روايه كامله للكاتب محمد نور

— شكرًا لكِ.

— لم أفعل هذا لإنقاذك.

— أعلم.

— فعلتُ هذا حتى لا يُستخدم أطفالنا أداة في يد أحد.

— أعلم.

مشيتُ نحو الباب:

— أميرة..

توقفتُ.

— لقد باعتُ البيت.

التفتُّ إليه:

— ماذا؟

— القصر… باعتُه.

— لماذا؟

— لأنه لم يكن بيتًا دافئًا يوماً.

أصابتني تلك الجملة في مق/تل. فتابع هارون:

— اشتريتُ بيتًا أصغر قرب الحدائق، فيه مساحة خضراء وغرفة لكل منهما.

— هارون…

— لا أطلب منكِ العودة —اقترب قليلاً حافظًا المسافة بيننا—، أردتكِ فقط أن تعرفي أنني فهمتُ الفارق أخيرًا.

أصبح طلاقنا رسميًا بعد ثلاثة أسابيع.

حضرنا الجلسة النهائية معًا، وسأل القاضي الأسئلة الروتينية: هل الأمر طوعي؟ نعم. هل تفهمان التبعات؟ نعم. هل تريدان المضي قدمًا؟

أجبتُ أولًا: نعم.

وتأخر هارون لثانيتين ثم قال: نعم.

آلمني ذلك، رغم أنه كان ما أردتُه تمامًا.

عند خروجنا من المحكمة كان الطقس دافئًا. توقف هارون على الدرج:

— أظن أنكِ الآن حرة مني رسمياً.

نظرتُ إليه:

— كنتُ حرة دائمًا.

أومأ برأسه:

— محقة.

وقفنا نرقب الشارع، ثم أخرج شيئًا من جيبه؛ كانت بطاقتي القديمة: “عشاء مع المستثمرين، لا تنتظريني”.

— لماذا تحتفظ بهذه؟

— أم سعد أعطتني إياها… وجدت المزيد منها.

لم أدرِ ما أقول:

— كتبتُ الكثير منها.

— مئة واثنتا عشرة بطاقة.

شعر بضيق في حلقي، بينما ابتسم هارون ابتسامة حزينة:

— لقد عدتُّها… مئة واثنتا عشرة مرة قلتُ لكِ فيها ألا تنتظريني.

ثم نظر إليّ:

— ثم اندهشتُ عندما توقفتِ عن الانتظار يوماً ما.

لم أرد، فلم تكن هناك إجابة تفيد.

مر عام كامل… لم نتزوج مجددًا فورًا، فذلك كان سيجعل كل ما حدث يبدو كدراما بسيطة.

أسستُ حياتي في القاهرة، وافتتحتُ مكتبًا للاستشارات المعمارية المتخصصة في ترميم المباني التراثية.

أما هارون فقد أعاد هيكلة شركته، وتنازل عن عدة مشاريع ضخمة، وعين مديرًا للعمليات، وصار يغادر مكتبه في السادسة مساءً.

قال البعض إنه أصبح أقل طموحًا، لكن الشركة حققت أفضل نتائجها المالية منذ عقد!

كان سارة ويوسف يتنقلان بانتظام، ولم يتخلف هارون عن عيد ميلاد، ولا عن موعد طبيب، وتعلم كيف يصفف شعر سارة رغم أن محاولاته الأولى كانت تبدو كحبال السفن! كما تولى تدريب فريق كرة القدم الصغير ليوسف رغم جهله بالقواعد.

ولم يقل أبدًا إنه “مشغول جدًا” عندما يتصل به طفلاه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *