خيوط القمر ج٢

الفصل الحادي عشر

مرَّ نجاح عرض الأزياء كنسمةٍ جميلة على جميع العاملين في دار لوران.
ازدادت طلبات الشراء.
وتناقلت مواقع الموضة صور المجموعة الجديدة، مشيدةً بالتصاميم وجودة التنفيذ.
أما رنا…
فكانت لا تزال غير مصدقة أن تصميمها كان حديث الجميع.
….
في صباح يوم الأحد…
دخلت رنا قسم التصميم وهي تحمل صندوقًا صغيرًا.
وضعت الصندوق على الطاولة الكبيرة.
نادت بصوتٍ مرتفع:
— يا جماعة… خمس دقايق بس.
التفت الجميع إليها.
فتحت الصندوق.
لتظهر عشرات قطع الكعك الصغيرة المزينة بالشوكولاتة.
قالت بابتسامة واسعة:
— دي مني… احتفالًا بنجاح المجموعة.
صفق بعض زملائها.
بينما قالت سارة مازحة:
— يعني أخيرًا هنستفيد من نجاحك.
ضحكت رنا.
— كلي واسكتي.
….
بعد دقائق…
دخل فاروق إلى القسم كعادته.
وما إن خطا خطوتين…
حتى توقفت رنا أمامه وهي تحمل طبقًا صغيرًا.
— صباح الخير.
— صباح النور.
مدت الطبق نحوه.
— اتفضل.
نظر إلى الطبق.
ثم إليها.
— إيه ده؟
— احتفال صغير.
قال بهدوء:
— شكرًا… لكني لا آكل الحلويات في الصباح.
أخفضت الطبق وهي تهز رأسها بأسف مصطنع.
— خسارة…
رفع أحد حاجبيه.
— خسارة؟
قالت وهي تكتم ضحكتها:
— كنت ناوية أقول للناس إن الأستاذ فاروق أكل من إيدي… بس خلاص.
ساد صمت قصير…
ثم نظر إليها قائلًا:
— دي محاولة ابتزاز؟
ضحكت.
— لا… محاولة تسويق.
ولأول مرة أمام عدد كبير من الموظفين…
ابتسم فاروق ابتسامة واضحة.
ثم أخذ قطعة صغيرة من الطبق.
— كده ينفع؟
اتسعت عينا رنا.
— ينفع جدًا.
التفتت إلى زملائها وهمست بصوتٍ مسموع:
— يا جماعة… اشهدوا.
تعالت الضحكات في القسم.
أما فاروق، فاكتفى بهز رأسه وهو يكمل طريقه إلى مكتب منى.
….
بعد انتهاء الاجتماع…
خرج فاروق من المكتب.
كان لا يزال يحمل منديلًا ورقيًا.
اقتربت منه رنا.
— على فكرة…
توقف.
— الكعك كان عامل إيه؟
نظر إليها بجدية متعمدة.
— معقول.
فتحت فمها بدهشة.
— معقول بس؟
— أيوه.
تنهدت بحزن تمثيلي.
— كنت متوقعة على الأقل “جيد جدًا”.
ظل ينظر إليها للحظة…
ثم قال وهو يكمل سيره:
— ممتاز.
ابتسمت بانتصار.
ورفعت قبضتها الصغيرة في الهواء.
— كنت عارفة!
….
في استراحة الظهيرة…
جلس الموظفون في الكافتيريا.
قال أحد المصممين:
— رنا… إنتِ أول واحدة تخلي الأستاذ فاروق ياكل حلويات في الشغل.
ضحكت.
— يمكن كان جعان.
ردت سارة:
— لا يا ستي… ده بقاله ثلاث سنين بيرفض أي حاجة حلوة.
اتسعت عينا رنا.
— بجد؟
أومأت سارة.
— بجد.
صمتت رنا للحظة.
ثم تمتمت:
— يبقى الكعك بتاعي ليه سحر خاص.
فضحك الجميع.
….
في مكتبه…
كان فاروق يراجع بعض العقود.
لكن تركيزه انقطع عندما وجد على طرف مكتبه منديلًا ورقيًا صغيرًا.
فتحه.
وجد بداخله قطعة شوكولاتة صغيرة.
وملحوظة مكتوبة بخط يد رنا:
“لما تحب تقول على حاجة (معقولة)… افتكر إن في قطعة شوكولاتة مستنياك.”
ظل ينظر إلى الورقة لثوانٍ.
ثم هز رأسه مبتسمًا.
في تلك اللحظة…
دخل سامر.
لاحظ الابتسامة.
ثم وقعت عيناه على الورقة.
— دي من مين؟
أغلق فاروق الورقة بسرعة.
— مفيش.
ابتسم سامر بخبث.
— واضح إن كلمة “مفيش” بقت معناها “رنا”.
نظر إليه فاروق نظرة تحذير.
لكنها لم تكن كافية لإخفاء الابتسامة التي ارتسمت على وجهه.
….
في الجهة الأخرى…
كانت ليان تراجع خطة حملة إعلانية جديدة.
دخلت إحدى الموظفات.
— آنسة ليان… شوفتِ رنا وهي بتوزع حلويات الصبح؟
ابتسمت ليان ابتسامة هادئة.
— أيوه.
— حتى الأستاذ فاروق أكل منها.
اختفت الابتسامة من وجه ليان لثانية واحدة…
ثم عادت بسرعة.
— جميل…
خرجت الموظفة.
أما ليان، فأغلقت الملف أمامها ببطء.
وقالت في نفسها:
“كل يوم… بتقرب خطوة.”
ثم نهضت واتجهت نحو النافذة.
كانت ترى رنا في الحديقة الصغيرة التابعة للشركة، تضحك مع زملائها بعفوية.
لم تشعر ليان بالكراهية…
لكنها شعرت بالخوف.
الخوف من أن يأتي يوم، ويصبح وجود رنا في حياة فاروق أمرًا لا يمكن تغييره.
وفي الطابق العلوي…
وقف فاروق أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى الحديقة نفسها.
فرأى رنا تضحك وهي تحاول إطعام عصفور صغير فتطير الفتات قبل أن يصل إليه.
ابتسم دون أن يشعر.
ولأول مرة…
سأل نفسه سؤالًا لم يبحث له عن إجابة:
لماذا أصبح وجودها يلفت انتباهي إلى هذا الحد؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *