روايه كامله للكاتب محمد نور

أما بالنسبة لنا… فقد أصبحنا أصدقاء، ثم شيئًا أكثر خطورة؛ شخصين يتبادلان المحبة، لكنهما يعرفان أن المحبة وحدها لا تكفي.

في إحدى الليالي، بعد سنتين من الطلاق، زارنا هارون في القاهرة لمناسبة رأس السنة.

كان الأطفال نائمين، وجلسنا قرب الشرفة:

— هل يمكنني سؤالكِ عن شيء؟ —قال هارون.

— يعتمد على السؤال.

— لو عاد بي الزمن…

هززتُ رأسي:

— لا.

— أنتِ لا تعرفين ما سأسأله!

— بلى، أعرف.

ابتسم هارون:

— حسناً… سأسأل شيئًا آخر.

انتظرتُ.

— هل تعتقدين أنكِ ستغفرين لي يوماً ما؟

تفكرتُ في السؤال:

— لقد غفرتُ لك بالفعل.

اتسعت عيناه قليلاً:

— لكن الغفران لا يعني العودة.

أومأ برأسه:

— أعلم.

— ولا يعني النسيان.

— أعلم.

— إذن لمَ تسأل؟

تأخر هارون في الرد:

— لأنني أردتُ أن أعرف ما إذا كنتِ عندما تنظرين إليّ، ترين فقط الرجل الذي أجبركِ على الرحيل.

نظرتُ إلى الأب الذي قرأ مئات القصص عبر الفيديو، وإلى الرجل الذي يقطع المسافات ليحضر حفلًا مدرسيًا مدته عشر دقائق، وإلى التنفيذي الذي كان مستعدًا لخسارة شركته على أن يمس اسمي.

هززتُ رأسي ببطء:

— لا… لم أعد أراه كذلك.

برقت عيناه، ولم يحدث شيء في تلك الليلة؛ لا قُبلة ولا عروض زواج، فقط شخصان يجلسان معًا دون توقعات لأول مرة.

بعد ستة أشهر، كنتُ أنا من دعوته للعشاء.

وصل هارون في السابعة تمامًا.

— الأطفال عند مريم —قلتُ له.

نظر حوله:

— إذن هذا يشبه موعدًا غراميًا بشكل يدعو للقلق!

— لا تبالغ في التفاؤل.

— سأحاول ضبط نفسي.

تناولنا العشاء وتحدثنا وضحكنا. وعندما أوصلني للباب، انحنى هارون ليقبل خدي، فكنتُ أنا من أدارت وجهها لتلتقي الشفاه.

كانت قُبلة قصيرة، هادئة، مختلفة تمامًا عن الشغف المتوتر الذي حاولنا به سابقًا إنقاذ زواج مكسور.

عندما ابتعدنا، لم يبتسم هارون، بل بدا مذهولًا وخائفًا، أما أنا فابتسمتُ:

— تصبح على خير.

دخلتُ وأغلقتُ الباب، ولأول مرة منذ سنوات طويلة استمتعتُ بجعله ينتظر!

بعد عام آخر، طلب هارون يدي مجددًا.

ليس في مطعم فاخر، ولا أمام المصورين، بل في المقهى البسيط بالقاهرة حيث تجاذبنا أطراف الحديث قديماً.

كان قد اشترى كوبين من القهوة، وعلى الطاولة وضع منديلًا ورقيًا رسم عليه مبنى مشوهًا!

— ما زلتَ ترسم بشكل سيئ! —قلتُ له.

— ليس المبنى هو المهم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *