عروس رشيدي ج٢

—

مع أول ضوء للفجر…

كان فارس قد امتطى جواده، متجهًا وحده إلى المندرة.

رفض أن يصطحب أحدًا معه.

كلما اقترب من المكان، ازدادت علامات الزمن وضوحًا.

جدران متشققة…

أبواب خشبية متآكلة…

وساحة يغطيها الغبار والأعشاب اليابسة.

دفع الباب بصعوبة حتى انفتح محدثًا صريرًا حادًا.

دخل بخطوات هادئة.

كان المكان خاليًا، لكن إحساسًا غريبًا راوده بأن هذه الجدران ما زالت تحتفظ بأسرارها.

وبينما كان يتفقد الغرفة الرئيسية، لمح شيئًا يلمع أسفل خزانة خشبية مكسورة.

انحنى والتقطه.

كانت **سبحة فضية**، يتدلى منها جزء صغير منقوش عليه حرفان:

**(ع. ر)**

ظل يتأملها طويلًا.

همس:

— عبد الرحمن رشيدي…

قبض عليها بقوة، وقد ازداد يقينه أن والده كان هنا فعلًا.

—

في منزل رياض…

كانت حنين تساعد والدتها في تنظيف الفناء.

لاحظت أن والدها لم يذق طعامه منذ عاد بالأمس.

اقتربت منه.

— يا بوي… مالك؟

ابتسم ابتسامة شاحبة.

— مفيش يا بنتي.

جلست إلى جواره.

— أنت عمرك ما خبيت عني حاجة… ليه دلوقتي ساكت؟

نظر إليها طويلًا.

كانت تشبه والدتها في ملامحها، لكنها تحمل في عينيها نفس نظرة الإصرار التي عرفها منذ طفولتها.

قال بحنان:

— في حاجات يا حنين… لما نعرفها بدري، بتوجع أكتر.

أمسكت يده.

— وأنا راضية بأي وجع… المهم أعرف الحقيقة.

خفض رأسه.

كان يريد أن يتكلم.

لكن الخوف كان أقوى.

—

في سرايا الدهشان…

كان حامد يجلس وحده عندما دخل عليه رجل ملثم.

أغلق الباب خلفه.

قال بصوت خافت:

— فارس بدأ يدور في الماضي.

ضرب حامد بعصاه الأرض.

— كنت متوقع.

— وراح المندرة القديمة.

تغيرت ملامح حامد فجأة.

— المندرة؟

أومأ الرجل.

ظل حامد صامتًا لثوانٍ، ثم قال:

— راقبوه… بس محدش يقرب منه.

— ولو لقى حاجة؟

رد حامد بنبرة غامضة:

— اللي هيلاقيه… هيغير كل اللي إحنا عايشين عليه.

—

في عصر اليوم نفسه…

أقيم سوق أسبوعي كبير في البلدة.

خرجت حنين مع والدتها لشراء بعض الاحتياجات.

كان السوق مزدحمًا كعادته.

وفي أثناء سيرهما، تعثر رجل مسن وسقط على الأرض.

أسرعت حنين إليه.

— حاج… إنت كويس؟

وبينما كانت تساعده على الوقوف، خرج حصان مذعور من بين العربات، يجر خلفه عربة خشبية فقد صاحبها السيطرة عليها.

اندفع الحصان مباشرة نحو مكان تجمع الناس.

تعالت الصرخات.

حاول الجميع الابتعاد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *