روايه كامله بقلم محمد نور

سكتت أمينة لحظات.
ثم قالت:
— ممكن تبدأ إنك تعزمني نتمشى بعد الصلاة يوم الجمعة.
اتسعت ابتسامته.
— يعني دي موافقة؟
— دي فرصة.
ثم حذرته:
— ما تفرحش أوي.
ضحك ياسين.
— بالنسبة لواحد دخل البلد وهو تقريبًا ما معاهوش حاجة في جيبه…
ثم قال:
— دي ثروة.
استمرت خطبتهما تسعة أشهر.
وظلت أمينة تعمل في محلها، ولم تسمح لياسين يومًا أن يدفع أكثر من السعر الحقيقي لأي قطعة تخيطها له.
وعندما جاء يوم زواجهما، امتلأت قاعة البلدة بالأهل والجيران.
كانت بدرية واحدة من الشهود.
أما الحاج لطفي فحضر وجلس في أحد المقاعد الجانبية، صامتًا.
خاطت أمينة فستانها بنفسها.
كان بسيطًا، بلون عاجي هادئ.
وفي الجزء الداخلي من ذيله، أخفت قطعة صغيرة من بطانة البدلة الرمادية التي أصلحتها في أول يوم قابلت فيه ياسين.
بعد انتهاء الفرح، سألها ياسين:
— ليه عملتي كده؟
نظرت إليه وقالت:
— لأن المهم ما كانش إني أعرف إنت مين.
سألها:
— أمال إيه المهم؟
ابتسمت.
— إني ما كنتش أعرف.
استمرت أمينة في إدارة محل الخياطة.
ومع مرور الوقت، وظفت ثلاث فتيات من البلد، وعلمتهن الخياطة والقص وقياس الملابس…
وعلمتهن أيضًا أن يأخذن أجرهن من غير ما يعتذرن عن قيمة شغلهن.
ولم تغيّر اللافتة إلا مرة واحدة.
تحت عبارة:
«خياطة السعدي»
أضافت سطرًا جديدًا:
«عبد الرحيم السعدي وأمينة السعدي»
وبعد سنوات طويلة، عندما كان أحفادهما يسألون عن البدلة الرمادية القديمة المحفوظة في أرض الكرم الكبير، كان ياسين يقول دائمًا إنها كانت تساوي أكثر من أي أرض أو مال امتلكه.
لكن أمينة كانت تصححه كل مرة.
— مش البدلة.
ثم تقول:
— اللي حصل حواليها.
لأنها في ذلك الصباح أصلحت بدلة رجل غريب من غير مقابل…
لكنها لم تمنح عملها بلا قيمة.
كانت قد قررت أن فقر رجل غريب لا يقلل من قيمته.
وذلك القرار كشف قيمة أناس كثيرين من حولها.
ياسين تعلم أن يثق.
وبدرية اختارت أن تعيش حياتها بنفسها.
أما لطفي، فاضطر في النهاية أن يواجه الرجل الذي أصبحه.





