روايه كامله للكاتب محمد نور

— تطلقتُ —قلتُ لمريم— لأن طفليّ بدآ يتعلمان أن حب شخص ما يعني الانتظار الأبدي حتى يقرر التكرم بالالتفات إليك.

ظلت مريم صامتة.

— لا أريد أن تكبر سارة وهي تعتقد أنها يجب أن تستجدي الاهتمام، ولا أريد ليوسف أن يظن أن كونه معيلًا يعطيه الحق في الغياب العاطفي عن أسرته.

اهتز هاتفي، ولأول مرة ظهر اسم “هارون”.

لم أرد.

اتصل مجددًا، ثم مرة ثالثة.

أغلقتُ الهاتف تمامًا.

وجد هارون رسالتي بعد يومين، ليس لأنه تذكر مكانها، بل لأن أم سعد هي من أخبرته:

— الأستاذة أميرة طلبت مني إعطاءك هذا إذا سألتَ يوماً عن سبب مغادرتها.

— “يوماً ما”؟

أخذ هارون الظرف:

— ماذا كانت تقصد بـ “يوماً ما”؟

نظرت إليه المدبرة بثبات:

— أعتقد أنها لم تكن متأكدة من أنك ستسأل من الأساس.

آلمه ذلك، أشد مما قد يعترف به أي رجل في موقعه.

فتح الرسالة؛ كانت تتألف من ست صفحات، تقول الأولى:

“هارون..

إذا كنت تقرأ هذا، فهذا يعني أنك توقفت أخيرًا لما يكفي من الوقت لتلاحظ أنني لم أعد هنا.”

جلس متابعًا القراءة:

“لم أغادر لأنني توقفت عن حبك، بل لأن استمراري في حبك كان يعلمني كيف ألتغي وأختفي.

لسنوات، كنتُ أحول غيابك إلى أعذار؛ عندما غبت عن أول صورة أشعة للجنين، قلتُ إنه العمل. وعندما غبت عن عيد ميلادي، قلتُ إنك تحت الضغط. وعندما وصلتَ بعد ولادة سارة ويوسف، قلتُ إنك تبني مستقبلهما.

ثم أدركتُ شيئًا… كنتَ تبني كل شيء، باستثناء حياة معنا.”

توقف هارون عن القراءة، ونظر نحو النافذة.

تذكر يوم ولادة التوأم؛ كان في المستشفى، وتلك الجملة ظلت تتردد دائمًا: “هارون كان في المستشفى”.

كانت حقيقة مجردة، لكنه الآن يتذكر التفاصيل؛ كنتُ في المخاض، قضى معي عشرين دقيقة، ثم اتصل به طارق بشأن صفقة فندقية. خرج هارون، وعندما عاد كان يوسف قد ولد، ولحقته سارة بعد اثنتي عشرة دقيقة.

دخل الغرفة بينما كانت الممرضة تمسح الدموع عن وجهي، قبل جبهتي وقال: “آسف، كان أمرًا هامًا”.

وفي تلك اللحظة أجبتُه: “أعلم”.

فسر هارون تلك الكلمة على أنها غفران، والآن فقط يفهم أنها كانت استسلامًا وداعياً.

واصل القراءة:

“هناك جملة قلتها قبل ثلاثة أيام من رحيلي: ‘لدي مشاكل حقيقية عليّ حلها’.

لا أظنك تدرك كم ساعدتني تلك الجملة، لأنني فهمتُ أنني وسارة ويوسف لن نكون أبدًا ضمن تلك الفئة… لذا حللتُ مشكلتنا بنفسي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *