قلب لا يعرف الكراهية ج٢
لكن قدمها اصطدمت بسلة معدنية صغيرة.
صدر صوت خافت.
ساد الصمت داخل الغرفة.
ثم سُمعت خطوات تتجه نحو الباب.
ركضت نغم سريعًا إلى نهاية الممر، ودخلت أول مكتب مفتوح أمامها.
أغلقت الباب بهدوء.
كان قلبها يخفق بعنف.
بعد ثوانٍ…
مر طارق أمام المكتب.
توقف للحظة.
نظر حوله.
ثم أكمل طريقه.
تنفست نغم الصعداء.
لكنها لم تنتبه إلى أن المكتب الذي اختبأت فيه…
كان مكتب مراد.
—
بعد دقائق…
فتح باب المكتب.
دخل مراد.
توقف مكانه عندما رآها تقف بجوار النافذة.
انعقد حاجباه.
— أستاذة نغم؟
ارتبكت.
— أنا…
كنت…
لم تجد تفسيرًا مقنعًا.
ظل ينظر إليها.
ثم لاحظ ارتجاف يديها.
اقترب خطوة.
— في حد ضايقك؟
هزت رأسها بسرعة.
— لا.
لكنها لم تستطع النظر في عينيه.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال بهدوء لم تعهده منه:
— طول ما إنتِ جوه الشركة…
محدش هيقدر يمسك بسوء.
رفعت رأسها نحوه.
للمرة الأولى…
لم تسمع في صوته نبرة المدير.
بل نبرة رجل يشعر بمسؤولية حقيقية تجاهها.
وقبل أن ترد…
رن هاتف مراد.
نظر إلى الشاشة.
اختفت ملامحه الهادئة فجأة.
كان المتصل…
**الدكتور سامي.**
أجاب بسرعة.
وبعد ثوانٍ فقط، شحب وجهه.
قال بصدمة:
— إيه؟!
مستحيل…
أنا جاي حالًا.
أغلق الهاتف، والتفت إلى نغم.
لكن هذه المرة، كانت الصدمة تملأ عينيه.
قال بصوت منخفض:
— في حد اقتحم عيادة الدكتور سامي…
وسرق الملف النفسي الخاص بصفا.
الفصل الرابع عشر
ظل مراد واقفًا للحظات، والهاتف ما زال بين يديه.
كانت ملامحه جامدة، لكن نغم رأت لأول مرة ارتباكًا حقيقيًا في عينيه.
قال وهو يلتقط مفاتيح سيارته:
— لازم أروح للدكتور سامي حالًا.
ثم التفت إليها، وكأنه اتخذ قرارًا في ثانية.
— الأستاذة نغم… تعالي معايا.
اتسعت عيناها بدهشة.
— أنا؟
— أيوه.
ترددت للحظة.
ثم هزت رأسها موافقة.
….
بعد دقائق…
كانت السيارة تشق طريقها وسط زحام القاهرة.
ساد الصمت.
لم يكن أي منهما يعرف كيف يبدأ الحديث.
كانت نغم تنظر من النافذة، بينما عقلها يعيد تشغيل التسجيل الصوتي الذي سمعته بالأمس.
“والباشمهندس مراد… وافق يساعدني.”
التفتت إليه.
كان يقود السيارة بهدوء، لكن قبضته المشدودة على المقود كشفت حجم توتره.
جمعت شجاعتها.
— حضرتك… كنت تعرف صفا؟
ساد الصمت.
لم يجب فورًا.
وبعد لحظات قال:
— أيوه…
كنت أعرفها.
التفتت إليه بسرعة.
لكنها لم تتكلم.
أكمل بنبرة هادئة يشوبها الأسى:
— كانت من أشطر الصحفيين اللي قابلتهم.
كانت بتسأل أسئلة صعبة…
وما كانتش بتخاف من الحقيقة.
ابتلعت نغم ريقها.
— وكانت علاقتكم إيه؟
نظر إليها للحظة قصيرة، ثم أعاد بصره إلى الطريق.
— احترام متبادل…
بس.
لم يكن في صوته أي تردد.
ولا أي محاولة للهروب من السؤال.
….
توقفت السيارة أمام مبنى صغير يحمل لافتة:
“مركز سامي للاستشارات النفسية.”
كان الباب الخارجي مكسورًا.
وسيارة الشرطة تقف أمام المبنى.
ترجل مراد بسرعة.
تبعته نغم.
استقبلهما الدكتور سامي، وقد بدا عليه الإرهاق.
صافح مراد.
— الحمد لله إنك جيت.
سأل مراد مباشرة:
— إيه اللي حصل؟
تنهد الطبيب.
— حد اقتحم العيادة بعد ما قفلت.
— اتسرق إيه؟
أجاب وهو ينظر إلى مراد مباشرة:
— ولا حاجة…
غير ملف واحد.
ساد الصمت.
قال مراد:
— ملف صفا.
أومأ الطبيب.
— بالضبط.
…..
وقفت نغم تستمع في صمت.
كانت هذه أول مرة تسمع شخصًا آخر ينطق اسم صفا بهذه الطريقة.
سأل مراد:
— حد كان يعرف إن الملف موجود؟
— أنا…
وأنت…
وصاحبة الملف قبل وفاتها.
صمت الطبيب قليلًا.
ثم أضاف:
— يمكن في حد رابع.
عقد مراد حاجبيه.
— مين؟
أجاب بصوت منخفض:
— الشخص اللي كان بيهددها.
…..
شعرت نغم بقشعريرة.
تقدمت خطوة.
— حضرتك… تعرف مين هو؟
نظر إليها الطبيب باستغراب.
ثم التفت إلى مراد.
— دي…
مين؟
أجاب مراد باقتضاب:
— موظفة عندي.
لاحظ الدكتور سامي ارتباك نغم.
لكنه لم يعلّق.
ثم قال:
— صفا عمرها ما قالت اسمه.
كانت دايمًا تقول إنها لو نطقت باسمه…
هيؤذي ناس ملهاش ذنب.
ساد الصمت داخل الغرفة.
….
وبينما كان رجال الشرطة يرفعون البصمات…
لفت انتباه نغم إطار صورة مقلوب على الأرض.
اقتربت منه.
رفعته بحذر.
كانت صورة قديمة التُقطت في إحدى الندوات.
ظهر فيها الدكتور سامي.
وبجواره صفا.
ثم…
مراد.
لكن كان هناك شخص رابع.
وجهه ممزق من الصورة.
وكأن أحدًا تعمد نزعه.
ثبتت نغم نظرها على مكان الوجه المفقود.
قالت بهدوء:
— الصورة دي كانت كاملة؟
أجاب الدكتور سامي:
— أيوه.
— فين الشخص الرابع؟
نظر الطبيب إلى الصورة، فتغيرت ملامحه.
— غريبة…
كان موجود.
….
في اللحظة نفسها…
داخل إحدى السيارات المتوقفة على بعد أمتار من المركز.
كان حسام يراقب الباب بمنظار صغير.
أخرج هاتفه.
— الصورة لقوها.
جاءه صوت طارق هادئًا كعادته:
— شالوا الجزء؟
— أيوه.
ابتسم طارق.
— يبقى لسه قدامنا وقت.
…..
بعد انتهاء المعاينة…
خرج مراد ونغم من المركز.
وقبل أن يركبا السيارة، استوقفهما الدكتور سامي.
ناول مراد ظرفًا أبيض صغيرًا.
— ده كان عند صفا…
وسابتلي وصية أسلمهالك لو حصل أي حاجة لملفها.
نظر مراد إلى الظرف بدهشة.
— ليه أنا؟
ابتسم الطبيب بحزن.
— لأنها كانت واثقة إنك الوحيد اللي هتعرف تتصرف صح.
تجمدت نغم في مكانها.
كانت الكلمات تصدمها أكثر من أي دليل وجدته حتى الآن.
أخذ مراد الظرف، لكنه لم يفتحه.
وضعه داخل جيب سترته.
…
في طريق العودة…
لم يتبادل الاثنان أي كلمة.
لكن عقل نغم كان يعصف بالأسئلة.
إذا كانت صفا تثق بمراد إلى هذه الدرجة…
فلماذا كانت تبكي في أيامها الأخيرة؟
ومن الذي دمّر حياتها؟
وهل كانت تكره نفسها…
أم كانت تخشى شخصًا آخر؟
….
عندما وصلا إلى الشركة، كان الليل قد أرخى ستاره.
ترجلت نغم من السيارة.
وقبل أن تغلق الباب، ناداها مراد.
التفتت إليه.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء:
— في حاجة كنت ناوي أقولها من زمان…
لكن يمكن لسه وقتها مجاش.
أومأت دون أن تفهم قصده.
وأغلقت الباب.
راقبها حتى دخلت المبنى.
ثم أخرج الظرف الأبيض من جيبه.
ظل ينظر إليه للحظات.
وأخيرًا…
فضّه ببطء.
لم يكن بداخله سوى ورقة واحدة.
كُتب عليها بخط صفا:
“لو وصلتك الرسالة دي يا مراد… يبقى أنا خسرت السباق. أوعى تثق في أقرب الناس ليك.”
تجمدت ملامح مراد.
وأعاد قراءة الجملة مرة ثانية.
ثم همس بصوت بالكاد سُمع:
— مستحيل…
وفي أسفل الرسالة…
كان هناك حرف واحد فقط.
“ط…”

