قلب لا يعرف الكراهيه ج١

الفصل الثامن

لم تستطع نغم أن تنام طوال الليل.
كانت الرسالة المجهولة موضوعة أمامها على الطاولة، وكلما قرأتها ازداد يقينها بأن هناك من يعرف أكثر مما يُظهر.
“لو عايزة تعرفي الحقيقة… ابعدي عن مراد قبل فوات الأوان.”
أغلقت عينيها للحظات.
لو كان مراد هو المذنب فعلًا، فلماذا يحذرها مجهول من الاقتراب منه؟
ولماذا لم يكتب: “احذري مراد”؟
كان هناك فرق كبير بين العبارتين.
أمسكت هاتفها، ثم حذفت الرسالة التي كانت تنوي إرسالها إلى رئيس تحريرها.
قررت أن تحتفظ بهذا السر لنفسها… على الأقل الآن.
….
في صباح اليوم التالي، كانت مجموعة السيوفي تعيش حالة استنفار.
بعد أيام قليلة سيُعقد المؤتمر الاقتصادي الأكبر في تاريخ المجموعة، والجميع يعمل بلا توقف.
ما إن دخلت نغم الإدارة حتى استقبلتها ليلى بابتسامتها المعتادة.
— صباح الخير… الأستاذ مراد طلب اجتماع لكل فريق الاتصال المؤسسي.
وضعت نغم حقيبتها، ثم تبعت زملاءها إلى قاعة الاجتماعات.
….
دخل مراد بخطوات هادئة، يحمل عدة ملفات.
ألقى التحية على الجميع، ثم بدأ الحديث مباشرة.
— المؤتمر ده هيكون واجهة الشركة قدام مستثمرين من داخل مصر وخارجها… وأي خطأ، مهما كان بسيط، هيحسب علينا كلنا.
ثم وزع المهام على أعضاء الفريق.
وعندما وصل إلى اسم نغم، قال:
— الأستاذة نغم هتتولى مراجعة الملف التعريفي الخاص بتاريخ المجموعة وإنجازاتها.
ساد صمت قصير.
نظر بعض الموظفين إلى بعضهم باستغراب.
فهي ما زالت موظفة جديدة.
لكن مراد أكمل بثقة:
— قريت التقارير اللي كتبتها… وعندها أسلوب مرتب ودقيق. وأنا محتاج الدقة أكتر من أي حاجة.
شعرت نغم بدهشة لم تستطع إخفاءها.
لم تكن تتوقع أن يمنحها هذه الثقة.
….
بعد انتهاء الاجتماع، حملت الملفات وتوجهت إلى غرفة الأرشيف الإعلامي.
كانت الغرفة مختلفة عن الأرشيف الإداري.
رفوف طويلة تضم مجلدات الصحف القديمة، وصور المؤتمرات، والبيانات الصحفية التي نُشرت عن المجموعة منذ تأسيسها.
جلست أمام أحد المجلدات وبدأت تقلب صفحاته.
مرت سنوات من الإنجازات.
مشروعات.
اتفاقيات.
افتتاح مصانع.
مبادرات خيرية.
وفجأة…
توقفت يدها.
كان هناك خبر يعود إلى سبع سنوات مضت.
عنوانه:
“مجموعة السيوفي تطلق مبادرة لدعم دور رعاية الفتيات.”
بدأت تقرأ الخبر باهتمام.
وفي أسفل الصفحة، لفت انتباهها توقيع صغير.
إعداد: صفا…
تسارعت أنفاسها.
كانت تعرف هذا الاسم جيدًا.
صفا…
أختها الكبرى من الأم.
الشخص الذي لم تتوقف عن الحنين إليه يومًا.
مررت أصابعها على الاسم، وشعرت بوخزة في قلبها.
همست بصوت بالكاد يُسمع:
— يعني… كنتِ هنا؟
قلبت الصفحة التالية بسرعة.
وجدت صورة من المؤتمر.
ظهر مراد بين عدد من المسؤولين.
لكن جودة الصورة كانت ضعيفة، ولم تستطع تمييز بقية الوجوه.
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صوت خطوات تقترب.
أغلقت المجلة بسرعة.
دخل مراد إلى الغرفة.
كان يبحث عن ملف معين، ولم ينتبه في البداية إلى وجودها.
ثم رفع رأسه.
— الأستاذة نغم؟
وقفت فورًا.
— آسفة يا فندم… كنت براجع المواد المطلوبة للمؤتمر.
اقترب من الرف، وسحب أحد المجلدات.
ثم وقعت عيناه على المجلة المفتوحة أمامها.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— واضح إنك وصلتي لأرشيف قديم جدًا.
قالت وهي تحاول أن تبدو هادئة:
— لقيت معلومات ممكن نستفيد منها في الملف التعريفي.
أومأ برأسه.
— فعلًا… الفترة دي كانت من أهم الفترات في تاريخ المجموعة.
ثم أشار إلى الخبر الذي كانت تقرأه.
— الحملة دي تحديدًا كانت نقطة تحول بالنسبة للشركة.
ألقت نغم نظرة سريعة إلى اسم صفا قبل أن تغلق الصفحة.
وسألته وكأنها لا تعرف شيئًا:
— مين اللي كان مسؤول عن التغطية الإعلامية وقتها؟
نظر مراد إلى الصفحة لثوانٍ.
ثم قال بهدوء، وقد ارتسمت على وجهه ملامح احترام صادق:
— كانت صحفية شابة… مجتهدة جدًا.
صمت لحظة.
ثم أضاف:
— للأسف… سمعت بعد فترة إنها توفت.
ارتجف قلب نغم.
لكنها تماسكت بصعوبة.
قالت بصوت منخفض:
— أكيد كان خبر صعب.
خفض مراد بصره للحظة.
— أيوه…
ثم أغلق الملف الذي بيده.
— خسارة بعض الناس بتفضل موجودة حتى بعد سنين.
لم يفهم سبب شعوره بالحزن وهو ينطق بهذه الكلمات.
ولم تفهم نغم لماذا لم تجد في عينيه أي أثر للرجل الذي رسمته في خيالها طوال السنوات الماضية.
خرج مراد من الغرفة بهدوء.
وبقيت نغم وحدها.
جلست مرة أخرى أمام المجلة.
وأعادت النظر إلى اسم صفا.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تكتشف فيها أن صفا لم تكن بعيدة عن مراد كما كانت تظن…
بل كانت قد التقت به بالفعل.
لكن السؤال الذي جعل قلبها يرتجف كان:
ما طبيعة العلاقة التي جمعتهما؟
وفي الجهة الأخرى من المبنى…
كان رجل يقف أمام شاشة كاميرات المراقبة، يتابع تسجيل دخول مراد إلى غرفة الأرشيف وخروجه منها.
ابتسم ابتسامة باردة.
ثم أغلق الشاشة وهمس:
— ممتاز…
الطرفان بدأ كل واحد فيهم يدور على الماضي.
وده بالضبط اللي أنا عايزه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *