رجل مشرد بقلم ميرا احمد

 

كانت لنفس الممرضة التي اعترفت قبل سنوات.

 

ثم قالت بصوت مرتعش:

 

“أنا… كنت من الناس اللي اشتغلوا في المستشفى الليلة دي.”

 

ساد الصمت.

 

أكملت وهي تبكي:

 

“أنا ما خطفتكيش… لكني سكت.”

 

خفضت رأسها.

 

“خوفت.”

 

“وسكوتي ضيع عمر ناس كتير.”

 

نظر إليها كريم بحذر.

 

“إيه اللي جابك دلوقتي؟”

 

أخرجت ظرفًا قديمًا.

 

“أنا بموت… والدكاترة قالوا أيامي قليلة.”

 

“ومش عايزة أقابل ربنا وأنا شايلة الذنب ده.”

 

فتحت ندى الظرف.

 

كان بداخله خطاب كتبه والدها الحقيقي قبل وفاته.

 

ولم يصل إليهما أبدًا.

 

بدأت تقرأ، ودموعها تنهمر:

 

> “إلى ابنتي التي لم أستطع احتضانها… لو وصل لك هذا الخطاب يومًا، فاعرفي أنني بحثت عنك حتى آخر يوم في حياتي. لم أتخلَّ عنك، ولم أصدق أنك متِّ. كنت أدعو الله فقط أن تكوني في بيت يحبك. وإن كان قد كتب لنا ألا نلتقي، فأرجو أن تسامحيني.”

 

 

 

لم تستطع ندى إكمال القراءة.

 

احتضنت الخطاب إلى صدرها.

 

ثم رفعت رأسها نحو السيدة العجوز.

 

وسألتها بهدوء:

 

“إنتِ ندمانة؟”

 

أجهشت المرأة بالبكاء.

 

“كل يوم من يومها.”

 

اقتربت ندى منها.

 

وأمسكت يدها.

 

وقالت الجملة التي أذهلت الجميع:

 

“أنا سامحتك.”

 

نظر إليها كريم في صمت.

 

فهم وقتها أن أعظم ما يميز ندى…

 

لم يكن صبرها، ولا إخلاصها، ولا حتى طيبتها.

 

بل قدرتها النادرة على أن تسامح… دون أن تنسى الدرس.

 

ابتسمت الصغيرة “أمل” وهي تركض نحو أمها، فضمتها ندى بقوة.

 

وقالت وهي تنظر إلى السماء:

 

“الحمد لله… ربنا عوضني عن كل وجع عشته.”

 

وهكذا، أُغلقت آخر صفحة من الحكاية، بعد أن انتصر الحب، والحق، والتسامح على أسرار الماضي. 🌷بعد مرور عشر سنوات…

 

لم تعد الطفلة “أمل” صغيرة.

 

أصبحت في العاشرة من عمرها، ذكية، مرحة، وتشبه والدتها في قلبها، ووالدها في قوة شخصيتها.

 

وفي صباح يوم عيد ميلادها…

 

دخلت إلى مكتب كريم وهي تحمل دفترًا مدرسيًا.

 

“بابا.”

 

رفع رأسه عن الأوراق وابتسم.

 

“عيون بابا.”

 

قالت بجدية:

 

“الميس طلبت مننا نكتب موضوع بعنوان: الشخص اللي غير حياتك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *