خيوط القمر الاخير
شعرت أن الأرض تميد بها.
قالت بصوت مكسور:
— أنا كنت فاكرة إن حضرتك تعرفني.
خفض بصره.
ولم يجد ما يقوله.
—
رن هاتف المكتب.
كان المستشار القانوني للشركة.
أنهى فاروق المكالمة، ثم نظر إلى رنا.
— المستثمرون عرفوا بالتسريب، والتحقيق لسه مستمر. وبصفتي المسؤول عن الشركة… لازم أخد إجراء مؤقت لحماية سير التحقيق.
ابتسمت رنا ابتسامة حزينة، وكأنها فهمت ما سيقوله.
قال بصوت خافت:
— أنا مضطر أوقفك عن العمل مؤقتًا… لحد ما التحقيق يخلص.
ساد صمت طويل.
لم تعترض.
ولم تبكِ.
اكتفت بالنظر إليه.
ثم قالت بهدوء موجع:
— يعني… حتى لو قلبك مش مقتنع… منصبك أجبرك تشك فيا.
لم يستطع الرد.
لأنه كان يعلم أن كلماتها تحمل جزءًا من الحقيقة.
—
أخرجت بطاقة العمل من حقيبتها.
وضعتها فوق مكتبه.
ثم أخرجت ورقة بيضاء من الملف الموجود أمامه.
وأمسكت قلمه الأسود…
القلم الذي أهدته له قبل أيام.
ترددت للحظة…
ثم كتبَت بخط هادئ:
**”أتقدم باستقالتي من دار لوران، وأشكر الشركة على كل ما تعلمته خلالها.”**
وضعت القلم مكانه.
ودفعت الورقة إليه.
رفعها بسرعة.
— رنا… أنا ما طلبتش منك تستقيلي.
ابتسمت ابتسامة امتلأت بالألم.
— يمكن حضرتك ما طلبتش…
لكن المكان اللي راحت منه الثقة… صعب أرجع أقف فيه.
نهضت من مقعدها.
وأضافت:
— أنا مقدرة إنك الرئيس تنفيذي، ولازم تحافظ على الشركة…
بس أنا كمان لازم أحافظ على كرامتي.
—
وقفت أمام الباب.
ثم التفتت إليه للمرة الأخيرة.
كانت عيناها دامعتين…
لكن صوتها بقي ثابتًا.
— لو الحقيقة ظهرت يومًا…
أتمنى ما تكونش متأخرة.
خرجت بهدوء.
وأغلقت الباب خلفها.
ولم يسمع بعدها…
إلا صوت الصمت.
—
مرت رنا على قسم التصميم.
جمعت أغراضها في صندوق صغير.
دفتر الرسومات.
صورتها مع والدتها.
الكوب الذي كانت تشرب فيه قهوتها.
وأقلامها التي أحبتها.
اقتربت منها منى.
— إنتِ رايحة فين؟
ابتسمت رنا بصعوبة.
— رايحة أحافظ على آخر حاجة فاضلة ليا.
احتضنتها منى وهي تبكي.
أما سارة، فلم تستطع الكلام.
حتى عم حسن وقف عند البوابة وقال بحزن:
— والله يا بنتي… قلبي بيقول إنك بريئة.
ابتسمت له.
— وأنا واثقة إن ربنا هيظهر الحق.
وغادرت الشركة…
هذه المرة دون أن تلتفت خلفها.
—
في الطابق العلوي…
كان فاروق يقف أمام النافذة.
ورأى رنا تحمل صندوقها الصغير وتغادر.

