روايه كامله للكاتب محمد نور

وقف هارون في منتصف الغرفة مشدوهًا.

— سيد هارون…

كانت أم سعد، المدبرة القديمة، تقف عند الباب.

— متى قررت المغادرة؟

خفضت المرأة رأسها:

— لا أستطيع إخباركم بدقة.

— أنتِ تعيشين هنا!

— نعم.

— إذن عليكِ أن تعرفي!

تنفسَت أم سعد ببطء:

— أعتقد أن الأستاذة أميرة كانت تتجهز لهذا منذ وقت طويل.

أثار هذا الجواب حفيظته:

— كم من الوقت؟

— أشهرًا.

— ولم يفكر أحد في إخباري؟

نظرت إليه المدبرة؛ كانت امرأة في الثالثة والستين من عمرها، عملت لدى عائلة العلي منذ أن كان هارون في السابعة عشرة، ولعل هذا ما منحها الشجاعة لتقول:

— الأستاذة حاولت إخباركم بنفسها يا سيدي.

تجمد هارون في مكانه:

— ماذا تعنين؟

ترددت أم سعد:

— أعني ما قلته تمامًا يا سيدي.

تذكر هارون بضبابية إحدى الليالي؛ عندما كنتُ أنتظره في الممر، وصوتي يقول: “أريد الطلاق”، ورده هو: “ليس الليلة”.

ولأول مرة، فهم أن تلك المحادثة لم تكن تهديدًا… بل كانت إنذارًا أخيرًا.

سحب هاتفه واتصل بي؛ مغلق.

اتصل بمريم؛ مغلق.

بالمرضعة؛ مغلق.

دخل مكتبه الخاص في البيت، وفتح نظام الكاميرات ورجع للتسجيلات.

في الساعة 10:43 مساءً، خرجت سيارة دفع رباعي سوداء من بوابة الخدمة.

شاهد التسجيل؛ ظهرتُ أنا وأنا أحمل سارة بين ذراعيّ. وقبل أن أصعد السيارة، توقفتُ ولحظة واحدة نظرتُ نحو القصر. وحتى عبر الصورة الرديئة للكاميرا، كان واضحًا أنني كنتُ أبكي.

قرب هارون وجهه من الشاشة، وأعاد العرض مرارًا وتكرارًا.

ثم لاحظ شيئًا آخر… كنتُ أبتسم.

لم تكن ابتسامة سعادة، بل ابتسامة ارتياح.

وكان ذلك أكثر ما آلمه، أشد من الدموع؛ فقد عاش هارون سنوات وهو يعتقد أنني الشخص الأكثر احتياجًا إليه في هذا العالم، والآن أدرك أن الابتعاد عنه هو ما منحني السلام.

قبل الظهيرة، كان هناك ثلاثة محققين أصحاب مكاتب خاصة يبحثون عن أي رحلة طيران غادرت الإمارات خلال الليل.

وفي الساعة الواحدة، اتصل هارون بمحامي العائلة:

— أريد إلغاء هذه الوثيقة.

— لماذا؟

— لأنني لم أكن أعلم ما أوقعه.

ساد الصمت لبرهة:

— هل هذا توقيعك؟

— نعم.

— هل أجبرك أحد؟

— لا.

— هل كنتَ غائبًا عن الوعي؟

— لا.

— إذن لدينا مشكلة.

— جد طريقة!

— يا هارون، حتى لو تمكنا من الطعن فيها، فهذا لن يعيد أميرة.

أغضبه هذا الكلام:

— أنا لا أدفع لك لتسدِي لي نصائح زواج!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *