنا. — هو إقناعه كان أسهل من إقناع نفسي. --- مر اليوم سريعًا. ومع اقتراب السادسة مساءً... بدأ الموظفون يغادرون واحدًا تلو الآخر. أما في قسم التصميم... فلم يبقَ سوى منى، ورنا. دخل فاروق. — منى... تقدري تروحي. نظرت إليه. — بس الشغل... — كمليه بكرة. ثم نظر إلى رنا. — وإنتِ؟ أجابت وهي تشير إلى الرسومات. — هقعد شوية. قال بهدوء: — وأنا كمان. خرجت منى وهي تبتسم في سرها. --- مرّت ساعة... ثم أخرى. امتلأت الطاولة بالأقمشة والرسومات وأقلام التلوين. كان فاروق يراجع التفاصيل، بينما كانت رنا ترسم دون أن ترفع رأسها. قطع الصمت صوتها. — حضرتك؟ — نعم؟ — لو التصميم ده نجح... سكتت قليلًا. — هتفرح؟ ابتسم وهو ينظر إلى الرسومات. — جدًا. — عشان الشركة؟ نظر إليها. ثم قال: — وعشان المصمم اللي تعب فيه. ابتسمت دون أن تنطق. كانت تلك الجملة البسيطة كافية لتمنحها دفعة من الحماس. --- بعد قليل... وقفت رنا أمام لوحة الألوان. وضعت لونًا بجوار آخر. ثم هزت رأسها. — لا... أزالته. ثم أعادت التجربة. — لا برضه. كان فاروق يراقبها بصمت. ثم قال: — جربي اللون اللي استبعدتيه أول مرة. التفتت إليه. — ده؟ — أيوه. نفذت اقتراحه. وما إن وضعت اللون بجوار القماش... حتى اتسعت عيناها. — هو ده! ضحكت وهي تنظر إليه. — حضرتك عندك عين مصمم. رد بهدوء: — لا... وأشار إلى اللوحة. — أنا عندي عين بتشوف إنك كنتِ مستبعدة الاختيار الصح لمجرد إنك جربتيه مرة. ابتسمت. — يعني المشكلة فيا؟ — المشكلة إنك بتفكري زيادة. ضحكت. — دي تهمة أعترف بيها. --- دقت الساعة التاسعة مساءً. قال فاروق وهو يغلق الملف: — كفاية النهارده. نظرت إلى الساعة بدهشة. — الوقت جري. — لأنك كنتِ مستمتعة بالشغل. وقفت تجمع أوراقها. ثم قالت وهي تتمطى: — ظهري أعلن استقالته. ابتسم. — واضح. --- وأثناء خروجها من القسم... انطفأت بعض الأنوار تلقائيًا. توقفت رنا. — يا ساتر... نظر إليها. — بتخافي؟ قالت بسرعة: — لا. ثم أضافت وهي تشير إلى الممر المظلم: — بس لو طلع حد من هناك هصرخ. ابتسم لأول مرة منذ بداية اليوم. — اطمني... لو في حد، هيخاف من صرختك. ضحكت وهي تهز رأسها. — حضرتك بدأت تتريق عليا. — بتعلم. اتسعت عيناها بدهشة مصطنعة. — يعني أنا اللي بعلم الرئيس التنفيذي الهزار؟ قال وهو يفتح باب المصعد: — للأسف... ابتسمت وهي تدخل المصعد. ولأول مرة منذ أن عرفته... شعرت أن ذلك الرجل الصارم لم يعد يبدو بعيدًا كما كان. --- في الطابق نفسه... كانت ليان تخرج من مكتبها بعد إنهاء تقرير التسويق. توقفت عندما رأت باب المصعد يُغلق. ورأت من خلاله... فاروق يقف بجوار رنا. لم تسمع حديثهما... لكنها رأت الضحكة التي ارتسمت على وجهه. وأدركت شيئًا كانت تحاول إنكاره منذ أيام... فاروق الكيلاني... لم يعد يتعامل مع رنا كأي موظفة أخرى. أما هو... فلم يكن قد اعترف لنفسه بذلك بعد. الفصل العاشر منذ السابعة صباحًا... كانت دار لوران للأزياء تعيش حالة استنفار. عمال ينقلون منصات العرض. مصممون يجرون اللمسات الأخيرة. وفريق التسويق يتأكد من أماكن الضيوف. أما رنا... فكانت تقف أمام الفستان الذي عملت عليه مع الفريق طوال الأيام الماضية. مررت أصابعها على القماش برفق، ثم ابتسمت. — أخيرًا... جاءت منى من خلفها. — متوترة؟ أجابت وهي تضحك بخفة: — شوية. نظرت إليها منى مازحة. — شوية دي يعني؟ — يعني لو حد كلمني دلوقتي ممكن أرد عليه بالفرنساوي... وأنا معرفش فرنساوي أصلًا. ضحكت منى بصوت مرتفع. — خلاص... يبقى التوتر طبيعي. .... في الطابق العلوي... كان فاروق يراجع قائمة الحضور. دخل سامر يحمل جهازًا لوحيًا. — كل الضيوف أكدوا حضورهم. أومأ فاروق. — ممتاز. نظر إليه سامر مبتسمًا. — في حاجة تانية. رفع فاروق رأسه. — إيه؟ قال سامر بمكر: — رنا من ساعة ما جت وهي ماشية تلف حوالين الفستان كل خمس دقايق... شكلي هطلب حد يطمنها إنه لسه موجود. ابتسم فاروق دون قصد. — طبيعي... أول عرض كبير ليها. قال سامر وهو يراقب ابتسامته: — واضح إن حضرتك متابعها كويس. عاد فاروق إلى أوراقه. — أنا متابع شغل الفريق كله. ابتسم سامر في هدوء، لكنه لم يعلق. ..... قبل بداية العرض بنصف ساعة... كانت رنا تحمل مجموعة من الدبابيس الخاصة بتثبيت إحدى القطع. لكنها كانت مستعجلة. وفجأة... اصطدمت بأحد الفنيين. تناثرت الدبابيس على الأرض. شهقت وهي تضع يدها على جبينها. — يا نهار أبيض... جلست بسرعة تجمعها. وفي اللحظة نفسها... انحنى شخص آخر يساعدها. قال بهدوء: — لو فضلتي مستعجلة كده... هنغير اسمك من رنا إلى الإعصار. رفعت رأسها... فضحكت فورًا. — حضرتك! ناولها فاروق آخر دبوس. — خدي... قالت وهي تبتسم بخجل: — والله المرة دي مش غلطي. نظر إلى الفني الذي كان يعتذر بدوره. ثم قال مبتسمًا: — هنعتبرها حادث عمل. وقفت وهي تمسك العلبة جيدًا. — وعد... مش هوقع حاجة تاني. رفع حاجبه. — متأكدة؟ نظرت إلى العلبة. ثم إلى الأرض. — لا... بلاش أوعد. ضحك بخفوت. .... بدأ عرض الأزياء. انطفأت الأنوار. وسلطت الأضواء على منصة العرض. خرجت العارضة الأولى... ثم الثانية... ثم الثالثة. كان المستثمرون يتابعون باهتمام. أما رنا... فكانت تقف خلف الستار، تكاد تحبس أنفاسها مع كل إطلالة. وقف فاروق على بعد خطوات منها. يلتفت أحيانًا إلى المنصة... وأحيانًا إلى شاشة المراقبة. وعندما ظهرت القطعة التي صممتها رنا... ساد صمت لثوانٍ. ثم بدأت همسات الإعجاب بين الحضور. نظر أحد المستثمرين إلى زميله وأومأ برأسه بإعجاب. التفت فاروق نحو رنا. وجدها تنظر إلى المنصة وعيناها تلمعان. لم تقل كلمة واحدة... لكن ابتسامتها قالت كل شيء. اقترب منها خطوة. وقال بصوت منخفض حتى لا يقطع تركيز الفريق: — مبروك. نظرت إليه بدهشة. — لسه العرض مخلصش. ابتسم. — لكن التصميم نجح. شعرت بدفء غريب في قلبها. واكتفت بأن تهمس: — شكرًا. .... بعد انتهاء العرض... وقف الحضور يصفقون بحرارة. تقدم المستثمر الإيطالي لمصافحة فاروق. ثم أشار إلى أحد التصاميم. — هذا التصميم تحديدًا... من صاحبه؟ التفت فاروق نحو رنا. وأشار إليها. تقدمت بتردد. صافحها الرجل بابتسامة، ثم أثنى على التصميم من خلال المترجم، وأشاد بفكرته وأناقته. احمرّ وجه رنا من الخجل. بينما كانت منى تنظر إليها بفخر. .... بعد مغادرة الضيوف... عاد فريق العمل إلى القاعة. قالت منى بحماس: — يا جماعة... نجحنا! تعالت التصفيقات. وفي لحظة عفوية... بدأ الجميع يصفق لرنا. اتسعت عيناها. وأشارت إلى نفسها. — أنا؟ قال أحد المصممين: — أكيد إنتِ... تصميمك كان نجم الليلة. ضحكت وهي تخفي وجهها بكفيها. — خلاص... كفاية... هتخلوني أتكسف. .... كان فاروق يقف بعيدًا يراقب المشهد. اقترب منه سامر. — مبسوطة أوي. أجاب فاروق وهو ينظر إلى الفريق: — تستحق. ابتسم سامر. — وهي تستحق النجاح... ولا تستحق كمان إنك تقولها كلمة حلوة قدام الناس؟ نظر إليه فاروق بطرف عينه. — سامر... ضحك سامر. — خلاص... فهمت. وغادر قبل أن يسمع أي رد. ..... أما في الجهة الأخرى من القاعة... فكانت ليان تتابع كل شيء. ورأت نظرة الفخر في عيني فاروق وهو ينظر إلى رنا. ولأول مرة... شعرت أن منافستها الحقيقية ليست جمال رنا... ولا موهبتها... بل تلك العفوية التي جعلت الرجل الأكثر جدية في الشركة يبتسم دون أن يشعر. عندها فقط... بدأت فكرة صغيرة تتسلل إلى عقلها... فكرة لم تكن تنوي تنفيذها الآن... لكنها أدركت أنها قد تحتاج إليها يومًا ما إذا استمرت الأمور في السير بهذا الاتجاه. الفصل الحادي عشر مرَّ نجاح عرض الأزياء كنسمةٍ جميلة على جميع العاملين في دار لوران. ازدادت طلبات الشراء. وتناقلت مواقع الموضة صور المجموعة الجديدة، مشيدةً بالتصاميم وجودة التنفيذ. أما رنا... فكانت لا تزال غير مصدقة أن تصميمها كان حديث الجميع. .... في صباح يوم الأحد... دخلت رنا قسم التصميم وهي تحمل صندوقًا صغيرًا. وضعت الصندوق على الطاولة الكبيرة. نادت بصوتٍ مرتفع: — يا جماعة... خمس دقايق بس. التفت الجميع إليها. فتحت الصندوق. لتظهر عشرات قطع الكعك الصغيرة المزينة بالشوكولاتة. قالت بابتسامة واسعة: — دي مني... احتفالًا بنجاح المجموعة. صفق بعض زملائها. بينما قالت سارة مازحة: — يعني أخيرًا هنستفيد من نجاحك. ضحكت رنا. — كلي واسكتي. .... بعد دقائق... دخل فاروق إلى القسم كعادته. وما إن خطا خطوتين... حتى توقفت رنا أمامه وهي تحمل طبقًا صغيرًا. — صباح الخير. — صباح النور. مدت الطبق نحوه. — اتفضل. نظر إلى الطبق. ثم إليها. — إيه ده؟ — احتفال صغير. قال بهدوء: — شكرًا... لكني لا آكل الحلويات في الصباح. أخفضت الطبق وهي تهز رأسها بأسف مصطنع. — خسارة... رفع أحد حاجبيه. — خسارة؟ قالت وهي تكتم ضحكتها: — كنت ناوية أقول للناس إن الأستاذ فاروق أكل من إيدي... بس خلاص. ساد صمت قصير... ثم نظر إليها قائلًا: — دي محاولة ابتزاز؟ ضحكت. — لا... محاولة تسويق. ولأول مرة أمام عدد كبير من الموظفين... ابتسم فاروق ابتسامة واضحة. ثم أخذ قطعة صغيرة من الطبق. — كده ينفع؟ اتسعت عينا رنا. — ينفع جدًا. التفتت إلى زملائها وهمست بصوتٍ مسموع: — يا جماعة... اشهدوا. تعالت الضحكات في القسم. أما فاروق، فاكتفى بهز رأسه وهو يكمل طريقه إلى مكتب منى. .... بعد انتهاء الاجتماع... خرج فاروق من المكتب. كان لا يزال يحمل منديلًا ورقيًا. اقتربت منه رنا. — على فكرة... توقف. — الكعك كان عامل إيه؟ نظر إليها بجدية متعمدة. — معقول. فتحت فمها بدهشة. — معقول بس؟ — أيوه. تنهدت بحزن تمثيلي. — كنت متوقعة على الأقل "جيد جدًا". ظل ينظر إليها للحظة... ثم قال وهو يكمل سيره: — ممتاز. ابتسمت بانتصار. ورفعت قبضتها الصغيرة في الهواء. — كنت عارفة! .... في استراحة الظهيرة... جلس الموظفون في الكافتيريا. قال أحد المصممين: — رنا... إنتِ أول واحدة تخلي الأستاذ فاروق ياكل حلويات في الشغل. ضحكت. — يمكن كان جعان. ردت سارة: — لا يا ستي... ده بقاله ثلاث سنين بيرفض أي حاجة حلوة. اتسعت عينا رنا. — بجد؟ أومأت سارة. — بجد. صمتت رنا للحظة. ثم تمتمت: — يبقى الكعك بتاعي ليه سحر خاص. فضحك الجميع. .... في مكتبه... كان فاروق يراجع بعض العقود. لكن تركيزه انقطع عندما وجد على طرف مكتبه منديلًا ورقيًا صغيرًا. فتحه. وجد بداخله قطعة شوكولاتة صغيرة. وملحوظة مكتوبة بخط يد رنا: "لما تحب تقول على حاجة (معقولة)... افتكر إن في قطعة شوكولاتة مستنياك." ظل ينظر إلى الورقة لثوانٍ. ثم هز رأسه مبتسمًا. في تلك اللحظة... دخل سامر. لاحظ الابتسامة. ثم وقعت عيناه على الورقة. — دي من مين؟ أغلق فاروق الورقة بسرعة. — مفيش. ابتسم سامر بخبث. — واضح إن كلمة "مفيش" بقت معناها "رنا". نظر إليه فاروق نظرة تحذير. لكنها لم تكن كافية لإخفاء الابتسامة التي ارتسمت على وجهه. .... في الجهة الأخرى... كانت ليان تراجع خطة حملة إعلانية جديدة. دخلت إحدى الموظفات. — آنسة ليان... شوفتِ رنا وهي بتوزع حلويات الصبح؟ ابتسمت ليان ابتسامة هادئة. — أيوه. — حتى الأستاذ فاروق أكل منها. اختفت الابتسامة من وجه ليان لثانية واحدة... ثم عادت بسرعة. — جميل... خرجت الموظفة. أما ليان، فأغلقت الملف أمامها ببطء. وقالت في نفسها: "كل يوم... بتقرب خطوة." ثم نهضت واتجهت نحو النافذة. كانت ترى رنا في الحديقة الصغيرة التابعة للشركة، تضحك مع زملائها بعفوية. لم تشعر ليان بالكراهية... لكنها شعرت بالخوف. الخوف من أن يأتي يوم، ويصبح وجود رنا في حياة فاروق أمرًا لا يمكن تغييره. وفي الطابق العلوي... وقف فاروق أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى الحديقة نفسها. فرأى رنا تضحك وهي تحاول إطعام عصفور صغير فتطير الفتات قبل أن يصل إليه. ابتسم دون أن يشعر. ولأول مرة... سأل نفسه سؤالًا لم يبحث له عن إجابة: لماذا أصبح وجودها يلفت انتباهي إلى هذا الحد؟ الفصل الثاني عشر مرَّ شهران منذ انضمام رنا إلى دار لوران. وخلال تلك الفترة... لم تعد مجرد المصممة الجديدة. بل أصبحت اسمًا معروفًا داخل الشركة. يعرفها الجميع بابتسامتها... وبقدرتها الغريبة على تحويل أكثر الأيام ضغطًا إلى يوم أخف. حتى فاروق... أصبح يعتاد وجودها في اجتماعات التصميم. وإذا غابت يومًا عن أحد الاجتماعات بسبب انشغالها في قسم الخامات، شعر أن هناك شيئًا ناقصًا... دون أن يعترف بذلك لنفسه. .... في صباح أحد الأيام... دخلت رنا الشركة وهي تحمل باقة صغيرة من زهور الأقحوان. استقبلها عم حسن بابتسامته المعتادة. — صباح الخير يا آنسة رنا. رفعت الباقة أمامه. — دي ليك. فتح عينيه بدهشة. — ليا أنا؟ — أيوه... امبارح سمعتك بتقول إن النهارده عيد جوازك. ضحك الرجل بسعادة. — إنتِ فاكرة؟ هزت كتفيها. — قلتلك قبل كده... المصمم بيلاحظ التفاصيل. تأثّر الرجل كثيرًا. — ربنا يسعد قلبك يا بنتي. ابتسمت وأكملت طريقها. .... في الطابق الخامس... كانت ليان تراقب المشهد من بعيد. لم تستطع منع نفسها من الابتسام. رنا لم تكن تتصنع اللطف... بل كانت هكذا مع الجميع. وهذا تحديدًا ما جعلها محبوبة. لكن ليان كانت تعلم أن هذه الصفات قد تجعل أي رجل يقع في حبها. .... بعد الظهر... كان فاروق يراجع أحد العقود المهمة داخل مكتبه. رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. والدته. ابتسم وأجاب. — السلام عليكم يا أمي. — وعليكم السلام يا حبيبي... عامل إيه؟ — الحمد لله. جاءه صوتها الدافئ: — هتيجي تتغدى معايا النهارده؟ نظر إلى الملفات المتراكمة أمامه. — نفسي... بس عندي شغل كتير. تنهدت والدته. — يا فاروق... الشركة مش هتهرب. ابتسم. — عارف. ثم قالت بنبرة تحمل معنى آخر: — وعلى فكرة... ابن خالتك اتخطب الأسبوع اللي فات. أغلق عينيه وهو يعرف إلى أين يتجه الحديث. — ربنا يبارك له. — وأنت بقى؟ ضحك بخفة. — يا أمي... — إيه يا أمي؟ كل مرة أقولك نفس الكلام. تنهد. — لما ألاقي الإنسانة المناسبة. — ولا أنت مستنيها تنزل من السما؟ ابتسم وهو يهز رأسه. — يمكن. أنهت المكالمة بعد أن أوصته ألا يهمل نفسه. ظل الهاتف في يده للحظات... ثم أعاده إلى المكتب. وتسلل سؤال صغير إلى عقله... يا ترى... كيف تكون المرأة المناسبة؟ ولأول مرة... ظهرت أمامه صورة رنا وهي تضحك. هز رأسه سريعًا. — إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ ثم عاد إلى عمله. .... في قسم التصميم... كانت رنا تساعد إحدى المتدربات الجدد. قالت الفتاة بخجل: — معلش... أنا بوظت الرسمة. ابتسمت رنا. — مفيش رسمة بتبوظ. — إزاي؟ جلست بجوارها. — كل غلطة بتعلمنا نرسم أحسن. ثم أمسكت قلمها. وخلال دقائق... حولت الخطأ إلى تصميم جديد. صفقت المتدربة بسعادة. — بجد... أنا كنت هعيط. ضحكت رنا. — ممنوع العياط في قسم التصميم. في تلك اللحظة... كان فاروق يمر أمام القسم. توقف دون أن يشعر. ورأى رنا وهي تشجع الفتاة بابتسامتها المعتادة. ظل يراقب المشهد لثوانٍ. ثم أكمل طريقه. لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه. .... في نهاية الدوام... خرجت رنا من الشركة. وقفت على الرصيف تنتظر سيارة أجرة. لكن السيارات كانت قليلة بسبب الزحام. مرت عشر دقائق... ثم خمس أخرى. وفي تلك اللحظة... توقفت سيارة سوداء بجوارها. انخفض زجاج النافذة. كان فاروق. نظر إليها بهدوء. — لسه واقفة؟ ابتسمت. — واضح. — مستنية إيه؟ — تاكسي... بس شكله قاطعني. نظر إلى الشارع المزدحم. ثم قال ببساطة: — اركبي... أوصلك في طريقي. ترددت لثوانٍ. — لا... هتعب حضرتك. — مش هتتعبيني. ظلت صامتة. ثم قالت بابتسامة خفيفة: — بشرط. رفع حاجبه. — شرط؟ — ما نتكلمش في الشغل طول الطريق. نظر إليها ثانية... ثم ابتسم. — موافق. فتحت الباب وجلست. .... تحركت السيارة بهدوء. ساد الصمت لدقائق. ثم قالت رنا وهي تنظر من النافذة: — أنا أول مرة أركب عربية رئيس تنفيذي. رد بهدوء: — وإيه رأيك؟ نظرت حولها. — كنت متخيلة فيها أزرار بتطير. التفت إليها باستغراب. — بتطير؟ ضحكت. — معرفش... أفلام بقى. هز رأسه مبتسمًا. — للأسف... عربية عادية. — خسارة... ثم نظرت إليه بطرف عينها. — بس السواق محترم. نظر إليها. ثم ضحك. ضحكة قصيرة... لكنها خرجت من قلبه. ولم ينتبها... إلى السيارة التي كانت تقف على الجانب الآخر من الطريق. كانت ليان قد خرجت لتوها من الشركة. ورأت رنا وهي تصعد إلى سيارة فاروق. تابعت السيارة حتى ابتعدت. وشعرت بانقباض في قلبها. لم يكن بينهما أي تصرف خاطئ... لكنها كانت ترى المسافة بينهما تضيق يومًا بعد يوم. وفي مكان ما داخلها... بدأ قرار يتشكل ببطء... قرار سيغير مجرى الأحداث في الفصول القادمة. # الفصل الثالث عشر عاد الهدوء إلى **دار لوران للأزياء** بعد النجاح الكبير الذي حققته المجموعة الأخيرة. لكن الهدوء في دار لوران... كان يعني بداية عمل جديد. --- في التاسعة صباحًا... دخل فاروق إلى قاعة الاجتماعات، يتبعه سامر وهو يحمل مجموعة من الملفات. جلس مديرو الأقسام في أماكنهم. قال فاروق بهدوئه المعتاد: — وصلتنا دعوة للمشاركة في أسبوع الموضة بالقاهرة بعد شهر. ساد الصمت لثوانٍ. ثم بدأت الابتسامات تظهر على الوجوه. فالمشاركة في هذا الحدث كانت حلمًا لأي دار أزياء. أكمل فاروق: — المشاركة دي مهمة... لأن هيكون فيها دور أزياء من أكتر من عشر دول. فتح ملفًا أمامه. — وعلشان كده... عايز مجموعة مختلفة... تحمل هوية دار لوران. --- بعد انتهاء الاجتماع... طلب منى أن تبقى قليلًا. وقبل أن تغادر، قال: — من فضلك... ابعتيلي رنا. --- طرقت رنا باب المكتب بعد دقائق. — اتفضل. دخلت وهي تحمل دفترها. — حضرتك طلبتني؟ أشار إلى المقعد المقابل. — اقعدي. جلست وهي تحاول أن تبدو هادئة، رغم أن قلبها بدأ يخفق بسرعة. ناولها ملفًا أزرق. — عارف إن ده تكليف كبير... فتحت الملف. وجدت في الصفحة الأولى عنوانًا كبيرًا: **"مجموعة أسبوع الموضة."** رفعت رأسها إليه. — حضرتك... ابتسم ابتسامة خفيفة. — عايزك تكوني المصمم الرئيسي للمجموعة. تجمدت للحظة. — أنا؟ — أيوه. — بس... في مصممين أقدم مني بسنين. أغلق الملف برفق. — وأنا اخترتك إنتِ. ظلت تنظر إليه في صمت. ثم سألت بصوت منخفض: — ليه؟ أجاب بثقة: — لأن عندك موهبة... وعندك جرأة في الأفكار... والأهم إنك بتسمعي الملاحظات وتعرفي تطوري شغلك. شعرت بحرارة تسري في وجهها. لم تكن كلمات مجاملة... بل شهادة من الشخص الذي نادرًا ما يوزع الثناء. ابتسمت وقالت: — أوعد حضرتك... مش هخذلك. ابتسم بهدوء. — وأنا واثق. --- خرجت رنا من المكتب وهي لا تكاد تلمس الأرض من شدة السعادة. وما إن دخلت قسم التصميم... حتى لاحظت منى ملامحها. — خير؟ وضعت الملف أمامها. — شوفي. فتحت منى الملف. ثم نظرت إليها بابتسامة واسعة. — مبروك يا رنا. احتضنتها بحنان. — دي فرصة كبيرة. قالت رنا وهي لا تزال غير مصدقة: — أنا لحد دلوقتي حاسة إني بحلم. --- في فترة الظهيرة... كانت رنا تقف أمام لوحة كبيرة، ترسم أولى الأفكار. اقترب منها فاروق بهدوء. نظر إلى الخطوط الأولى. — بدأتي؟ أومأت. — من خمس دقايق. أشار إلى أحد الرسومات. — الفكرة دي حلوة... بس جربي تخلي الخطوط أبسط. نظرت إلى الرسم. ثم هزت رأسها. — عند حضرتك حق. بدأت تمسح بعض الخطوط. ثم توقفت فجأة. — على فكرة... نظر إليها. — حضرتك بتقول "بسيطة" كأنها أسهل حاجة في الدنيا. ابتسم. — هي بسيطة. رفعت القلم في وجهه مازحة. — لا... هي بسيطة بالنسبة لحضرتك. رد بهدوء: — بالنسبة للمصمم الشاطر... البساطة أصعب من التعقيد. تأملت الجملة لثوانٍ. ثم قالت بابتسامة: — دي هكتبها في أول صفحة في دفتري. --- بعد العصر... وصلت عينات أقمشة جديدة. كانت رنا تحاول فرد قطعة قماش كبيرة فوق الطاولة. لكنها كانت أطول منها. كلما شدت طرفًا... سقط الطرف الآخر. قالت بضيق: — هو القماش ده متربي على العناد؟ في تلك اللحظة... دخل فاروق. نظر إلى المشهد. ثم أمسك بالطرف الآخر دون أن يتكلم. رفعت رأسها إليه. — شكرًا. قال بهدوء: — واضح إنه كسب الجولة. ضحكت. — الجولة الخامسة تقريبًا. بدأ الاثنان يفردان القماش معًا. قالت وهي تركز في الخامة: — حضرتك متخيل؟ — إيه؟ — من تلات شهور كنت بخاف أكلمك. نظر إليها بطرف عينه. — ودلوقتي؟ ابتسمت. — دلوقتي بقيت بخاف من القماش أكتر. ضحك بصوت خافت. — تطور ملحوظ. --- في نهاية اليوم... كان معظم الموظفين قد غادروا. أما رنا... فكانت لا تزال تعمل. مر فاروق بقسم التصميم. توقف أمام مكتبها. وجدها نائمة، وقد أسندت رأسها على دفتر الرسومات، بينما لا يزال قلم الرصاص بين أصابعها. نظر إلى التصميم الذي انتهت منه. ابتسم بإعجاب. ثم خلع سترته بهدوء... ووضعها فوق كتفيها حتى لا تشعر ببرودة المكيف. وأطفأ المصباح الصغير فوق المكتب، تاركًا الإضاءة الجانبية فقط. ثم غادر دون أن يحدث أي صوت. بعد دقائق... دخلت منى لتأخذ هاتفها الذي نسيته. فتوقفت مكانها عندما رأت رنا نائمة، وسترة فاروق تغطي كتفيها. ابتسمت في هدوء. ولم توقظها. بل أغلقت الباب برفق، وهي تتمتم: — واضح إن فيه حد... بدأ يهتم أكتر من اللازم. أما في الطابق العلوي... فجلس فاروق في مكتبه، يحاول التركيز في أوراقه. لكنه وجد نفسه يفكر... هل كانت سترته كافية لتدفئتها؟ ابتسم لنفسه، وهز رأسه مستغربًا. ثم عاد إلى عمله... دون أن يدرك أن قلبه كان يخط أول خيوط الحب، بهدوء، ودون استئذان. # الفصل الرابع عشر مرّت أيام قليلة... وأصبحت التحضيرات للمجموعة الجديدة تسير بسرعة. كانت رنا تقضي معظم وقتها بين غرفة الخامات، وقسم التصميم، ومكتب منى. أما فاروق... فأصبح يمر على القسم أكثر من المعتاد. في البداية، ظن الجميع أن السبب هو أهمية المشروع. لكن سارة كانت تبتسم كلما رأته. وتقول في نفسها: "واضح إن المشروع اسمه رنا." --- في صباح أحد الأيام... دخل سامر إلى مكتب فاروق يحمل ملفًا. — أستاذ فاروق... إدارة الفندق أكدت الحجز. رفع فاروق رأسه. — تمام. — المعرض بكرة الساعة عشرة. أغلق الملف. — بلغّي فريق التصميم يتحرك الساعة تسعة. --- كان المعرض الدولي للأقمشة والإكسسوارات يقام مرة كل عام. وتحرص أكبر دور الأزياء على حضوره. لأنه المكان الذي تُولد فيه الأفكار الجديدة. --- في صباح اليوم التالي... وصل فريق دار لوران إلى قاعة المعرض. وقفت رنا عند المدخل، تنظر حولها بانبهار. — يا الله... اقتربت منها سارة. — أول مرة؟ أومأت. — حاسة إني دخلت مدينة تانية. ضحكت سارة. — استني لما تشوفي الجناح الإيطالي. --- بدأ الفريق يتجول بين الأجنحة. كانت رنا تلمس الأقمشة، وتسأل المصممين عن طرق التصنيع، وتسجل ملاحظات بسرعة. راقبها فاروق من بعيد. ثم قال لسامر: — شايف حماسها؟ ابتسم سامر. — شايف إنك شايف حماسها. نظر إليه فاروق بطرف عينه. فضحك سامر وابتعد قبل أن يسمع تعليقًا. --- بعد ساعة... توقف الجميع أمام جناح يعرض تقنيات جديدة في التطريز اليدوي. كانت رنا مندمجة في الحديث مع المصمم المسؤول. ثم التفتت لتبحث عن فريقها. لكنهم لم يكونوا في مكانهم. نظرت يمينًا... ثم يسارًا. — يا نهار... أخرجت هاتفها. لكن الشبكة كانت ضعيفة داخل القاعة. وقفت في مكانها وهي تحاول ألا تشعر بالقلق. وفجأة... سمعت صوتًا تعرفه جيدًا. — واضح إنك تايهة. التفتت بسرعة. وجدت فاروق يقف على بعد خطوات، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه. تنفست براحة. — الحمد لله... افتكرتهم سافروا ونسوني. قال وهو يشير إلى نهاية الممر: — الفريق هناك... وأنا افتكرت إنك أكيد واقفة عند أول حاجة شدتك. ابتسمت بخجل. — حصل فعلًا. --- وأثناء سيرهما... توقفا أمام جناح صغير يعرض قطعًا مطرزة يدويًا. أمسكت رنا قطعة قماش مطرزة بإعجاب. — دي تحفة. قال البائع باللغة الإنجليزية: — صنعت يدويًا خلال أكثر من مائة ساعة. ترجم فاروق الجملة لها. نظرت إلى القطعة مرة أخرى. ثم قالت: — دلوقتي بقت أغلى عندي. ابتسم وهو يراها تتأملها كطفلة وجدت لعبتها المفضلة. --- بعد الظهيرة... جلس الفريق في المقهى الملحق بالمعرض. كانت الطاولات مزدحمة. ولم يتبقَّ سوى مقعدين متجاورين. جلست رنا أولًا. ثم جلس فاروق بجوارها. قال النادل: — ماذا تفضلون؟ قال فاروق: — قهوة سوداء. ثم نظر إلى رنا. — وإنتِ؟ قالت بثقة: — أي حاجة... إلا القهوة السادة. رفع حاجبه. — ليه؟ تكشرت ملامحها. — مرة شربتها... حسيت إن الحياة كلها زعلت مني. ضحك لأول مرة بصوت واضح. حتى النادل ابتسم. قال فاروق: — يبقى كابتشينو. هزت رأسها بحماس. — أيوه... دي صديقة العمر. --- بعد دقائق... وصلت المشروبات. لكن النادل أخطأ. ووضع القهوة السوداء أمام رنا. والكابتشينو أمام فاروق. أمسكت رنا الفنجان دون أن تنتبه. وأخذت رشفة كبيرة. وفي الثانية التالية... تغيرت ملامحها تمامًا. أغلقت عينيها بسرعة. وقالت بصوت منخفض: — دي... دي مش كابتشينو! نظر فاروق إلى الفنجان. ثم انفجر ضاحكًا. ضحكة صادقة هذه المرة. حاول أن يتوقف... لكنه لم يستطع. نظرت إليه وهي تعقد ذراعيها. — حضرتك بتضحك؟ قال بين ضحكاته: — آسف... بس شكلك كان... قاطعتْه وهي تبتسم رغمًا عنها: — متكملش. بدّل النادل الفنجان وهو يعتذر. وما إن تذوقت الكابتشينو... حتى تنهدت براحة. — الحمد لله... رجعت أحب الحياة. ضحك فاروق مرة أخرى. --- كان على الطاولة المقابلة... تجلس ليان مع مسؤولة إحدى الشركات. ورغم أنها كانت منشغلة في الحديث... إلا أن عينيها ذهبتا دون إرادة نحو فاروق. ورأته يضحك... مرة... ثم ثانية... ثم ينظر إلى رنا بتلك النظرة الهادئة التي لم تعتد أن تراها في عينيه. في تلك اللحظة... أدركت حقيقة كانت تؤجل الاعتراف بها. فاروق لم يعد يبتسم بسبب المواقف فقط... بل بسبب الشخص الذي يشاركه تلك المواقف. --- وفي طريق العودة إلى الشركة... جلست رنا تنظر من نافذة السيارة. ثم قالت فجأة: — حضرتك. — نعم؟ ابتسمت وهي تنظر للطريق. — شكرًا. نظر إليها باستغراب. — على إيه؟ — على إنك خليت أول معرض أحضره... ذكرى حلوة. ساد الصمت للحظات. ثم قال بصوته الهادئ: — وأنا سعيد إنك كنتِ مع الفريق. لم تكن الجملة تحمل اعترافًا... لكنها بقيت ترن في قلب رنا طوال الطريق. أما فاروق... فكان يبتسم وهو يقود. دون أن ينتبه... أن قلبه هو الآخر... بدأ يبتسم. لمتابعة بقية القصة، تابع صفحة سحر الفيروز وستجد حكايات ممتعة.