روايه كامله للكاتب محمد نور

— هل يمكنني…؟
لم يكمل، فأومأتُ برأسي.
انحنى هارون:
— يوسف…
نظر إليه ابني، ولثانية لم يحدث شيء، ثم ركض يوسف:
— بابا!
سقط هارون على ركبتيه واحتضنه بقوة. نظرت سارة للمشهد، ثم ركضت هي الأخرى.
أمسك بهما معًا وبكى… ليس بوقار ولا بصمت، بل بكى بحرقة ووجهه بين كتفيهما.
اضطررتُ للالتفات ناحية أخرى.
مرت خمس دقائق قبل أن يستطيع الوقوف:
— لقد كبرا.
— الأطفال يفعلون ذلك عادةً.
كان ردي أقسى مما ينبغي، لكن هارون أومأ برأسه:
— أعلم.
لم يحاول الدفاع عن نفسه، وهذا ما أربكني أكثر من أي نقاش حاد.
مشينًا معًا، وسأل عن أطعمتهما المفضلة، ومواعيد نومهما، وحساسيتهما، والكلمات التي تعلمها حديثًا. وكانت كل إجابة تبدو وكأنها تؤنبه لأنها أمور كان ينبغي لأب أن يعرفها بنفسه.
أخيرًا جلسنا قرب النافورة والأطفال يلعبون أمامنا.
قال هارون دون أن ينظر إليّ:
— ظننتُ أن العمل بجد هو طريقتي في الرعاية والتعبير عن الحب.
— أعلم.
— لا يا أميرة، أنتِ من كانت تعلم، أما أنا فكنتُ أرددها كعذر فقط.
سكتُّ.
— والدي فقد كل شيء عندما كنتُ في الثالثة عشرة…
كنتُ أعلم ذلك، لكنني لم أسمع هارون يتحدث عن تلك الفترة من قبل.
— تم الحجز على بيتنا، وباعت أمي مجوهراتها، وظل أبي يصارع النوم. وعندما استعاد الشركة لاحقًا، أقسمتُ ألا أسمح لأسرتي بالشعور بعدم الأمان أبدًا.
نظر إلى يوسف:
— لذا قضيتُ حياتي وأنا أتأكد من أن لديهم كل شيء.
ثم نظر إليّ أخيرًا:
— ولم أفهم أن “كل شيء” كان يشمل وجودي أنا بينهم.
شعرتُ بشيء يتحرك بداخلي، لم يكن غفرانًا… ليس بعد.
— هذا لا يغير ما حدث.
— أعلم.
— ولن نُعيد زواجنا لمجرد أنك نادم الآن.
بلع هارون ريقه:
— أعلم ذلك أيضًا.
— إذن، ماذا تريد؟
جاء رده مجردًا من أي تصنع:
— أن أتعلم كيف أكون أبًا لهما.
لم يقل “أن أستعيدكِ”، ولا “أن نعيد بناء أسرتنا”، ولم يقطع وعودًا براقة بالثراء أو التغير… فقط طلب فرصة مع طفليه.
وكانت تلك هي المرة الأولى التي بدأتُ أصدقه فيها.
على مدار ستة أشهر، كان هارون يطير إلى القاهرة كل ثلاثة أسابيع.
أحيانًا يبقى لأربعة أيام، وأحيانًا لـ ثمان وثلاثين ساعة فقط، لكنه كان يأتي ولا يتخلف أبدًا.
بدأ يعرف التفاصيل الصغيرة؛ سارة تكره البازلاء، يوسف ينام ومعه ديناصور أخضر، سارة تخاف من مجففات الأيدي في الأماكن العامة، ويوسف يغضب إذا قُطعت شطيرته على شكل مثلثات.





