صغيرتي بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
وفي الجهة الأخرى من القصر…
كان قاسم يقف أمام النافذة، يحمل الصورة القديمة نفسها بين يديه.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
ثبت نظره على وجه والد ليان، ثم قال بصوت خافت:
– وعدتك أحافظ عليها…
بس الوعد بقى أصعب كل يوم.
ثم أغلق الصورة داخل درج مكتبه بالمفتاح…
غير مدرك أن ليان أصبحت تعرف بوجودها، وأن الخيوط التي أخفاها سنوات بدأت تنكشف، واحدة تلو الأخرى.
حلَّ الصباح على القصر، لكن هذه المرة كان مختلفًا.
لم تستيقظ ليان وهي تفكر في الهرب…
ولا في الانتقام.
كانت تفكر في سؤال واحد فقط…
من هو الرجل الثالث الموجود في الصورة؟
خرجت من جناحها لأول مرة دون أن يمنعها أحد.
كانت تسير في الممرات ببطء، وعيناها تبحثان عن مكتب قاسم.
لكن قبل أن تصل إليه…
وصلها صوت رجاله من الحديقة الخلفية.
– الباشا قال نزود الحراسة.
– واضح إن الخولي بدأ يتحرك.
توقفت مكانها.
الخولي…
الاسم نفسه الذي سمعته ليلة وقوفها أمام مكتب قاسم.
اختبأت خلف أحد الأعمدة.
قال الرجل الآخر:
– لو عرف إن الهانم خرجت بره القصر… هيعتبرها فرصته.
رد الأول:
– الباشا مستعد يولع الدنيا كلها قبل ما حد يقرب منها.
شعرت ليان بقشعريرة.
لم تنتظر سماع المزيد.
عادت بخطوات سريعة.
وفي اللحظة نفسها…
اصطدمت بصدرٍ صلب.
رفعت رأسها.
كان قاسم.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بهدوء:
– كنتِ بتسمعي إيه؟
لم تكذب هذه المرة.
– كل حاجة.
ساد الصمت بينهما.
ثم رفعت عينيها إليه مباشرة.
– أنا عايزة الحقيقة كاملة.
– دلوقتي.
أجابها بهدوء:
– والحقيقة لو وجعتك؟
– أهون من الكدب.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم قال:
– يبقى تعالي معايا.
قادها إلى غرفة صغيرة في آخر القصر.
غرفة لم تدخلها من قبل.
أخرج مفتاحًا من جيبه.
فتح الباب.
دخلت خلفه.
كانت الغرفة مليئة بصناديق قديمة وصور وأوراق.
اتجه إلى خزانة خشبية.
وأخرج ألبوم صور قديم.
وضعه أمامها.
– افتحي.
جلست ببطء.
بدأت تقلب الصفحات.
صور كثيرة…
والدها…
وقاسم…
والرجل الثالث…
ورحلات…
وأعياد…
واجتماعات عائلية.
ثم توقفت عند صورة صغيرة.
اتسعت عيناها.
كانت طفلة لا تتجاوز الخامسة…
تجلس فوق أرجوحة.
ويقف خلفها صبي يبتسم وهو يدفعها.
همست:
– دي…
أنا.
رفع قاسم عينيه إليها.
– أيوه.
قلبها بدأ يخفق بعنف.
وأشارت إلى الصبي.
– وده…
ابتسم لأول مرة منذ زمن…
ابتسامة صغيرة امتزج فيها الحنين بالألم.
وقال بصوت هادئ:
– أنا.
تجمدت ليان.
– مستحيل…
اقترب منها بخطوة.
وقال وهو ينظر إلى الصورة:
– كان عندي عشر سنين…
وأنتِ خمس سنين.
كنتِ كل ما تشوفيني…
تجري عليا وتقولي: “قاسم… زقني أعلى.”
ابتلعت ريقها.
لم تستطع أن تتذكر.
لكنه أكمل بابتسامة باهتة:
– وأبوكي كان بيضحك ويقول…
“البنت دي مش هتبطل تعلق في رقبتك.”
رفع عينيه إليها.
ثم قال الجملة التي ستكون بداية كشف النهاية:
– أنا ما عرفتش اسمك يوم اتجوزتك…
أنا عرفتك…
من قبل ما تعرفي حتى يعني إيه حب… أو خوف.
ظلَّت ليان تحدق في الصورة، وكأن الزمن توقف.
عيناها تنتقلان بين ملامح الطفلة الصغيرة… ووجه قاسم الصغير الواقف خلفها.
همست بعدم تصديق:
– أنا… عمري ما افتكرتك.
ابتسم ابتسامة هادئة، لكنها كانت تحمل وجع سنوات طويلة.
– طبيعي.
– كان عندك خمس سنين.
أخذ الصورة من يدها برفق، ومرر أصابعه على أطرافها القديمة.
– أبوكي كان أقرب صاحب لأبويا… وكنا بنتقابل كل أسبوع تقريبًا.
نظر إلى الصورة قليلًا، ثم أكمل:
– كل مرة كنت تدخل فيها البيت… كنتِ تسيبي ألعابك وتجري عليا.
ابتسم رغمًا عنه.
– وكنتِ مصرة إني ألعب معاكي.
شعرت ليان بشيء غريب يهتز داخلها.
شيء يشبه ذكرى بعيدة جدًا…
لا تكاد تُرى.
قالت بصوت منخفض:
– والرجل التالت؟
أجاب:
– عمي… وأبويا الروحي.
– وهو كمان كان صاحب أبوكي.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت:
– إيه اللي حصل بعد كده؟
تنهد قاسم ببطء.
– حصل اللي غير حياة الكل.
اتجه نحو النافذة.
وأعطاها ظهره.
– مات أبويا.
– وبعدها بسنة… مات عمي.
– وأبوكي انشغل في شغله… وأنا اضطريت أسافر أكمل تعليمي بره مصر.
التفت إليها.
– ومن يومها… انقطعت أخباركم.
همست:
– يعني… سنين طويلة.
– أيوه.
– ولما رجعت…
تغيرت الدنيا كلها.
أخفض رأسه.
– رجعت لقيت أبوكي غرقان في ديون… والناس اللي وراه أخطر بكتير مما كنت متخيل.
اقترب منها خطوة.
– يوم ما جه يقابلني…
ماكانش جاي يطلب فلوس.
كان جاي ينقذك.
سالت دموع ليان بصمت.
– قاللي…
“أنا غلطت… بس بنتي مالهاش ذنب.”
تنهد قاسم.
– أقسملي… لو حصله حاجة… أفضل جنبك مهما حصل.
رفع عينيه إليها.
– وأنا وعدته.
صمت قليلًا.
ثم أكمل بصوت مبحوح:
– والوعد ده… كلفني إنك تكرهيني.
انخفضت عينا ليان إلى الأرض.
بدأت تتذكر كل مرة أذاها فيها…
وكل مرة حماها فيها.
كل شيء أصبح يحمل معنى مختلفًا.
لكنها رفعت رأسها فجأة.
– ليه ماقولتليش من الأول؟
اقترب أكثر. بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
حتى أصبحت بينهما خطوات قليلة.
– لأن أول شرط طلبه أبوكي…
إنك متعرفيش.
– ولو عرفتي…
كنتِ هتجري تدوري على الحقيقة.
– وساعتها…
كانوا هيوصلولك.
ساد الصمت.
لم يعد بينهما سوى صوت أنفاسهما.
وفجأة…
دوى انفجار عنيف هز أرجاء القصر.
ارتجت النوافذ.
وانطفأت الكهرباء بالكامل.
وفي اللحظة نفسها…
دوى صوت صفارات الإنذار.
اندفع محمود إلى الغرفة وهو يلهث.
– باشا!
رفع قاسم رأسه فورًا.
– في إيه؟
قال محمود بوجه شاحب:
– الخولي وصل…
ومعاه رجال مسلحين…
بيقولوا النهارده… ياخدوا ليان…
أو محدش هيخرج من القصر عايش.
يتبع بالخاتمة…
