قلب لا يعرف الكراهيه ج١

بدأت تقلب الصفحات.

ثم رفعت رأسها.

— ممكن أسأل حضرتك سؤال؟

نظر إليها.

— اتفضلي.

— ليه كل الشركات بتركز على الأرقام… وحضرتك دايمًا بتتكلم عن الإنسان؟

ساد الصمت.

ثم عاد مراد بذاكرته سنوات طويلة إلى الوراء.

قال بصوت هادئ:

— لأن المال ممكن يتعوض…

أما الإنسان…

لما بيضيع…

مش بيرجع.

توقفت نغم عن الكتابة.

كانت الجملة صادقة بصورة أربكتها.

—

بعد انتهاء الاجتماع…

خرجت من المكتب وهي تحمل الملف.

لكن قبل أن تغادر الطابق، لفت انتباهها باب خشبي صغير في نهاية الممر.

خرج منه رجل خمسيني يحمل صندوقًا من الملفات القديمة.

تعثر الصندوق، فتساقطت بعض الأوراق.

انحنت نغم تساعده.

وبينما تجمع الملفات…

لفت نظرها اسم مكتوب على أحدها.

**”صفا…”**

تجمدت يدها.

مدت أصابعها نحو الملف.

لكن الرجل سحبه بسرعة.

ابتسم باعتذار.

— معلش يا بنتي… ملفات أرشيف قديمة.

وأغلق الصندوق بسرعة.

بقيت نغم تنظر إليه وهو يبتعد.

لم تكن متأكدة…

هل قرأت الاسم فعلًا؟

أم أن شوقها للحقيقة جعلها تتوهم؟

—

في المساء…

عادت إلى منزلها.

أخرجت صورة صفا من درج غرفتها.

جلست تحدق فيها طويلًا.

وفجأة…

تذكرت شيئًا كانت قد نسيته لسنوات.

قبل وفاة صفا بأيام…

ذكرت لها اسمًا واحدًا فقط.

قالت يومها وهي تبكي:

“لو حصلي حاجة… دوري على الحقيقة… ومتصدقيش أي حد.”

لكنها…

لم تذكر اسم مراد أبدًا.

أغلقت نغم عينيها.

لأول مرة منذ سنوات…

سألت نفسها السؤال الذي كانت تهرب منه دائمًا:

“لو مراد فعلًا بريء… فمن هو الشخص الذي دمر حياة صفا؟”

—

وفي مكان مجهول…

كان رجل يجلس داخل مكتب مظلم.

أمامه الظرف الأبيض والصورة التي استعادها من الأرشيف.

أشعل ولاعة صغيرة.

تأمل صورة مراد وصفا لثوانٍ.

ثم ألقى بها في اللهب.

احترقت الصورة ببطء…

لكن قبل أن تلتهمها النار بالكامل، ظهر في خلفيتها شخص ثالث، كانت ملامحه مطموسة جزئيًا.

ابتسم الرجل ابتسامة باردة وهو يراقبها تتحول إلى رماد.

ثم قال:

— قربتي يا نغم…

لكن الحقيقة لسه أبعد مما تتخيلي.

الفصل السابع

مرّ أسبوع كامل منذ حادثة الأرشيف.
عاد العمل داخل مجموعة السيوفي إلى طبيعته، على الأقل في الظاهر.
أما خلف الأبواب المغلقة، فقد كانت التحقيقات لا تزال مستمرة بسرية تامة.
كان مراد يتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه، لكنه لم يشارك أحدًا بما توصل إليه.
وكان هذا أكثر ما أثار فضول نغم.
….
في صباح الاثنين…
وصل بريد إلكتروني إلى جميع موظفي الشركة.
“اجتماع عاجل في قاعة المؤتمرات الساعة العاشرة.”
بدأ الموظفون يتوافدون إلى القاعة.
جلست نغم بجوار ليلى، بينما جلس مراد في مقدمة القاعة.
نهض بهدوء وقال:
— خلال الشهر المقبل، هتشارك المجموعة في أكبر مناقصة حكومية خلال السنوات الأخيرة.
ظهرت على الشاشة خلفه صور لمشروع ضخم.
أكمل:
— نجاح المشروع ده هيأثر على مستقبل المجموعة لسنوات قدام.
ساد الصمت.
ثم أضاف:
— لكن في نفس الوقت… أي معلومة تخرج بره الشركة هتعتبر خيانة للأمانة.
كانت كلماته حاسمة.
لاحظت نغم أن بعض الوجوه توترت، وكأن الحديث أصابها مباشرة.
…..
بعد انتهاء الاجتماع…
خرج الجميع.
وقبل أن تصل نغم إلى مكتبها، سمعت صوت رجلين يتحدثان في الممر الجانبي.
توقفت دون قصد.
قال أحدهما بصوت منخفض:
— لازم نخلص من الموضوع قبل ما يوصل لمراد.
رد الآخر:
— وهو أصلًا قرب جدًا من الحقيقة.
شعرت نغم بقشعريرة تسري في جسدها.
لكنها لم تتمكن من رؤية المتحدثين، إذ ابتعدا سريعًا قبل أن تصل إليهما.
…..
في منتصف النهار…
استدعاها مراد إلى مكتبه.
دخلت وهي تحمل جهازها اللوحي.
رفع رأسه من بين الأوراق.
— اقعدي يا أستاذة نغم.
جلست في هدوء.
قال وهو يناولها ملفًا:
— عايز منك تغطي المؤتمر الاقتصادي اللي هنعمله الأسبوع الجاي من ناحية المحتوى الإعلامي.
تصفحت الملف.
— حاضر.
تردد للحظة، ثم قال:
— عندي سؤال.
نظرت إليه.
— لو كنتِ صحفية…
ووصلك اتهام ضد شخص مشهور…
هتنشريه فورًا؟
تفاجأت بالسؤال.
لكنها أجابت بما تؤمن به فعلًا.
— لا.
رفع حاجبيه.
— ليه؟
— لأن الاتهام مش دليل… ولو نشرت حاجة غلط، ممكن أظلم إنسان طول عمره.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
— إجابة محترمة.
خرجت نغم من المكتب، لكنها لم تنتبه إلى أن مراد ظل يتابعها بنظره حتى أُغلق الباب.
تمتم لنفسه:
— واضح إنك مش جاية هنا صدفة…
….
في المساء…
كانت نغم ترتب مكتبها استعدادًا للمغادرة، عندما اقترب منها يوسف.
— رايحة؟
— أيوه.
— خدي بالك وإنتِ نازلة… في واحد بيسأل عن موظفين الإدارة من الصبح.
توقفت.
— مين؟
هز كتفيه.
— معرفش… أول مرة أشوفه.
….
خرجت من المبنى بعد انتهاء الدوام.
وقفت تنتظر سيارة أجرة.
شعرت بأن أحدًا يراقبها.
التفتت بسرعة.
لم تجد أحدًا.
ركبت السيارة وانطلقت.
لكن بعد دقائق…
لاحظت في المرآة سيارة سوداء تسير خلفها.
مرة…
ومرتين…
وثلاث مرات.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
طلبت من السائق أن يغير الطريق.
فعل ذلك.
لكن السيارة السوداء غيرت مسارها أيضًا.
ازدادت ضربات قلبها.
وفجأة…
توقف السائق أمام إشارة مرور.
وفي اللحظة نفسها، توقفت السيارة السوداء بجواره.
لم تستطع رؤية من بداخلها بسبب الزجاج الداكن.
انطلقت الإشارة الخضراء.
تحركت السيارتان.
لكن بعد شارعين…
اختفت السيارة السوداء فجأة.
تنفست نغم الصعداء، لكنها لم تشعر بالأمان.
…..
في الوقت نفسه…
كان مراد يغادر الشركة بسيارته.
رن هاتفه.
— أيوة يا لواء محمود.
جاءه صوت مدير الأمن:
— يا فندم… في حد كان بيراقب الأستاذة نغم من بره الشركة.
تغيرت ملامح مراد.
— متأكد؟
— أيوه… وكاميرات الشارع جابت جزء من العربية، لكن اللوحات مش واضحة.
ساد الصمت.
ثم قال مراد بحزم:
— من النهارده… خلي حد يتابعها عن بُعد.
استغرب اللواء.
— حضرتك شاكك إن الموضوع له علاقة بالتحقيق؟
أجاب مراد بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
— لا…
صمت لحظة قبل أن يكمل:
— شاكك إن اللي بيدور على الحقيقة… بقى هو نفسه في خطر.
…
في شقتها…
أغلقت نغم باب المنزل خلفها.
وضعت حقيبتها على الأريكة.
لكنها انتبهت إلى ظرف أبيض موضوع أسفل الباب من الداخل.
تجمدت في مكانها.
انحنت ببطء والتقطته.
لم يكن عليه اسم مرسل.
فتحته بحذر.
وجدت بداخله ورقة واحدة.
كُتبت عليها عبارة بخط واضح:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن صفا… ابعدي عن مراد قبل فوات الأوان.”
سقطت الورقة من يدها.
ولأول مرة…
شعرت أن القضية التي جاءت من أجلها لم تعد مجرد تحقيق صحفي…
بل أصبحت تهديدًا حقيقيًا لحياتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *