روايه كامله للكاتب محمد نور

غمض هارون عينيه. وفي الأسفل كان هناك سطر آخر:

“لا تبحث عن مقصرين؛ مريم لم تقنعني، ووالدتك لم تضغط عليّ، وعمك لم يكن يعلم شيئًا. أنا من اتخذتُ هذا القرار.

وقبل أن تسأل: نعم، كنتُ أعلم ما سيحدث لأسهم مجموعة الحارث، لكنني لم أستخدمها يومًا لتهديدك، ولم أربط زواجنا بالمال. كان بإمكاني فعل ذلك، لكنني لم أفعل لأنني أردتُ زوجًا، لا رهينة.”

ضغط هارون على الورقة بقوة:

“الأطفال معي، وهم بخير. لن أمنعك من أن تكون أبًا لهم، لكنني لن أجبرهم بعد الآن على العيش في انتظار أن تتصرف كأب.”

كانت تلك الجملة هي التي قت/لت كبرياءه.

خلال الأسابيع التالية، حاول هارون التواصل معي بكل الطرق؛ مكالمات أولًا، ثم رسائل، ثم عبر المحامين.

وأخيرًا، كف عن إقحام الآخرين، وبدأ يكتب بنفسه.

الرسالة الأولى كانت سطرين:

“نحتاج للحديث بشأن الأطفال، أخبريني أين هم.”

لم أرد.

الظانية:

“لا يمكنك الاختفاء بطفليّ.”

لم أرد أيضًا.

الرسالة الثالثة وصلت بعد أربعة أيام:

“أعلم أنكم في مصر. لن أسافر دون إذنك، أريد فقط أن أعرف إن كانوا بخير.”

قرأتُ تلك الرسالة مرارًا؛ كانت المرة الأولى التي يسأل فيها هارون عن حالهم قبل أن يملي شروطه.

أجبتُه: “هم بخير.”

وصل رده بعد ثلاثين ثانية: “هل يمكنني رؤيتهم؟”

لم أقل نعم، ولم أقل لا… طلبتُ مهلة.

ثم حدث شيء لم أكن أتوقعه؛ بدأ هارون يرسل مقاطع فيديو، ليس فيها خطابات ولا تهديدات، بل مقاطع قصيرة.

في الأول، كان يجلس في غرفة التوأم الفارغة، ومعه كتاب قصص للأطفال:

— يوسف… سارة… أعلم أنكما صغار وقد لا تفهمان هذا، لكن والدكما يحاول تعلم شيء كان يجب أن يعرفه منذ البداية.

قلب الصفحة وبدأ يقرأ؛ كانت القصة المفضلة لسارة.

الرجل الذي لم يجد وقتًا يوماً ليقص عليهما قصة قبل النوم، صار يرسل لهما حكاية كل ليلة.

لم أعرض الفيديوهات ل أسبوعين، حتى رأى يوسف وجهه على شاشة هاتفي:

— بابا!

تجمدتُ في مكاني، فيوسف ينطق كلمات معدودة، لكنه ميز هارون فورًا. ضغط على الشاشة:

— بابا!

في تلك الليلة شغلتُ الفيديو. جلست سارة بجوار أخيها واستمعا للقصة كاملة، وعندما انتهت أشار يوسف للشاشة:

— كمان!

اضطررتُ للذهاب إلى الحمام لأبكي بعيدًا عن أعينهما؛ فقد كان هناك جزء مني يتمنى لو كان هارون رجلًا سيئًا مطلقًا، فذلك كان سيسهل الأمور كثيرًا. لكنه لم يكن كذلك، بل كان رجلًا تعلم متأخرًا جدًا أن إهمال من تحب قد يؤذي بقدر التخلي عنه تمامًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *