الــفــصـــل الــــواحـــد والـــعشــــرون وضع وجهه بين راحتي كفيه وهو جاثٍ على ركبتيه أمام قبرها يبكي بحرقة قائلاً: سامحيني يا نهى، سامحيني على كل لحظة كنت أنانياً فيها.. عن كل لحظة ما أدتكِش الحب اللي تستاهليه.. وأخذ يتنهد بحرقة وهو لا يُصدق بأنه اليوم قد دفنها، لتتعالى صوت شهقاته بضعف وهو يتذكر حديثها معه قبل وفاتها بعد أن وضعت طفلتهما: "خلي بالك من بنتنا يا هشام، أوعى تكون معاها زي بابا.. متخليش الشغل ينسيك إنك تكون أب ليها".. وتذكر عندما سقطت دموعها أمامه ليشرد في حديثها المتوسل وهي تخبره: "أنا عارفة إنك ممكن في يوم تتجوز". ليمسك هو إحدى يديها يخبرها بحب لم يشعر به سوى عندما جاء للرحيل ميعاد قائلاً: قومي يا نهى أوعى تسيبيني لوحدي، أوعدك إني هعيش حياتي كلها أعوضك على لحظة وجعتك فيها... فكان حديثها الراجي هو من قطع توسلاته لتمد يدها فتمسح دموعه بأناملها المرتعشة قائلة: هيجي يوم وقلبك هيضعف لواحدة، وهتكمل حياتك معاها لأن ديه الحياة.. بابا كان بيقول كده وكمل حياته بعد ماما واتجوز بدل الواحدة. وضحكت بألم وهي تتابع حديثها قائلة: كتير ميتعدوش، ثم تنهدت وهي تبتسم: أنا كنت حاسة بيه، حاسة إنه بيعاقب فقده لماما بالجواز.. أحياناً افتقادنا لحاجات راحت مننا.. بيخلينا نتصرف بجوع من غير تفكير، بس للأسف بابا كان جوعه وجود ست في حياته وبس.. مش إنسانة يكمل عمره الباقي معاها وتكون أم لبنته.. وأكملت بأخر أنفاسها المتقطعة: "لو في يوم حبيت واتجوزت.. اتجوز أم لبنتي قبل ما تكون زوجة ليك.. متخترش بأنانية وتكون زي بابا.. أرجوك يا هشام اختار لبنتي أم صح من بعدي". ليُحرك هشام جسده كله بألم وهو يمسح على قبرها بيده قائلاً بوجع: ليه يا نهى سبيتينا، مكنش نفسك تشوفي نهى الصغيرة يا حبيبتي.. وتذكر طفلته التي وُلدت من ثلاثة أيام، ولم تستطع والدتها أن تراها بسبب الغيبوبة التي دخلت بها ثم وفاتها التي كانت بالأمس.. فهمس بضعف: محستش بحبك غير لما روحتي مني. وصرخ بأعلى صوته وهو يتنهد بحرقة: أنا غبي، غبي مبحسش بالنعمة اللي ربنا بيدهالي غير لما تروح.. ظلمت زهرة لما علمتها معنى الحب واستغليت حسن نيتها ووجعتها وظلمتك لما بعتها واشتريتها عشان أحلامي وطموحاتي وعرض والدك ليا لما لقاكي مشدودة ليا وبتحبيني. بس والله ندمت.. ندمت.. وصرخ بقوة أكبر: آه. ................................................................... هبط شريف من سيارة فارس بتعب بعد رحلة سفر من ماليزيا ثم إلى فرنسا، وعندما علم بخبر وفاة زوجة أخيه.. رحل ثانية عائداً إلى الوطن من أجل أن يكون بجانب أخيه، ولكن تأخر رحلة العودة وعدم وجود حجز جعله يأتي بعد الدفن مباشرة.. ليهبط فارس أيضاً وهو يتنهد بأسف: قالنا نسيبه ونمشي، وأهو زي ما أنت شايف الشمس قربت تغيب وهو لسا عندها. لتلمع عين شريف بألم.. إشفاقاً على أخيه وشعوره به، ورغم إنه لم يعرف نهى إلا يوم أن جاءت لقضاء شهر عسلها مع أخيه في فرنسا واستقبلهما والمكالمات التي كان يطمئن فيها عليهما.. ولكنه شعر بأسى نحوها. فنظر شريف أمامه ثم تحرك نحو مكان قبر زوجة أخيه. ولكنه توقف عندما وجده يخرج من مقبرتها بوجه شاحب وملابس يعلوها التراب. ليُسرع شريف وفارس نحوه.. فأقترب شريف منه لتمتد ذراعاه لأخيه. فارتمى هشام نحوه وهو يهتف بضعف: مش قادر أصدق يا شريف، نهى ممتتش صح.. ليربط شريف بذراعيه على جسد أخيه قائلاً بأسف: الموت نهايتنا كلنا يا هشام، وحد الله. فهمس هشام بضعف: لا إله إلا الله.. ثم بكى بوجع: بس الفراق صعب أووي. وتذكر يوم وفاة والده ليقول: قلبي اتوجع تاني يا شريف. ليُتابعهم فارس بعينيه بألم.. ويقترب ليربط على ذراع ابن خالته قائلاً: ربنا يرحمها ويصبرك يا هشام. ................................................................... جلست زهرة وسط والديها بسعادة رغم حزنها لما حدث ورجوعهم مصر بسبب ذلك الظرف الطارئ.. ولكن سعادتها كانت بوجودها وسط أهلها أكبر. لتضمها والدتها لصدرها وهي تطعمها بيدها قائلة: كلي الجلاش اللي بتحبيه يا زهرة، ده أنا نزلت أبوكي مخصوص عشان يشترهولك. لتبتسم زهرة لوالدتها وهي تمضغ الطعام قائلة: كفاية يا ماما حرام عليكي، أنا حاسة إني كنت جاية من مجاعة. ليضحك والدها وهو يضع يده على يدها قائلاً بدفء: والله على عيني بعدك يا بنتي، أنتِ مبسوطة مع جوزك؟ لتنظر والدتها إلى والدها قائلة: يا راجل بتقول للبت مبسوطة مع جوزها.. إحنا نلاقي زي شريف؟ ليرفع والدها أحد حاجبيه قائلاً: أنا مش عارف شريف عملك إيه.. إيه الحب ده؟ فتلمع عين والدتها بالرضى قائلة: نظرتي في الناس عمرها ما تخيب.. لتتذكر زهرة الأيام التي قضتها وغمرها بحبه وحنانه، وتذكرت لمساته لها وقبلاته التي كانت كالهواء الذي ينعشها لتتنفس بحب وقد نسيت كل أوجاع الماضي، حتى هشام قد نسته وأصبح شعورها اليوم نحوه هو شعور أسف عليها وإشفاق لما حدث معه، لتكون دعوتها له بالصبر دون ذكريات الماضي. وهمست بضعف وهي تنظر إلى والدها قائلة: شريف كويس معايا أوي يا بابا.. وعمره ما زعلني. فتمتم والدها بطيبة قائلاً: ربنا يخليكم لبعض يا بنتي، وأفرح بذريتكم عن قريب. لتنطق والدتها قائلة: آمين يارب. لتردف جميلة للداخل في تلك اللحظة، فتنهض زهرة نحوها لمعانقتها بشوق قائلة: وحشتيني أوي يا جميلة، مجتيش ليه مع حازم تاخدوني من المطار؟ لتبعد جميلة برفق أختها عنها وهي تُطالعها: ها.. مكنتش فاضية.. وتساءلت: أنتِ مروحتش مع جوزك ليه عند أخوه، مش المفروض تكوني جانبه؟ لتهمس زهرة بحزن قائلة: شريف مش عايزني أتعب، بعد ما وصلنا المطار واطمن إن حازم جه ياخدني.. أخد طيارته التانية اللي رايحة لشرم الشيخ عشان يكون مع أهله. لتنظر جميلة لأختها بتفحص وهي لا تجد على وجهها سوى علامات الفرح، حتى وجهها أصبح يشع نوراً.. فتفيقها والدتها قائلة: ماروحتيش تجيبي أختك مع حازم ليه؟ ليهتف والدها قائلاً: ما قالتلك البنت إنها ماكانتش فاضية، روحي يا بنتي غيري هدومك وتعالي اقعدي مع أختك أكيد وحشاكي. فتتأملهم جميلة بأعينها وهي تمسك حقيبة يدها لتسير ببطء وهي تُفكر في كلام صديقتها منه. عندما أخبرتها عن ضربة الحظ بوفاة زوجة هشام. فكان ردها عليها: الكورة بقيت في ملعبك، تكرهي جوز أختك في أختك وتعرفيه الحقيقة أو تلعبي على هشام يا جميلة. شعرت زهرة بفتور اشتياق أختها نحوها وهي لا تعلم السبب. لتلتمس لها العذر بداخل نفسها: أكيد تعبانة من الشغل. ونظرت إلى كل من والدتها والسعادة التي في أعينهم لتذهب نحوها وتعود لدفئهم ثانية. ................................................................... نظرت مريم لحاتم الجالس مع والديها بشرود وهي تتذكر نفس جلسة مجدي وثقته بنفسه حتى فرحة والديها.. والديها اللذين يريان الزواج على شكل صفقة يحصل عليها من كان لديه المال.. لتقترب منهم قائلة ببرود: عن إذن حضرتك يا بابا ممكن أقعد أتكلم مع أستاذ حاتم شوية؟ فيعتدل حاتم في جلسته وهو يُطالعها بتفحص، ويعلم سبب هذا الانفراد الذي تطلبه من والديها. لينهض والدها وهو يخبر زوجته بحزم: يلا يا أم فارس خلينا نسيبهم مع بعض شوية. فتُطالع هي بعينيها ذهاب والديها وهمست: أول شيء أنا رافضة الجواز عموماً، واعتراضي مش عليك اعتراضي على فكرة الجواز. وكاد أن يُقاطعها حاتم، إلا أنها أكملت حديثها: أنت عارف إن عندي طفل. ليُحرك حاتم رأسه قائلاً: أكيد، وابنك هيكون ابني يا مريم. فهتفت بتهكم قائلة: إشمعنى ديه عرفتها؟ ليفهم هو مقصدها قائلاً بجدية: في الأول أنا كنت فاكر إنك ست متجوزة فاهتمامي مكنش هينفع.. بس دلوقتي اهتمامي بكل حاجة تخص حياتك بقى واجب عليا.. وغمز إليها بإحدى عينيه قائلاً: مش هتكوني مراتي ولا إيه؟ فترفع هي صوتها بحدة قائلة: لأ مش هكون وياريت تدور على واحدة تانية غيري، أنا ما أنفعكش. ونهضت من أمامه لتتركه، وهي تتخيل لو كان شريف لم يتزوج وجلس نفس مكان حاتم.. هل كان ردها سيكون هكذا؟ وضحكت بندم: اللي بيضيع مبي رجعش تاني يا مريم! .................................................................. اقتربت منه والدته بحزن وهي تراه جالس على فراشه يشم الفراش الذي كان يضمهم.. فجلست بجانبه بحنان قائلة: ادعيلها يا بني، حزنك ده مش هيعمل حاجة.. ليهمس هشام بضعف: ادعي لها وادعي لي بالصبر يا أمي الله يخليكي. فتربط والدته بكفها على كفه بحنو وهي تهمس بأسى وحزن على زوجة ابنها التي أحبتها كابنتها: ربنا يصبرك يا حبيبي. وتنهدت قائلة وهي تتذكر أمر الرضيعة: مش هتقوم تشوف بنتك، أختك وجوزها جابوها من الحضانة بعد ما طمنوا عليها؟ ليُحرك هشام رأسه برفض قائلاً: مش عايز أشوفها، أقولها إيه لما أشوفها؟ أقولها بقيتي يتيمة خلاص.. أمك راحت. فتهتف والدته سريعاً: استغفر ربنا يا بني، أوعى تقول كده.. فين إيمانك بربنا وبرحمته؟ ليُتمتم هشام بندم: استغفر الله العظيم. ................................................................... جلست نسرين بجانب زوجها وهي تُطالع أخيها وابن خالتها الجالسين أمامهم قائلة: الحمد لله البنت نامت. فنظر إليهم فارس بإرهاق قائلاً: النهاردة كان يوم صعب أوي. لتُحرك نسرين رأسها بضعف.. وهي تهمس: ربنا يصبرك يا هشام، من ساعة ما أخد العزاء في نهى وهو مش قادر يصدق إنها راحت. فيتنهد شريف وهو يتذكر أخيه عندما كان يستقبل العزاء بزوجته بجانب حماه الذي يقف مثله منهاراً على ابنته.. ليدخل في تلك اللحظة والد نهى صارخاً بعلو صوته: فين البنت، فين نهى محدش هياخدها مني.. فين بنتي؟ ليقفوا جميعهم مدهوشين وهم يرون نوبة غضبه.. وثورة الصمت التي انفجرت الآن، ليسير بلا هوادة ويتجه لأعلى غير عابئاً بصوتهم.. ودخل إحدى الغرف ليجد حفيدته نائمة في فراشها الصغير.. لتلمع عيناه وهو يتأملها قائلاً: نهى. والتقطها بذراعيه من قلب الفراش وضمها لصدره وخرج سريعاً من الغرفة.. ليقف قبالته شريف قائلاً بتنهد: واخد البنت فين يا أستاذ صالح؟ ليصرخ به صالح: محدش هياخدها مني. فيخرج هشام من حجرته ووالدته خلفه وهو مصعوق مما يرى، ليقترب من حماه وهو يراه يحمل ابنته التي استيقظت للتو تبكي قائلاً بصوت ضعيف: هات البنت يا عمي، مش كفاية ضيعت أمها وخليتها محرومة من حنانك؟ ليبكي صالح بألم: هعوض بنتها، وأخذ يُقبل الطفلة بحنان وهو يهمس بندم: هربيها وهخلي بالي منها بس سيبوهالي.. ديه هي اللي فضلالي. فيشعر هشام بوجعه ويقترب منه أكثر ليربط على كتفه بإشفاق: سيبلي بنتي يا عمي، عشان منكررش حكاية نهى تاني وأوعدك في أي وقت أنت عايزها هجبهالك. ليمد صالح يده بالطفلة وتنهد بوجع: محفظتش على بنتي، ماتت وهي زعلانة مني.. قالتلي مش هتشوفني تاني. فيتطلع إليه كل من شريف ووالدته وفارس ونسرين التي وقفت بجانب زوجها مصعوقين مما كان يحدث.. لتلمع أعينهم بالإشفاق على ما رأوا. ................................................................... جلست جميلة في حجرتها وهي تُفكر كيف ستخبر والديها عن أمر انفصالها بحازم.. لتبدأ حياة جديدة ستُخطط لها. لتردف زهرة إلى الحجرة التي كانت تضمها فاتحة ذراعيها بسعادة: وحشتني الأوضة أوي. وجلست على الفراش قائلة: عاملة إيه أنتِ والواد زومه يا جميلة، شكلك منكدة عليه. لتبتسم جميلة بسخرية قائلة: لأ هو اللي منكد على نفسه. ثم تنهدت بلامبالاة قائلة: جوزك هيرجع إمتى مع أهله؟ لتنظر إليها زهرة وهي تمسك هاتفها.. حتى لمعت عين جميلة عندما رأت الماركة التي يحملها الهاتف قائلة: جبتي إمتى التليفون ده؟ فابتسمت زهرة بطيبة قائلة: شريف ربنا يخليهولي جابهولي. فطالت نظرات جميلة عليها، ثم لمعت عيناها قائلة: مش هتتصلي بجوزك تطمني عليه هو وأخو جوزك.. وتابعت بنبرة صوتها: اللي اسمه إيه.. آه آه افتكرت هشام. لينبض قلبها بخوف وهي تتذكر أن لحظة قرب هشام ثانية لا مفر منها.. وفجأة وجدت هاتفها يرن. لتنظر إلى رقم المتصل بسعادة.. فتتأملها جميلة لترى ما تطالعه.. زهرة: ده شريف. وهتفت به تحت نظرات جميلة قائلة: عامل إيه يا شريف، وأخبار.. وصمتت للحظات لتنطق اسمه: وهشام عامل إيه؟ ليأتيها صوت شريف المُتعب: هشام ربنا يصبره يا زهرة، أنا اتصلت أقولك إننا راجعين بكرة القاهرة إن شاء الله.. عشان هشام مش قادر يقعد هناك أكتر من كده. ويستمر حديثهم العادي لدقائق معدودة.. وتغلق الهاتف وهي شاردة في قدوم هشام بطفلته الرضيعة.. ووجودها في بيت حماتها عندما يأتي زوجها. فأقتربت منها جميلة قائلة بخبث: مال وشك اتغير كده ليه يا زهرة؟ لترفع زهرة وجهها لأختها قائلة: أهل شريف راجعين بكرة. فطالت نظرات جميلة إليها وهي تُفكر في شيء.. قائلة: طب كويس بكرة آجي معاكي أنا وبابا وماما عشان نعزيهم. ................................................................... اقتربت والدتها من فراشها قائلة: شريف نام يا مريم؟ لتنظر مريم لطفلها قائلة بنعاس: أنا هرجع شقتي بكرة يا ماما، ومليش دعوة بكلام الناس. فتنهدت والدتها بتعب، بعدما ظنت بأنها أقنعت ابنتها بالمكوث معها والضغط عليها لتتزوج من حاتم.. وتذكرت أمراً قائلة: لسا متصلة بخالتك أطمن عليها هي وهشام. قالوا لي راجعين بكرة.. اعملي حسابك هنروح من الصبح هناك عشان نكون جنب خالتك. وتابعت حديثها: آه صح وشريف هنا كمان، وأكيد هنشوف مراته اللي اتجوزها بسرعة ديه ولا كأن أهلها مصدقوا يخلصوا منها. لتقع تلك الكلمات على مسمع مريم.. لتهمس قائلة: إن شاء الله يا ماما. واتكأت على فراشها مُدعية للنوم.. فتنظر إليها والدتها وقد شعرت بأن ابنتها ما زالت تحتفظ بأمل رجوعها لشريف ثانية قائلة بتنهد: تصبحي على خير يا بنتي. ونهضت من جانبها لتغلق النور وباب الحجرة.. فهمست مريم بضعف: هشوف شريف ومراته سوا بكرة. ووضعت يدها على قلبها قائلة: تفتكر هتقدر تستحمل.. فيعلن هاتفها في تلك اللحظة عن وجود رسالة.. فتفتحها ونظرت إلى محتواها لتجد مكتوباً فيها: "قريب أوي هتكوني مراتي يا مريم، حاتم الصاوي لما بيعوز حاجة بياخدها". ................................................................... جلس طوال الليل يُطالع صغيرته بألم.. وهو لا يُصدق بأنه أصبح دونها الآن هو وطفلتهما.. ليلمس وجه الصغيرة بأنامله بهدوء وهو يهمس: كانت نفسها فيكي أوي. ودمعت عيناه وهو يتذكر سنين عمره الماضية منذ أن كان شاباً تتهاتف عليه الفتيات لوسامته.. ويقعن بحبه إلى أن جاءت بذهنه زهرة عندما تعرف عليها من مجرد زر إلكتروني ورؤيته لها في رحلة بالمصادفة ووهمه لها بالزواج وأطفال اختاروا لهم أسماءهم.. إلى أن عرض عليه صالح أن يتزوج ابنته التي تُحبه بجنون.. لتأتي لحظة زفافه والصور التي رأتها زهرة له وهو في بذلة زفافه وبجانبه نهى وقد صممت نهى بأن تجعلها على صفحتهما الشخصية معاً... ليسير الشريط ويجد نفسه يجلس وهو يُطالع طفلته بألم وقد رحلوا من أحبهم.. زهرة عندما جرحها وأحبها رغم ذلك ونهى التي تركت له صغيرتهما ورحلت. .................................................................. عادوا جميعهم للقاهرة.. ليكملوا باقي العزاء من قبل أقاربهم. فيردف شريف داخل حجرته بعدما رآها ولم تُحرك شيئاً بقلبه الذي أصبح ملكاً لأخرى.. ونظر إلى هاتفه ليتذكر صديقه رامز الذي هتف له أمس طويلاً ولم يُجب عليه. ظلت تبحث عنه بعينيها لتوقظها والدتها قائلة: مراته عرفت تنسيه، خليكي في أحلامك يا خايبة. لترفع مريم وجهها الذي أخفضته أرضاً بعدما رأت سلامه البارد إليها وكأنه لا يحمل لها أي شعور سوى القرابة. وهمس بألم: ماما لو سمحتِ. ثم نهضت من جانب والدتها لتتحجج ببحثها عن صغيرها قائلة: هروح أدور على شريف. بعدما أنهى اتصاله مع صديقه.. نظر إلى الساعة وهو يتنهد: اتأخرتي ليه يا زهرة، كان المفروض أروح أجيبك. ليفتح باب حجرتها فينصدم عندما وجدها تقف أمامه قائلاً: مريم.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟ فتردف مريم للداخل وهي تترجاه قائلة: ممكن أتكلم معاك يا شريف؟ ليتنهد شريف قائلاً: مينفعش يا مريم، لأن ما فيش بينا كلام يتقال.. غير إن أنا رايح لمراتي دلوقتي أجيبها. وكاد أن يُغادر الحجرة إلى أن وجدها تهتف بضعف: أنا لسا بحبك يا شريف، اديني فرصة أصلح الغلط اللي عملته زمان.. أنا.. لتجد شريف يزيحها بذراعه جانباً.. وينصرف دون رد فعل. فخرجت خلفه مصدومة من ضعفها وكرهه إليها.. فتجده يقف بجانب إحداهن وخالته تضمها إليها. فتسمع صوت خالتها المرحب: أهلاً بمرات ابني الغالية، وحشتيني يا زهرة. وسمعت صوت والدتها وهي تُخبرها: تعالي يا مريم سلمي على مرات شريف وأهلها.. لتقترب مريم بثقل منهما وهي تتأمل زهرة التي لم تجد فيها سوى فتاة بسيطة هادئة الملامح.. ومدت يدها كي تُسلم عليها بهدوء وهي تشعر بأعين والدتها وخالتها وشريف التي تخترقها. ليفيقوا على صوت هشام وهو يهتف بوالدته: ماما.. نهى بتعيط ومش راضية تسكت. فرفعت زهرة عيناها دون قصد.. لتراه شخصاً آخر غير هشام الذي عرفته قديماً بهيئته ولحيته المنمقة. فقد كان أمامها رجلاً قد أهلكته الأيام.. لتُركز جميلة في نظرات أختها إليه... وأعين هشام التي ارتجفت عندما وقع ببصره عليها. لتهتف داخلها قائلة: أنتِ الورقة الرابحة يا زهرة، عشان أتجوز هشام. الفصل الثاني والعشرون طالت نظراته وهو يُطالعها، ونظر إليها بنظرات أسف؛ ليجد والدته تقترب منه تتساءل: "أكيد البنت جاعت يا حبيبي". وألتفت ناحية "زهرة" قائلاً: "تعالي يا زهرة يا بنتي معايا جوه، عشان تساعديني". ليُلجم "زهرة" طلب حماتها، فوجدت "شريف" يُخبرها: "روحي مع ماما يا زهرة". فطالعتهم بفتور، واتجهت خلف حماتها في صمت.. فهي قد أصبحت جزءاً من هذه العائلة. وكادت "مريم" أن تنتهز فرصة ذهاب "زهرة"، لتطلب منه أن تُحادثه ثانية على انفراد كي تترجاه بأن يغفر لها، ولكن صوت "جميلة" جعلها تتوقف عندما اقتربت من "شريف" قائلة بنبرة حزينة: "البقاء لله يا شريف". فتمتم "شريف" بخفوت: "ونعم بالله..". وتساءل قائلاً: "عاملة إيه إنتي وحازم؟". فنظرت "جميلة" أرضاً قائلة: "أنا وحازم انفصلنا من مدة". وعندما اعتلت الصدمة على وجه "شريف".. طلبت منه أن ينسحبا جانباً كي تُخبره بباقي حديثها. ليُطالعها "شريف" قائلاً: "إنتي وحازم انفصلتم، طب ليه يا جميلة.. وزهرة إزاي ما قالتش ليا؟". فأظهرت "جميلة" ضعفها: "محدش يعرف الموضوع ده غيرك يا شريف، ولا زهرة ولا بابا وماما يعرفوا..". وتمتمت وهي تتنهد: "أنا عايزاك تساعدني، أنت أخويا يا شريف مش كده؟". وهبطت دموعها المصطنعة.. فشعر "شريف" بالأسف نحوها وهو يظن بأنها هي الطرف المظلوم قائلاً: "طب ليه ما اتصلتيش بيا قبل ما كل ده يحصل.. كنت قدرت أعمل حاجة يا جميلة..". وفرك وجهه بين راحتي كفيه وهو لا يعلم بما سيساعدها فيه.. فحازم كان يوماً رفيقاً له.. ويعلم أنه كان يعشقها. وعندما تذكر الحب والعشق.. شعر بأن قصص الحب التي أحاطته دوماً لم تكتمل. فطالعته "جميلة".. ومدّت يدها لتمسك براحة كفيه قائلة: "خليك معايا يا شريف، عشان خاطر زهرة أرجوك". فتأمل "شريف" حركتها.. وأبعد يده عنها بجمود.. وهمس قائلاً: "اهدي يا جميلة، أنا هقابل حازم وأتكلم معاه..". فهتفت به "جميلة" قائلة: "أنا مش عايزة حازم يا شريف خلاص.. حازم ده خاين". وبدأت تبكي بحرقة مصطنعة.. ليُطالعها "شريف" بأسف وهو لا يُصدق بما تفوهت به.. ووجدها تترجاه بصوت مخنوق: "أنا عايزاك تقنع بابا وماما بحكاية انفصالي عن حازم..". وكاد "شريف" بأن يرد.. فوجد هاتفه يرن.. لينظر للمتصل بتمهل.. وتمتم قائلاً: "لينا كلام تاني.. عشان تحكي لي إيه السبب اللي وصلكم لكده". وانصرف من أمامها سريعاً كي يُجيب على المتصل. ................................................................... ارتجفت يداها خوفاً وهي ترى حماتها تُغادر الغرفة من أجل أن تُحضر رضعة الصغيرة، ففي البداية كانت هي من ستذهب وتبقى حماتها، ولكن عندما مدّت "زهرة" الطفلة لها بكت الطفلة كأنها شعرت ببعدها. فهتف "هشام" بخفوت قائلاً: "خايفة تفضلي معايا في نفس المكان يا زهرة؟". فظلت "زهرة" تُطالع الصغيرة بأعين مشفقة.. لتتذكر بأنها قد حُرمت من أغلى نعمة يهبها الله للمرء. واحتضنت الطفلة وقد نسيت بأنها ابنة الشخص.. الذي جرحها يوماً وكان سبباً في قسوة والدتها عليها. وتذكرت بشرود! "إمتى هشام هيجي يتقدملك يا زهرة؟" لتفرك "زهرة" يدها بقلق وهي لا تعلم بما تُجيب والدتها.. فهي قد أخبرت والدتها بكل شيء صراحة عن معرفتها بـ"هشام".. وقصت لها عن اهتمامه وتشجيعه لها ورجولته التي لم ترَ مثلها، ووعده لها بأنه سيخطبها عن قريب. ولكن أين "هشام"؟ فـ"هشام" قد اختفى ولا تعلم عنه شيئاً.. لتنهرها والدتها: "اسمعي أما أقولك يا بنت بطني.. ليجي يتقدم لأبوكي ويخطبك.. لا إلا ما فيش نت وكلام فارغ". لتهتف هي قائلة بدفاع: "هو مشغول بس يا ماما الأيام دي في شغله.. وتنهدت: مش هو كلمك وارتحتي ليه؟". فهمست والدتها: "قلبي مش مطمن للكلام الفارغ ده.. وتابعت: ماشي يا زهرة أما أشوف آخرتها معاكي.. قال حد يحب واحد من اسمه إيه ده 'الفيس بوك'". لتهتف "زهرة" قائلة: "قولتلك يا ماما أنا قابلت هشام لما سافرت شرم مع جميلة.. هشام مش بيضحك عليا، وكمان يا ست ماما شايفة الصدف والقدر بيقربنا إزاي من بعض". وعندما وجدت اقتناع والدتها بحديثها.. تنهدت بارتياح ممزوج بالألم وهي تتساءل برجاء: "أوعى تتخلي عني يا هشام". لتفيق من كل شرودها هذا.. عندما وجدت "هشام" يتنهد بوجع: "يااا يا زهرة، لدرجادي بقيتي مش طايقة وجودي؟". وتابع حديثه: "عمري ما كنت أتخيل في يوم إن حكايتي معاكي توصل لحد كده". لتبتسم "زهرة" بسخرية وهي ما زالت تتأمل وجه الصغيرة التي تحملها.. وهتفت بضيق: "لو سمحت ممكن تخرج بره لحد لما ماما مني تيجي". فتردف للداخل "جميلة" وهي تحمل الرضعة.. وقد استمعت لبعض كلماتهم... وألقت بنظرة شك على أختها التي قد لمعت عيناها ببعض الدموع.. وقبل أن تتطلع إلى وجه "هشام" الذي كان يقف، وجدته ينصرف مُتمتماً: "عن إذنكم!". .................................................................. ابتسمت "فرحة" برضى وهي ترى "حازم" كيف يُعامل العمال بتواضع، واقتربت منه قائلة وهي تمدّ له يدها بزجاجة الماء: "الميه يا بشمهندس". فألتفت إليها "حازم" بتعرق قائلاً وهو يأخذ منها زجاجة المياه: "مُتشكر يا فرحة". وبدأ يشرب الماء، فوقفت هي تُطالع حركته وهي تبتسم شيئاً فشيئاً.. وأبعد زجاجة الماء عن فمه وتأملها قائلاً: "بشرب بتوحش مش كده؟". فأشاحت "فرحة" برأسها خجلاً.. وانصرفت من أمامه وهي تلوم نفسها على أفعالها الحمقاء معه. وهمست بقلة حيلة: "ليه وجودك بيفكرني بيه يا حازم؟". فاستغرب "حازم" انصرافها وابتسم برضى وهو يتأمل حركتها. ................................................................... أردفت "زهرة" لداخل شقتها في بيت أهل زوجها... والتي لم ترها. فألتفت إليها "شريف".. ليهمس بتعب قائلاً: "كنتِ عايزة تمشي وتروحي مع والدك ووالدتك يا زهرة؟". لتهمس "زهرة" بخفوت: "ما أنا قولت عشان ما أزعجكمش، وما كنتش فاكرة إن لينا شقة هنا". ليتنهد "شريف": "تزعجي مين يا زهرة، إنتي ليه شايفة نفسك غريبة؟". واقترب منها وتابع حديثه: "إنتي مراتي.. وأهلي هما أهلك". وضمها إليه بحنان وهو يهمس: "وحشتيني أووي". فوجدت نفسها تلف ذراعيها نحوه.. وقد اشتاقت له أضعاف ما اشتاق إليها. وتنهدت بحب: "أنت وحشتني كمان أووي". فابتعد عنها ليرى معالم وجهها المرتبكة من تجاوبها معه لتيار هذه المشاعر، ومال على شفتيها كي يُقبلها بهدوء. وهمس بجانب أذنها بعدما جاء بذهنه عندما رآها تحمل ابنة أخيه بحنان جارف وضمها إليها بدفء قبل أن يصعدوا إلى شقتهم: "لما شوفتك شايلة نهى بين أيديكي.. تخيلتك وإنتي شايلة بنتنا. هتكوني أجمل وأرق ماما يا زهرة". لتخجل "زهرة" من عباراته.. حتى وجدت نفسها تتساءل: "هي مريم ديه اللي كانت...". وكادت أن تُكمل باقي عباراتها إلا أنه أوقفها بإشارة من أصبعه قائلاً: "محدش كان بالنسبة لي حاجة، مريم بنت خالتي وبس يا زهرة، وما فيش حاجة أكتر من كده". فابتسمت إليه بابتسامة حالمة وهي تستمع لكلماته التي جعلتها تشعر بأنها وحدها من يُحبها. فرفع يديها نحو شفتيه كي يُقبل أناملها قائلاً بدعابة: "جوزك هلكان وتعبان وهيموت وينام يا هانم". فضحكت على عباراته... وارتمت على صدره وهي تهمس بحب قوي: "أنت أجمل راجل في الدنيا يا شريف". ................................................................... هتفت "جميلة" صديقتها وهي تُتمتم: "قولتلك سمعته بيقولها! لدرجادي مبقتيش طيقاني؟ شكله لسا بيحبها يا منه. أنا مش مصدقة، بقى زهرة أختي الهبلة.. تقدر تضحك على جوزها وتتعامل معاه عادي وهي عارفة إن حبيبها القديم أخوه!". ليأتيها صوت "منه" الضاحك: "أختك ناصحة يا جميلة.. ومدام أخوه ما حكاش حاجة يبقى خلاص تخاف ليه.. أكيد مظبطة معاه ومين عالم يمكن علاقتهم تكون مستمرة". لتلمع عين "جميلة" وهي تتنهد: "تفتكري يا منه تكون على علاقة بـ"هشام" من ورا "شريف"؟ لا لا زهرة ما تعملش كده، أختي وأنا عارفاها هبلة وعلى نيتها". لتضحك "منه" وهي لا تُصدق حالة الانفصام التي تعود إليها "جميلة"، فبعدما تمقت أختها تدافع عنها.. فهتفت بخبث: "يمكن، على العموم كله هيبان قريب.. مش إنتي قولتي إن هشام هيفضل عايش مع والدته ومش هيرجع شرم تاني؟ يبقى كله هيبان.. بس الأهم أختك ما تسافرش هي وجوزها علطول.. ياريت يقعدوا فترة عشان تعرفي تخليها إزاي تقربك من هشام". ويحل الصمت بينهم للحظات، حتى يأتي صوت "منه" وهي تُخبرها بإحدى الحيل قائلة: "إيه رأيك تروحي تقعدي مع أختك الأيام دي في شقتها.. بحجة إنها وحشتك وعايزة تبقي معاها، ومنه إن نفسيتك تعبانة بسبب موضوع انفصالك عن حازم، مش إنتي قولتي إنك طلبتي من شريف يساعدك؟". لتُتمتم "جميلة" بخفوت: "آه قولتله". فابتسمت "منه" عندما شعرت باقتناعها قائلة: "يبقى خلاص أكيد هي كمان هتعرف.. وآه تقربي الفترة دي من بيت حماة أختك ومين عالم!!". .................................................................. جلس بجانبها على الفراش يُداعب وجهها بأنامله وهو يهمس بدفء: "زهرة، قومي يا حبيبتي". لتفتح "زهرة" عينيها بتكاسل، وعندما رأت ابتسامته.. ابتسمت إليه. فداعب هو أنفها بيده.. حتى قالت هي: "صباح الخير يا حبيبي". فاتسعت ابتسامة "شريف" وهو يرى نظرات حبها إليه ووجهها الدافئ.. ومال عليها كي يُقبلها باشتياق. وابتعد عنها بعدما شعر بأن جلوسه بجانبها لن يأتي بنفع.. وهو من المفترض أن يهبط إلى شقة والدته كي يرى أخيه، فتنهد قائلاً: "أنا لو فضلت باصص ليك كده، مش هسيبك غير لما أكلك كلك على بعضك". فابتسمت "زهرة" بعشق.. ونهضت سريعاً قائلة: "لاء وعلى إيه.. أنا قمت آهو .". وتذكرت أمر الصغيرة بحزن، ورغم أنها لا تُريد أن تهبط للأسفل بسبب وجود "هشام"... إلا أن هروبها لا مفر، وأنها لا بد أن تقتنع بكلام صديقتها "ريم" بأن الهروب والقلق لا بد أن يكون منه هو وليس هي.. لتفيق من شرودها هذا.. على حركة "شريف" لها وهو يمسك ذراعيها ليُنهضها.. ثم احتضانه لها من الخلف وهو يهمس: "هسبقك على تحت وإنتي تعالي ورايا يا كسلانة". وقبلها بدفء على عنقها.. ثم تركها وانصرف لكي يذهب إلى شقة والدته بالأسفل. ................................................................... استمع "شريف" إلى مُكالمة أخيه.. فاستند بظهره على طرف الباب بعدما عقد ذراعيه أمام صدره.. حتى انتهى "هشام" من مُحادثته الهاتفية. ليتنهد "شريف" قائلاً: "هتصفي كل حساباتك مع حماك..". فحرك "هشام" رأسه بالإيجاب.. فأقترب "شريف" منه كي يحتضنه قائلاً: "عين العقل يا هشام.. وآه بنتك تتربى مع شريف ابن عمتها وأقدر أطمن على ماما في وجودك". لتهبط دموع "هشام" وهو يتذكر السبب الرئيسي لجعله يبتعد عن حماه ويترك كل شيء له.. فزواجه من "نهى" هو كان أساس مُساعدة والدها له كي يعلو ويصبح له اسم في مجال السياحة. وهتف "شريف" بسعادة وهو يتذكر شيئاً: "بدل الناس الغريبة اللي ماسكة الفندق.. أشرف لك أنت عليه، وكمان أنا ورامز شريكي فكرنا نوسع مجال شركتنا هنا.. إيه رأيك يا هشام تكون شريك معانا؟". فشعر "هشام" بالسعادة لمساندة أخيه له.. واحتضنه بحب قائلاً: "طول عمرك وأنت أبويا قبل ما تكون أخويا يا شريف، ربنا يخليك ليا". لتردف في تلك اللحظة "زهرة".. وخفضت وجهها أرضاً كي لا تتقابل عيناها معه قائلة بصوت هادئ: "الفطار جاهز". ورحلت من أمامهم سريعاً وهي تتذكر مشهد مُعانقتهم سوياً، فشعرت بالوجع من وجودها عاقبة بينهم.. وأنها عندما تظهر حقيقة معرفتها بـ"هشام" لن يُغادر حياتهم سواها. وعندما اجتمعوا على مائدة الطعام.. نظرت "نسرين" إلى "زهرة" التي لا تأكل قائلة بدعابة: "إنتي لسا ما أخدتيش علينا يا زهرة، إيه يا شريف مراتك بتتكثف مننا ليه؟ ده حتى هشام مش غريب عنك وكنتِ تعرفيه قبل جوازك من شريف!". لتشعر "زهرة" بجفاف حلقها وهي ترفع عينيها نحو نظرات "شريف" المتسائلة عن معرفتها بأخيه. فيُطالعها "هشام" بخوف.. لتُكمل "نسرين" كلامها... الــفــصــل الــثــالـثــ والــعــشــرون تنهد كلاهما بعدما تذكرا الكذبة التي اخترعها هو عندما رآها في المطار وكان سيُبارك لها.. لتُلجمه الصدمة، فبدل أن يُبارك لعروس أخيه.. بارك للفتاة التي أحبها وخدعها وأصبحت زوجة أخيه. وعندما استمع شريف لمعرفة أخيه بزوجته من أخت أحد أصدقائه شعر بالضيق قليلاً، ولكن ثقته بها جعلته لا يُفكر لثوانٍ؛ فبالتأكيد معرفة عابرة قد خلقتها الصدفة ليس أكثر.. ونهض هشام قائلاً: أنا داخل أشوف نهى. وقبل ابنة أخته بحنو التي تضعها على قدميها.. ثم انصرف. أما زهرة فكانت تأكل في صمت وعيناها في طبقها حتى وجدت حماتها تتساءل: أنتِ هتفضلي هنا لحد أمتا ياشريف؟ ليترك شريف شوكته وهو يتأمل ملامح والدته الحزينة من خوفها لموعد رحيله.. ونطق بأسف: أسبوع كده ياماما وهرجع تاني.. لأن الشغل متعطل ولازم أسافر. فنظرت إليه والدته بحزن.. وتأملت زهرة قائلة: طب ماتسيبي زهرة هنا. فانقبض قلب زهرة بخوف وهي تتخيل شريف يتركها بمفردها وتعيش في بيت حماتها ومع هشام في مكان واحد.. ليُطالع شريف زوجته قائلاً بدفء: أنا مقدرش أسيب مراتي ياماما، أومال أنا اتجوزت ليه يا ست الكل؟ ورغم أن والدته شعرت بالخيبة لفشل خطتها.. فهي كانت تُريده أن يترك زوجته هنا من أجل ألا يطيل غربته ويعود دوماً إليهم.. فابتسم شريف إليها ونهض من فوق مقعده وهو يُطالع أعين أخته التي تبتسم له لمعرفتها بما سيفعله مع والدتهما ليجعلها تبتسم. شريف: يا ست الكل ماتيجي أنتِ تعيشي معايا هناك... وأه أكون مطمن عليكي. وقبل يديها بدفء ثم رأسها وهو يهمس: مافيش حاجة وجعاني في غربتي غير بعدي عنكم. لتربط والدته على يده بحنو وهي تتنهد بحزن: وأسيب أخوك وبنته لمين.. لو كان زمان ينفع دلوقتي مينفعش خلاص. ليشعر شريف بالأسى لما حدث لأخيه.. وعندما وجد أخته نسرين تبكي. نظر إليها بقلق وهو يقترب منها قائلاً: مالك يانونو، بتعيطي ليه؟ لتضم نسرين طفلها الرضيع لحضنها قائلة بطفولة: عايز تاخد ماما عندك ياخويا، هروح أنا عند مين لما أتخنق من جوزي؟ ورغم الحزن الذي يحتله بيتهم.. ابتسموا على تعبيراتها. فهي أصبحت أماً... ولكن مازالت طفلة صغيرة بعقلها. ................................................................. أردفت زهرة إلى شقتها بتعب.. فقد كان يوماً طويلاً. فعائلة زوجها عائلة كبيرة مترابطة فجميع الأقارب يأتون من أجل مواساتهم ورغم تعبها شعرت بالألفة نحوهم.. إلا من إحدى خالاته والتي كانت والدة حبيبته السابقة، ورغم أنها تتفهم الوضع إلا أن وجود مريم أيضاً اليوم ومحاولتها في التقرب إليه ثانيةً جعلها تشعر بالضيق.. فرفعت كفها نحو فمها لتستنشق رائحة الصغيرة التي أحبتها بشدة رغم أنها ابنته. وابتسمت وقد أدركت حقاً أن هشام كان في حياتها مجرد ذكرى عابرة لا أكثر، فهي لم تعد تشعر بشيء نحوه أكثر من أنه أخو زوجها، حتى غضبها منه سابقاً لم تصبح تتذكره وكأنها قد نسيت أنها كانت تعرفه مسبقاً. وشعرت بحرارة جسدها.. فقررت أن تنتعش ببعض المياه الباردة.. ................................................................... نظر شريف إلى والدته بشك قائلاً: خير ياماما في حاجة مزعلاكي؟ فامتقع وجه والدته وهي تتذكر نظرات ابنة أختها لابنها ومحاولة تقربها منه حتى قالت: إيه بينك وبين يامريم ياشريف؟ ليشعر شريف بالضيق من ذكر اسمها وربطها ديماً بحياتها حتى قال بتنهد: اللي بيني وبين مريم انتهى من زمان ياماما وأنتِ عارفة كده. واقترب من والدته وضمها إلى صدره قائلاً باطمئنان كي يُريح قلبها: أوعي تشكي في تربيتك فيا في يوم، أنتِ ربيتيني إزاي أكون راجل، ومريم بنت خالتي مش أكتر وأنا بحب زهرة مراتي. فاطمأن قلب والدته، بعدما شعرت بالخوف من أن يحن قلب ابنها لحبه القديم.. وهمست بارتياح: مراتك طيبة أوي يابني، هي ديه الزوجة اللي كنت بتمنهالك. فقبل شريف كف والدته بحنو.. وهو يشعر بالراحة من رضا أمه على زوجته. ................................................................... جلس هشام بجانب صغيرته وهو يتذكر زهرة وهي تضمها وترعاها وكأنها طفلتها.. وتنهد بألم وهو يشعر بالاحتقار من نفسه قديماً بما فعله معها ونواياه عندما خدعها.. فهو لم يشعر أنه أحبها حقاً إلا عندما خسرها. ونهض من جانب طفلته.. ليخرج يجد أمه تتحدث مع أخيه بخصوص زوجته عن هدوئها وطيبتها.. فشعر بوخزة في قلبه وهو يرى خسارته القوية عندما فقدها يوماً. وأردف نحوهم وهو يُتمتم: اشكريلي زهرة ياشريف على اللي بتعمله مع بنتي ورعايتها ليها.. فاقترب شريف من أخيه وربط على كتفه قائلاً بحنو: مافيش شكر بينا ياهشام.. وزهرة بتعمل كده لأنها شيفاكم عيلتها غير أنها بتحب نهى الصغيرة أوي. لترفع والدته كفها لأعلى برجاء: ربنا يرزقكم يابني بالذرية الصالحة وأشوف أولادك ياحبيبي. ليهتف شريف بأمل: آمين ياماما. فشعر هشام بخيانته لأخيه.. وهو يرى نفسه يشعر بالضيق عندما يتذكر حقيقة أنه في يوم سيكون له أولاد أخ من المرأة التي كان قديماً يُخبرها بأنه يرى أولاده منها. وتذكر أحد محادثاتهم والتي كان يُعلقها به أكثر ليس إلا: نفسك يكون أول طفل لينا إيه يازهره؟ لتبعث زهرة له أحد الرسائل قائلة: نفسي في بنت. ليضحك هشام قائلاً: بس أنا نفسي في ولد.. ثم تابع حديثه بخبث: عارفة يازهره أنا حلمت بيكي. من ساعة ماشوفتك في شرم وجيتي تكلميني وأنا مش قادر أنسى ملامحك ولا تفاصيل جسمك. فنظرت زهرة لرسالته بخجل وسريعاً ماقالت: هشام لو سمحت. فضحك هشام وهو يعلم ما سبب غضبها.. وأكمل حديثه بخبث: مش عايزة تعرفي حلمت بيكي بإيه؟ ليأته ردها الطفولي: لو حلم جميل قوله. ليقص لها الحلم الذي صنعه هو بخياله.. فقد كان يحكي لها عن يوم زفافهم ثم لبث أن قال: لسا طعم شفايفك وأنا ببوسك حاسس بيه، الله ده كان حلم جميل أوي يازهره. لتنظر زهرة للرسالة بصدمة، فقد عاد لوقاحته ثانيةً رغم خلافاتها الكثيرة معه في إصلاحه وعدم تجاوزه. وردت عليه بأسى: ليه ديماً بتحاول تحسسني إني رخيصة ياهشام عشان بكلمك.. قولتلك كتير أنا مبحبش الكلام ده. مع السلامة. وشعر بالغضب عندما وجدها أغلقت حسابها بعد رسالته الأخيرة قائلاً بضيق: أنا مش فاهم البت ديه تركيبتها إيه كل ما أحس أنها لانت نرجع تاني لنفس البداية.. الصبر يازهره. وأفاق من شروده عندما ربطت والدته على ذراعه بحنو قائلة: سرحت في إيه ياحبيبي؟ لينظر إلى والدته قائلاً بعدما بحث عن أخيه بعينيه: هو شريف طلع شقته ياماما؟ ................................................................... أنهت حمامها المنعش، وارتدت ملابس صيفية مريحة. وخرجت وهي مُنكسة رأسها لأسفل وتُجفف شعرها. لتصدم بصدره فرفعت وجهها نحوه.. فابتسم شريف بحنو وهو يرى احمرار وجهها والمياه تتقطر عليه.. فقد أنعشت هيئتها دقات قلبه.. فضمها إليه بدفء. فهمست هي قائلة: أكيد جعان، هنشف شعري وأحضرلك العشاء. فانحنى شريف بجسده ليقترب من أذنها قائلاً: وحشتيني. ثم طبع قبلة رقيقة على شامتة التي في عنقها وهو يهمس باشتياق: أنا فعلاً جعان.. بس جعان زهرة. فابتسمت زهرة بخجل وهي تستمع لكلماته التي تحرقها أنفاسه وأبتعدت عنه قليلاً.. لتلمع عينه وهو يمد يده كي يشعث خصلات شعرها المُبتلة قائلاً: كل يوم بتحلوي يازهره، أنتِ إزاي كده؟ فضحكت زهرة بحرج وهي تستمع لكلماته وتنهدت قائلة بمشاغبة قد اعتادت عليها معه: عشان أنت بتحبني، وعلى رأي المثل القرد في عين أمه غزال. ورغم الحالة التي يعيشونها تلك الأيام ضحك بشدة وعاد ليضمها إليه ثانيةً قائلاً بدعابة: اتعلمتي اللماضة ديه من مين، أنا كنت واخدك قطة مغمضة. فسحبت جسدها من ذراعيه.. ونظرت إليه بمشاكسة وهي تضع يدها على خصرها ولم تعرف بأن فعلتها هذه قد أشعلت خفقان قلبه.. قائلة: مش عارفة، بس أكيد من واحد كده. وابتسمت ببراءة وهي تخبره بأنه السبب.. ليسحبها من خصرها وقد لمعت عيناه بالخبث. لتشعر زهرة بالخجل بعدما استوعبت تأثير حركتها.. ليهمس بخفوت قبل أن يُعاقبها بطريقته الخاصة: أنتِ اللي جبتيه لنفسك يازهره. ................................................................... شهقت والدة جميلة بصدمة بعدما ذهبت إلى ابن أختها كي تطمئن عليه هو وإخوته.. لتشعر بالحزن في نفوس أولاد أختها نحوها. وبعدما ضغطت عليهم أخبروها بانفصال جميلة وحازم. لتنهض بألم.. واقترب منها ابن أختها قائلاً بقلق: مالك ياخالتي أنتِ كويسة؟ وأردف في تلك اللحظة حازم، وقد كانت الابتسامة تشق وجهه بسبب أفعال فرحة التي أعادت له رونق حياتها ثانيةً حتى لو بنسبة قليلة.. واتجه بقلق نحو خالته وهو يطالع إخوته. وينظر لهم بأن يتركوهم بمفردهم.. لتدمع عين خالته وهي تهمس: هي ديه الوصية اللي وصيتها لك يا ابن أختي... ده أنا كبرتها لك وحفظتلك عليها ورفضت ولاد أعمامها عشانك. ليربط حازم على كتف خالته وهو يجلسها على الأريكة ثانيةً. قائلاً بأسى: تفتكري إني ممكن أخون ثقتك ياخالتي في يوم؟ فحركت والدة جميلة رأسها بالنفي.. ليتابع هو حديثه قائلاً: ديه كانت رغبة جميلة ياخالتي، يرضيكي إني أجبرها عليا وهي مش عايزاني؟ فطالعته خالته دون تصديق.. فكيف ابنتها تفعل ذلك وقد كان حازم هو عشقها منذ الطفولة.. ليتنهد حازم قائلاً: صدقيني ياخالتي أنا لحد دلوقتي مش قادر أنسى طلبها... لحد دلوقتي فاكر كل اللي حصل كابوس.. بس أظاهر أن وقت النصيب جه. فربطت خالته على يده وقد شعرت بصدق حديثه وأن ابنتها حقاً هي المذنبة فهي تعلم طباعها وخاصة في الآوان الأخيرة وتنهدت بتعب بسبب آثار مرضها الذي نجت منه قائلة: كنت قولتلي وأنا كنت جبتها من شعرها وربيتها لك من أول وجديد، أظاهر إني معرفتش أربيها. ونهضت من على الأريكة بإرهاق.. ليمسك حازم بيدها قائلاً: اللي حصل حصل ياخالتي، ربنا يرزقها بالإنسان اللي بتتمناه وشيفاه هيحقق لها أحلامها مش واحد لسا في أول السلم وأحلامه على قده. ................................................................... اندمج شريف في الحديث مع حماه.. حتى اقتربت منهم زهرة بملل بعدما أنهت حديثها مع صديقتها في الهاتف تُخبرها بما حدث معها الأيام الماضية من ظروف وعودتها للوطن ورغبتها في رؤيتها. وطالعتهم قائلة: أنتوا بتحكوا في إيه؟ فنظر إليها والدها بضحك وهو يُطالع شريف قائلاً: ده كلام كبير يازوزو. ليبتسم شريف وهو يستمع لدلع زوجته لأول مرة قائلاً: حلو زوزو ده ياعمي.. فضحك منصور قائلاً: لأ ياشريف محدش يدلع زهرة بالاسم ده غيري أنا. وتابع بحديثه: يلا اعملنا حاجة تانية نشربها لحد لما ماما وجميلة يجوا. فابتسم شريف عندما وجدها انصاعت لأمر والدها.. فهتف منصور برضا قائلاً: زهرة بنتي ديه غلبانة أوي.. مش طالعة لجميلة أختها خالص.. جميلة تقدر تاخد حقها وتخطط لحياتها أما للأسف زهرة على نيتها.. أوعي في يوم تيجي عليها ياشريف سامع؟ فنظر شريف إلى والد زوجته وهو يعلم بكل ماقاله.. فعشرته لزوجته قد أظهرت كل طباعها. لينهض منصور قائلاً: هدخل أوضتي أشرب الدواء بتاعي. فنهض شريف باحترام إليه.. فربط منصور بيده على كتفه قائلاً: ربنا يخليك ياابني. وكاد أن يجلس ثانيةً بعدما دخل حماه حجرته، إلا أنه تذكرها فذهب إليها ليجدها تعد لهم القهوة وهي تُحادث نفسها: لازم يعني تسافري عند عمك ياريم، يييه كده مش هشوفك. ليضحك شريف وهو يحتضنها من الخلف.. فشهقت زهرة فزعاً ليهمس قائلاً: بتكلمي نفسك يامجنونة؟ والتفت إليه كي يصبح وجهها مُقابل لوجهه قائلة بامتضاض: أصل ريم وحشتني أوي ياشريف وكان نفسي أشوفها قبل مانسافر.. وإحنا خلاص كلها 4 أيام ومسافرين. فابتسم شريف قائلاً بحنان: لو حبيبي هيزعل كده، مافيش مشكلة لما نأجل سفرنا. فعانقته بسعادة، وقد نسيت أنهما ليس في منزلهما.. وضمها إليه بحنان. لتردف جميلة في تلك اللحظة بعدما سمعت صوت بداخل مطبخهما ناظرة إليهما وإلى قربهم هذا. فابتعدت زهرة سريعاً لتجد القهوة قد فارت... فضحك شريف لخجل زوجته الحمقاء بسبب رؤية أختها لاحتضانه لها.. ومد يده قائلاً: إزيك ياجميلة عاملة إيه.. وأخبار شغلك إيه؟ ورغم شعور جميلة بالحنق والغيرة من أختها والعلاقة التي شعرت بقوتها بينها وبين زوجها الذي لا تعلم كيف لرجل مثله يحب حمقاء مثل أختها. وصافحته قائلة: الله يعينك ياشريف على زهرة أختي بصراحة.. وقد فهم شريف مقصدها، فابتسم قائلاً وهو يُطالع زهرة التي مازالت تعطيهم ظهرها وتصنع القهوة مجدداً: عشان تعرفوا إني مظلوم وراضي بأقل القليل. فرسمت جميلة ابتسامة مصطنعة على وجهها وهي تهتف: طب بما إنك هنا، أنا عايزاك في موضوع.. وأه نسيب زهرة تكمل القهوة. وانصرفت جميلة من أمامه، ليقبل هو خدها سريعاً قبل أن يُغادر المطبخ قائلاً: أنا جوزك ياعبيطة. وبعدما تركوها تنفست بارتياح.. وشعرت بالخجل من نظرات جميلة لها عندما تتقابل أعينهم. ................................................................... وكادت جميلة أن تسأله متى سيخبر أهلها بهدوء عن انفصالها بحازم ويقف بجانبها.. فوجدت والدتها تردف من باب الشقة بتعب بعد أن أوصلها حازم. واتجهت ناحية ابنتها التي وقفت تتسأل بقلق: مال وشك ياماما؟ فصفعتها والدتها بقوة.. وهي تصرخ بغضب: مين اللي لعب في دماغك وخلاكي تسيبي خطيبك يابت.. انطقي! فاحمر خدها، وهي لا تُصدق بأن حازم قد خان عهده معها وقد أخبر والدتها، وهمست بغضب: ماشي ياحازم، أما وريتك! وكادت أن تضربها ثانيةً إلا أن شريف وقف بينهم وهو يُهدئ حماته: اهدي ياماما، خليني نسمع جميلة الأول مش يمكن حازم السبب؟ وركضت نحوهم زهرة وهي تتسأل بخوف: هو في إيه؟ واقتربت من أختها تضمها إليها قائلة: مالك ياجميلة؟ فظلت جميلة صامتة.. إلى أن وجدت والدها يخرج من حجرته ويبدو أنه قد أنهى صلاته للتو.. واقترب منهم قائلاً: مالك ياأم جميلة صوتك كان عالي ليه؟ ونظر إلى وجه ابنته قائلاً وقد شعر بأن الأمر قد تعدى خلافاتهم البسيطة: في إيه، وضربتي جميلة ليه؟ فنظر شريف إلى وجه حماته المرهق وأجلسها قائلاً: اهدي ياامي. واقترب من حماه قائلاً بهدوء: تعالي ياعمي.. نقعد مع بعض شوية. فنظر إليه منصور طويلاً.. وشعر بأنهم يخبئون عليه شيئاً وكاد أن ينصاع لطلب زوج ابنته إلا أن هتفت جميلة: أنا وحازم انفصلنا يابابا، هو ده السبب اللي ماما ضربتني عشانه.. وأخذت تبكي بحرقة وهي تُمثل عليهم ظلم حازم لها ومعاشرته بالفتيات بالعمل وعدم اهتمامه بشعورها. فجلس منصور مصدوماً مما يسمع.. حتى والدتها أصبحت لا تفهم شيئاً ولا تعرف من ستُصدقه. لتهتف زهرة بعدما علمت سبب صفع والدتها لأختها قائلة: حازم عمره مايعمل كده ياجميلة، أكيد أنتِ فاهمة غلط. فأزاحتها جميلة عنها بقوة، واقتربت من والديها وجلست أمامهم وقد شعرت بأنهم سيصدقونها قائلة بضعف مصطنع: ماما بتحب حازم على حسابي يابابا. وشهقت بقوة وهي تُكمل حديثها: أنتوا أكتر ناس عارفين أنا كنت بحب حازم أد إيه واستنيته سنين طويلة وصبرت معه.. بس إنه يهين كرامتي ويعرف بنات عليا لأ مش هقدر أستحمل. وركضت من أمامهم وقد شعرت بأن دور التمثيلية التي صنعتها قد فعلت شيئاً. لينظر كل من والديها لبعضهم.. ويُطالعوا شريف بحرج لما حدث أمامه. فكانت نظرات شريف إليهم مطمئنة ليخبرهم بهدوء: أنا هتكلم مع حازم وأفهم منه كل حاجة.. بس من رأي مدام هما أخدوا القرار ده سوا، يبقى بلاش نضغط عليها أكتر من كده. ................................................................... نظر حاتم إلى المعلومات التي جمعها عنها.. وألقى بالأوراق جانباً وهو يهتف بغضب: أكيد لسا بتحبيه يامريم. ومصدقتي إنه رجع مصر.. وبتحاولي تقربي له من جديد. ماشي يامريم.. أنا حاتم الصاوي أما عرفتك إزاي أنك هتكوني ليا وساعتها هأدبك على كل لحظة قلبك لسا معاه فيها يامريم. ................................................................... نظرت زهرة بحزن إلى زوجها بعدما انصرف كل من حازم وجميلة بعد أن أصبح الحديث معهم مُستحيلاً.. فقد انتهت حكايتهم. فنهض شريف من على المقعد الجالس عليه في مكتب فارس الذي تركهم يتحدثون قليلاً وذهب ليُباشر عمله. واقترب من زهرة الجالسة بشرود.. بعدما ألقت عليها أختها بكلمة جارحة وهي تُخبرها قبل أن تنصرف: مش واحدة دماغها فاضية زيك هتتدخل في حياتي. وجلس بجانبها على الأريكة التي تجلس عليها وضمها إليه وهو يهمس بحنان: إحنا عملنا اللي علينا يازهره، وأظاهر أنهم واخدين قرارهم من زمان.. فرفعت زهرة وجهها إليه وقد دمعت عيناها وهي تتذكر كلمات أختها: والله حازم لسا بيحب جميلة ياشريف أنت مشوفتش نظرته ليها.. حازم أنا عارفاه كويس ده بيعشق جميلة مش بيحبها بس. فربط شريف على ظهرها بحنو وهو يتنهد: كل شيء نصيب يازهره.. ومين عالم يمكن لكل واحد فيهم حياته مكتوبة مع حد تاني. فطالعته زهرة بصمت.. لتجده يمسح دموعها بأنامله بدفء. ثم مال عليها ليُقبلها بقبلة دافئة على شفتيها. لينفتح باب المكتب في تلك اللحظة وتقف مريم تُطالعهم بوجع وهي تراه كيف يحتويها بذراعيه ويُقبلها قبلة دوماً حلمت بها منه حتى عندما تزوجت بأشرف. وانصرفت من الحجرة سريعاً وهي تلعن حظها الذي جعلها تأتي إلى أخيها فارس اليوم وترى ذلك المشهد الذي حطم قلبها. وفتحت حقيبتها لتخرج هاتفها منها.. وأخذت تبحث عن رقمه. لتُحادثه بصوت مخنوق: أنا موافقة على الجواز ياحاتم. الــفــصــل الــرابــع والــعــشــرون شعرت بثقل يجتاح لسانها بعدما أخبرته بقرارها الذي قتل آخر أمل لديها، وكيف كان سيوجد أمل وهي قد رأته يُقبل زوجته ويحتضنها بين ذراعيه بعشق لم تظن بأنه سيمنحه لواحدة غيرها. وتنفست بقوة وهي تُتمتم: "حكايتكم خلاص انتهت وماتت من زمان يامريم، كنتِ فاكرة هيفضل يحبك طول عمره.." وصارت نحو لا شيء وهي تضحك على غبائها؛ فيوم زواج أخيها قد شعرت بأن شريف مازال يحمل لها حباً حتى بعد زواجه، ظنت بأنه فعل ذلك من أجل أن يحرقها بنار الغيرة ليس أكثر. ................................................................... ابتعدت عنه زهرة بخجل بعدما انتهى من تقبيلها، لتضع رأسها على صدره.. فضمها هو إليه أكثر ووضع بذقنه على رأسها وهو مغمض العينين، مُتذكراً نظرة مريم إليه بعدما فتحت الباب ورأته هكذا.. فتنهد بارتياح بعد أن تأكد بأنه حقاً قد نسي حبها، وأن قلبه أصبح لا ينبض سوى لزوجته التي أصبح يرى فيها كل النساء.. وأنه قد قطع الأمل لديها بعد مارأته حتى لا تعيش في وهم الماضي الذي من المفترض أن تكون نسيته.. فهي من تركته واستجابت لرغبة والديها ووافقت على العريس الثري في نظرهم. ورفع وجه زهرة بأنامله وهو يهمس بدفء: "مش عايزك تفكري في أي حاجة تزعلك، مفهوم ياحبيبتي؟" فحركت زهرة رأسها له في صمت.. ثم نهض وأنهضها معه وهو يعبث بحديثه: "كل أما تزعلي فكريني أبوسك." فوكظته زهرة على أحد ذراعيه ليبتسم هو.. ويحتضنها من خصرها قائلاً بهمس: "يلا بينا لا فارس يجي ونتفضح هنا." ................................................................... تنهد منصور بتعب وهو يجلس بجانب زوجته.. ثم نظر إلى معالم وجهها فوجدها شاردة تضع بيدها أسفل ذقنها وباليد الأخرى تضرب على فخذها.. لتُتمتم فجأة: "البت اتطلقت قبل ماتدخل، نقول للناس إيه.. بقيت مطلقة." ليتنفس منصور بقوة وقد فاض ما به بسبب عويل زوجته: "انتي جاية دلوقتي تندبي حظ بنتك.. مش انتي السبب؟" فالتفتت إليه هي بصدمة وهي تتساءل بوهن: "أنا يامنصور السبب؟" فعاتبها هو بجمود: "قولتلك من وهما صغيرين بلاش تقولي البت لابن خالتها، أه علقتيهم ببعض من هما صغيرين.. لحد ما كل واحد اكتشف بعدين إنه مكنش حب.. بنتك لو كانت بتحب حازم فعلاً مكنتش سابته ولا اتخلت عنه. بنتك كارهة يانعمة.. بنتي وأنا عارفها مابتتخلاش عن حاجة عايزاها بسهولة.. والراحة اللي أنا شايفها في عينها النهارده أكدتلي إنه كان حمل على قلبها." لتضرب هي يديها على رأسها قائلة: "أنت اللي دلعتها، قولتلك بلاش ندلعهم." لينهض هو من جانبها بعدما طفح الكيل قائلاً: "دلوقتي أنا السبب، أنا سايبهالك وماشي." فطالعت هي خطواته قائلة بتوعد: "أما أشوف يابنت بطني أخرتها معاكي إيه، ومين الراجل اللي ضحك عليكي وغواكي ياجميلة عشان تسيبي ابن خالتك!" ................................................................... نظرت فرحة لوجه حازم الحزين وقد تغيرت ملامحه من يوم وليلة.. لتضع الرسومات التي كانت تُناقشه فيها جانباً وهي تتنحنح حرجاً قائلة: "شكلك تعبان، مش مهم نتناقش في المشروع النهارده." ليتأملها حازم للحظات ثم وضع وجهه بين راحتي كفيه وهو يتنهد بتعب.. مُتخيلاً اللحظات الأخيرة التي جمعته بجميلة، ولأول مرة يرى أنه كان مخدوعاً بها وبشدة.. ليتساءل داخله: "لدرجادي ياجميلة كنتِ بايعة حبنا؟" وخرجت آه منه لا إرادياً وهو يُحاول يجمع شتات عقله وقلبه المُحطم.. فتشعر به فرحة، وتضع بيدها على يده برفق قائلة: "مالك يابشمهندس؟" وعندما رفع وجهه نحوها ونظر إلى يدها التي تربت على يده بحنو، سحبتها سريعاً وهي تُتمتم بخجل: "أنا آسفة." فتأملها حازم بشرود.. ونهض من على كرسيه ليحمل سترته في يده.. ويترك المكتب دون أن ينطق بكلمة. فطالعته فرحة وهو يُغادر.. شاعرة بالحزن نحوه، ووضعت بيدها على قلبها وهي تُتمتم بخفوت: "أنت مالك بتدق بوجع عشانه كده ليه، فوق أنت جربت الحب ومت، عايز تموت تاني لما تتفارق!" ................................................................... ضمت زهرة الطفلة إلى حضنها، وأخذت تسير بها بعد أن أطعمتها اللبن الذي خصصه لها الطبيب وظلت تُدندن لها كي تنام بعد بكائها المُتواصل.. ليردف إليها شريف قائلاً بصوت منخفض: "نامت؟" لتُحرك زهرة له رأسها بالنفي.. وأكملت سيرها بالطفلة. فنظر إليها شريف بحب ثم همس: "أنا طالع شقتنا أكلم رامز، ابقي حصليني لما تنام." فحركت له رأسها بالموافقة، وصار هو مغادراً شقة والدته. ليقابله هشام عندما فتح باب شقتهم قائلاً بإرهاق: "أنت هنا ياشريف!" فابتسم شريف إليه بحنان وهو يُتمتم: "حمد لله على السلامة، رجعت في نفس اليوم يعني؟" ليتنهد هشام بإرهاق بسبب سفره وعودته في نفس اليوم: "مقدرش أبعد عن نهى." وتنهد بإرهاق وألقى بمفاتيحها جانباً وتمتم: "خلصت كل أوراق الأسهم المشتركة مع محامي حمايا.. وروحت أطمأن عليه، ووعدته إنه هيشوف البنت في الوقت اللي هو عايزه.. بس أكمل حياتي وأفضل هناك خلاص." فربت شريف على كتف أخيه قائلاً: "اعمل اللي تشوفه ديماً يريحك ياهشام.. وافتكر إني ديماً معاك وعايز أشوفك علطول مبسوط.. وحاول تجمد عشان بنتك وماما حتى." فابتسم هشام إليه بأسى وهو يُحرك رأسه قائلاً: "ربنا يخليك ليا ياشريف.." وتابع حديثه: "آه صحيح أنا رايح بكره أتابع الشغل في الفندق، وهطلع على الشركة أشوف الشغل وأحاول أفهم الدنيا ماشية إزاي.. هحاول أكون شريك ناجح." فابتسم إليه شريف بدفء وهو يربت على أحد كتفيه قائلاً: "أنا واثق ديماً في نجاحك ياهشام.." ويرن هاتفه.. فنظر إلى رقم المتصل ليجده رامز، فتابع قائلاً: "أنا طالع شقتي أكلم رامز." وانصرف سريعاً من أمامه.. كي يُتابع بعض الأعمال مع صديقه. لينظر هو حوله فيجد الهدوء يعم المكان، وقد أيقن بأن والدته قد غفت وأن أخته هبطت إلى شقتها بطفلها، فالساعة قاربت على منتصف الليل. وخلع سترته ورابطة عنقه بإرهاق وفتح أزرار قميصه.. وصار ناحية حجرة طفلته كي يطمئن عليها. وعندما فتح الباب فجأة وجدها منحنية بجسدها.. تضع الصغيرة على فراشها بعد أن غفت، والتفتت سريعاً وقد ظنت أنه شريف.. ولكن الصدمة ألجمتها لتُتمتم حرجاً بعد أن لمست رأسها لتطمئن على وضع حجابها بشكل صحيح. وتمتمت بخفوت: "أنا أكلتها ونامت.." وصارت نحو الباب كي تُغادر الحجرة.. مُكملة حديثها: "تصبح على خير." ليقف هشام أمامها ثم أغلق باب الحجرة.. وهو يُطالعها بنظرة لم تفهمها.. فارتجفت زهرة من نظراته وهيئته فقميصه مفتوح نصفه.. وتمتمت بخفوت وهي خافضة برأسها للأسفل: "افتح الباب لو سمحت." ليُطالعها هشام بنظرات مُتفحصة وقد دار في عقله بعض الأحداث الأخيرة.. فقد تذكر الرسالة التي بعثتها قبل وفاة نهى تخبره فيها بأنها مازالت تحبه.. وأيضاً اهتمامها الشديد بابنته. فقلبه المُشوش يخبره بأنها مازالت تحبه.. ولكن عقله يوبخه على حماقته.. كل هذا جعله يقف أمامها وهو يضع بيده على رأسه ليقول بشرود: "انتي بتعملي كده ليه، بتهتمي ببنتي ليه؟" لتنصدم زهرة من سؤاله.. فاهتمامها بطفلته قد جعله يشك بأنها مازالت تحبه رغم أن ما تفعله مع ابنته حب للطفلة وإشفاق عليها ليس أكثر. وطالعته بتوحش قائلة: "افتح الباب لو سمحت، مينفعش كده." لتتهكم معالم وجهه ليقول بشك: "بعتيلي رسالة ليه يازهره؟" فتشهق زهرة قائلة: "أنا بعتلك الرسالة؟ حرام عليك، أنت ليه مصمم تدمرلي حياتي.." وهبطت دموعها وهي تخبره بقوة: "افتح الباب، بدل ما يحصلش كويس وأقول لشريف كل حاجة." فيُطالعها هشام وهو يرى ارتجاف يديها وصوتها المُرتعش، لتخبره بندم: "هو ده جزاء رعايتي لبنتك؟" فشعر هشام بالخجل وتمتم بخفوت: "صدقيني يازهره أنا مش عايز حاجة منك ولا عايز أخربلك حياتك، ولو كنت في يوم فكرت فكده فدلوقتي لأ وألف لأ، أنا بقي عندي بنت.. غير إنك مرات أخويا، عارفة يعني إيه.. أنا ممكن أموت لو في يوم شريف كرهني.." ونظر إليها ليجدها تبكي وهي تُتمتم: "طب افتحلي الباب." فنظر إليها بأسى، ثم تحرك جانباً.. كي يفتح لها الباب وهو يهمس بضعف: "آسف يازهره." لتُغادر هي شقة حماتها سريعاً وهي تحمد ربها بأن حماتها مازالت نائمة وأن شريف لم يهبط إلى شقة والدته ثانية.. ووقفت على السلم تُجفف دموعها وتُهدأ من دقات قلبها السريعة.. وعندما أردفت لدخول الشقة وجدت شريف جالساً أمام حاسوبه يُحادث رامز عن بعض الصفقات، فسحبت نفسها سريعاً لغرفتها كي تستجمع قواها. ................................................................... اتجه شريف نحو فراشهما بعدما أنهى مُحادثته الطويلة مع رامز في العمل ليجدها نائمة.. فجلس بجانبها وهو يُتمتم بخفوت: "زهرة انتي نمتي!" لتفتح زهرة عينيها وتلتفت إليه بوجه مُتعب.. فيضع يده على وجهها قائلاً بخوف: "مالك يازهره، شكلك تعبان." لتهمس بضعف: "مش تعبانة ولا حاجة، أنت اللي بيتهيألك ياشريف، أنا مرهقة مش أكتر." فتسطح جانبها وضمها إليه وهو يمسح على شعرها قائلاً: "أنا عارف إنك من ساعة ما نزلنا مصر في الظروف دي.. وانتي ديماً مع ماما أو مع نهى.." ورفع كفها نحو شفتيه ليقبله قائلاً بدفء: "ربنا يخليكي ليا يارب ياحبيبتي." فنظرت إليه زهرة بحب ووجع من تذكرها لاتهام هشام لها، واقتربت منه أكثر وهمست بخوف: "احضني جامد ياشريف." فضمها إليه شريف أكثر.. ثم مال على أذنيها وهمس: "على فكرة ده مكانك ديماً، كل ما تحسي إنك تعبانة تعالي اترمي هنا." وأشار إلى صدره.. فابتسمت إليه وهي تشعر حقاً بأنه موطنها.. ورفعت وجهها نحوه لتجد نفسها تقبله بعشق. ................................................................... نظرت جميلة إلى هاتفها الذي ينير ويطفئ برقم والدتها.. فنفخت دُخان سيجارتها سريعاً وأطفأتها في المطفأة ونهضت من فوق الأريكة الجالسة عليها ونظرت لصديقتها قائلة: "هوس.. بطلي ضحك يابنتي لا ماما متفتكرش إني لسه في الشغل." فضحكت منه على أفعال صديقتها التي أخيراً قد أصبحت مثلها وحققت انتقامها منها بسبب غرورها وعجرفتها، وأكملت هي التدخين باستمتاع. لتفتح جميلة الهاتف وهي تُتمتم بإرهاق: "أيوه ياماما، أه لسه في الشغل.. أصل النهارده كان ورايا شغل كتير.." فأتاها صوت والدتها وهي توبخها: "ليكي نفس تشتغلي بعد ما اتطلقتي وسيبتي ابن خالتك؟" فخفضت جميلة صوتها وهي تُحاول أن تشعر والدتها بحزنها قائلة: "ياماما الله يخليكي كفاية بقى، أنا ساعة وراجعة.. متقلقيش ولما أجي أما اديني الأسطوانة اللي أنا عارفاها هفضل سامعاها كل يوم." وأغلقت هاتفها بحنق.. لتذهب إلى صديقتها.. وتجلس بجانبها تتأفف بضيق من موشح والدتها منذ أن علمت بانفصالها هي وحازم. فسألتها منه بهدوء: "مالك ياجميلة، هو موشح كل يوم ولا إيه؟" لتتغير ملامح جميلة وهي تُخبرها بضيق: "أيوه ياستي." وأخرجت سيجارة من علبة سجائرها.. وأخذت تُدخن بضيق.. لتهتف منه ضاحكة: "أوعي تنسي تدخلي تغسلي سنانك، وتأكلي اللبان." فشعرت جميلة باستهزاء صديقتها وطالعتها بتأفف: "بتتريقي حضرتك.. ماانتي صحيح معندكيش أهل واقفلك في الرايحة والجاية.. مش أنا اللي خطواتي محسوبة وكنتي فين ورحتي فين ومخلصتيش الشغل بدري ليه.." وأخذت تتنفس دخان سيجارتها.. ونظرات منه تقتحمها وهي توقف تأنيب ضميرها نحوها، فهاهي تُعايرها بوحدتها التي لا ذنب لها فيه.. بسبب انفصال والديها. ................................................................... ذهبت زهرة إلى والديها لتجلس معهم اليوم وتودعهم قبل رحلة سفرها التي ستكون غداً.. وفجأة وجدت جميلة أختها تخبرها بأنها تُريدها في حجرتهما. لتجلس زهرة على الفراش وجميلة على الفراش المُقابل لها منتظرة منها أن تبدأ الحديث. فطالعتها جميلة طويلاً قبل أن تصدمها بما قالت.. لتهتف جميلة بخبث: "علاقتك بهشام لسه مستمرة يازهره، ولا شريف نساكي حب أخوه القديم؟" فوضعت زهرة يدها على فمها كي لا تعلو صوت شهقاتها.. وهي لا تُصدق بأن أختها علمت بأن هشام هو من كان حبيبها القديم. وهمست برجاء: "جميلة أرجوكي انسي هشام.. واقفلي الصفحة دي من حياتي." ونهضت زهرة من فوق الفراش الجالسة عليه واقتربت منها لتجلس بجانبها قائلة: "انتي أختي ياجميلة وأكيد عمرك ماهترضيلي بيتي يتخرب." فضحكت جميلة على سذاجة أختها وضعفها، ونظرت إليها قائلة: "بشرط!" فلم تُصدق زهرة بأن أختها تضع حياتها مُقابل شرط. لتُخبرها جميلة شرطها ببرود: "متسافريش مع جوزك، وتساعديني أشتغل في الشركة اللي هشام هيبقى ماسكها وتقربيني منه لحد أما أتجوزه." فوقفت زهرة مصدومة مما سمعت.. لتنهض جميلة هي الأخرى قائلة بنبرة أكثر بروداً: "قولتي إيه...!؟" الـــفـــصـــل الــخــامـــس والـــعـــشــرون أحست بأنها تُصارع كابوساً.. لتُغمض عينيها للحظات ثم عادت لتفتحهم ثانية لعله يكون حقاً كابوساً... وتفيق على صوت جميلة ثانية وهي تُخبرها بنفاذ صبر: شكل شريف مش غالي عليكي يا زهرة وعايزة تنهي حياتكم. لتُمسك يد جميلة بخوف وهي ترتجف قائلة: حرام عليكي يا جميلة متعمليش فيا كده، قولي إنك بتضحكي عليا ومش هتأذيني.. ده إنتي أختي، عارفة يعني إيه أختي؟ لتجلس جميلة بهدوء وهي لا تشعر بطفيف وجع بسيط على أختها، ولكن حقدها وحبها للتملك قد طغى على كل شيء.. وابتسمت ببرود: على فكرة إنتي أنانية يا زهرة. فتُطالعها زهرة بصدمة.. وهي تُتمتم بخفوت: أنا أنانية يا جميلة؟ قولي لي طيب موقف اتصرفت معاكي فيه بأنانية.. أرجوكي يا جميلة متضيعيش شريف من إيدي، أنا ما صدقت أحب حد ويحبني. فوقفت جميلة بضيق وهي ترى تمسك أختها بزوجها.. فبالتأكيد هو رجل لا يُعوض.. واقتربت منها أكثر لتنظر إلى عينيها قائلة بجمود: أيوه أنانية، عارفة ليه؟ عشان مش شايفه غير سعادتك بس.. عايزة الزوج والحبيب القديم يبقوا حواليكي.. لتتطلع إليها زهرة بتلهف وهي تتنهد بضعف: أنا مش عايزة غير شريف يا جميلة.. هشام كان درس وانتهى من حياتي خلاص... أرجوكي يا جميلة بلاش تضيعي الحاجة اللي نورت حياتي من جديد.. وتابعت برجاء: ده إنتي حبيتي وعارفة يعني إيه حب.. فاكرة حبك لحازم؟ وعندما استمعت إلى اسم حازم.. وتذكرت أنها إذا خسرت تلك اللعبة أيضاً ستضيع وسيضيع كل شيء.. لتصرخ بغضب: من غير كلام كتير، هتساعديني ولا شريف يعرف كل حاجة وهو اللي يقرر إذا كان هيكمل حياته معاكي ولا... وربطت على ذراعها بخبث وهي تُتابع: يطلقك، ولا تكوني إنتي اتهنيتي في حياتك ولا أنا أطول حاجة، وآه نقعد نونس بعض. ثم ضحكت بقوة وأكملت بسخرية: بس إنتي بقى يا زهرة يا حبيبتي لو خسرتي شريف هترجعي البنت الضعيفة الهابلة.. أما أنا ممكن أقدر أرجع حازم ليا من تاني. لتشعر زهرة بثقل قدميها وهي تتخيل معرفة شريف بكل شيء.. وتركه لها، فهمست بضعف وهي تغمض عينيها: حاضر يا جميلة هساعدك... فابتسمت جميلة بنصر وتذكرت نصائح صديقتها بأن تمكث مع أختها في شقتها مُتحججة بعدم ترك أختها بمفردها بعد رحيل زوجها.. وأن تعمل مع هشام في أسرع وقت حتى لا يكون قد فاق من صدمة وفاة زوجته، وتهتم بطفلته كي يرى مدى حبها إليها فيثق بها سريعاً ويتزوجوا. لترى جميلة كل هذا في خيالها وهي تتخيل هشام زوجها.. فرغم أن شريف أعجبها في بداية خطبته لأختها.. إلا أن هشام لا يقل عنه شيئاً.. فاثنينهم رجلان مُكتملان في نظرها بكل شيء، وسامة ومال ورجولة طاغية تجعل أي امرأة تحسد زوجتهما عليهما. ثم احتضنت زهرة التي كانت دموعها تتساقط بغزارة من صدمتها في تصرفات أختها وهمست: إنتي كده أختي حبيبتي يا زهرة، وبكرة نرجع نعيش في نفس البيت، إنتي مع شريف وأنا مع هشام.. ثم ابتعدت عنها لتمسح دموعها بيدها: لما جوزك يسافر.. تقولي لماما إني هاجي أقعد معاكي، وأوعي تقولك تعالي اقعدي معانا هنا توافقي لأ طبعاً، فهميها إنك هتفضلي مع حماتك، سامعة يا زهرة يا حبيبتي؟ ليخرج صوت زهرة أخيراً وقد شعرت بأنها لا ترى سوى شيطانٍ يتحدث بلسان أختها: ربنا يسامحك يا جميلة! وانصرفت وهي تُجفف دموعها.. لترحل وهي مصدومة بعد أن انطفئت سعادتها. ................................................................... صعدوا إلى شقتهم بعدما انتهت جلستهم العائلية من وداع ووصايا ودعوات حماتها إليها بالذرية الصالحة.. لتشعر بملمس يديه على ذراعيها بعدما أغلق باب شقتهم، ليتساءل بقلق: من ساعة ما اتصلتي بيا عشان آخدك من عند بيت أهلك وإنتي فيكي حاجة يا زهرة، حتى واحنا تحت بنتعشا... فضلتي ساكتة، أنا قولت يمكن مكسوفة من أشرف جوز نسرين.. وتذكر إحراجها لأخيه عندما كانوا يتناولون القهوة. فشردت هي في كلماتها التي لم تُصدق بأنها خرجت منها لتجرح شخصاً... فعندما جاءت سيرة زوجته الراحلة؛ أخبرته بأنها لم تشعر بحزنه عليها وكأنه أحس بالراحة عندما رحلت رغم أنها ترى مدى حزنه عليها، وأصبح يُكبح حزنه من أجل طفلته ووالدته التي تحزن على حزنه.. ولكن كل ما حدث معها اليوم جعلها تكرهه بشدة وترى فيه السبب الأساسي لذلك الماضي الذليل الذي اقتحم حياتها ووجدته مُرتبطاً بحاضرها ومستقبلها.. وفاقت من شرودها على عتاب شريف الهادئ: بس إنتي جرحتي هشام يا زهرة! لتلتفت إليه زهرة بأعين باكية وارتمت على صدره ليضمها بذراعيه قائلاً: هوس، أنا آسف يا زهرة.. خلاص محصلش حاجة. وتابع حديثه بدفء: عشان كده أنا بقول إن فيه حاجة حصلتلك وإنتي عند أهلك. لتهمس زهرة ببكاء: مش عايزة أسافر يا شريف، مشبعتش من بابا وماما. فأبعدها عن أحضانه، لينظر إليها بقلق قائلاً: بس إنتي عارفة إن مينفعش أفضل أكتر من كده، أنا لولا رامز بدالي كانت الشركة والصفقات باظت.. لتُطالعه زهرة بارتجاف قائلة: سافر إنت وأنا هفضل هنا. فابتعد عنها ليسير عدة خطوات وهو يمسح على شعره قائلاً بتنهد: زهرة ده مكنش قرارك إمبارح، إنتي ناسيه كمان دروس التصميم بتاعتك؟ لتخفض زهرة رأسها أرضاً قائلة بفتور: مش مهم! فأخذ يُطالعها قليلاً بصمت، ثم ضمها إليه ليهمس في أذنيها بحنان: ولو قولتلك لأ يا زهرة؟ فتشبثت بقميصه بقوة وهي تود أن تخبره بأن يأخذها معه جبراً ولا يعود ثانية وتذكرت كلام جميلة.. فتنهدت برجاء: أرجوك يا شريف خليني هنا لفترة، أرجوك. وعندما شعر بأنها تحتاج إلى والديها فتنهد قائلاً: هما أسبوعين بس هتفضلي فيهم هنا.. وهبعتلك تذكرتك وتحصليني. وربط على وجنتيها وهو يشعر بالضيق بأنه سيتركها ويعود بمفرده فهي أصبحت جزءاً من روحه.. وكادت أن تعترض؛ إلا أنه إشارته بأصبعه إليها تحذيراً جعلها تصمت.. ليُخبرها بجمود: بدل ما أخليها ولا يوم.. مفهوم؟ ثم تركها وانصرف وهو يشعر بالاختناق. ................................................................... جلس هشام على فراشه بألم وهو يتذكر حديث زهرة معه ونظرة الكره التي لأول مرة يراها فيها حقاً.. فاليوم عرف معنى الكره وبالأخص من شخص كان يوماً مُتعلقاً بك كالمجنون.. ليتنهد بحرقة وندم: اشمعنى إنتي يا زهرة اللي تكوني مرات أخويا.. وتابع عباراته بألم ممزوج بحسرة: القدر عايز ديماً يفكرني بغلطات الماضي... وتذكر كلماتها التي كانت دوماً تُخبره بها: إنت اللي علمتني يعني إيه حب يا هشام.. خلتني أشوف نفسي بنت بتتحب! وأفاق من شروده سريعاً وهو يُلعن عقله الذي يُذكره بالماضي وينسى بأن من يُفكر بها هي زوجة أخيه الأكبر. ................................................................... قصت جميلة كل شيء على منه بعدما ذهبت إليها في شقتها التي تقطنها بمفردها وظلت تُنفث دخان سيجارتها التي اعتادت عليها وأصبحت تهرب إلى صديقتها لكي تشرب براحة معها.. لتنظر إليها منه بتساءل قائلة: وإنتي ندمانة على اللي هتعمليه في أختك يا جميلة؟ لتطفئ جميلة تلك السيجارة التي بيدها، ثم أشعلت غيرها بعد أن ناولتها منه إياها وقد أصبح شعورها بالذنب يقل وتنهدت: أندم ليه وأنا مش هأذيها هي أختي ولازم تساعدني، ولا هو حلو ليها ووحش ليا.. يعني تكون مظبطة الاتنين ومتظبطنيش حتى بواحد؟ ثم شعرت بدوار في رأسها.. فنظرت إلى السيجارة التي بيدها قائلة: هو الحشيش عمل شغل معايا ولا إيه؟ فضحكت منه بنصر بما وصلت إليه.. فهي أصبحت نسختها في كل شيء.. لتُكمل جميلة عباراتها قائلة: بس زهرة أختي أنا عمري ما آذيها.... أنا بس عارفة إنها ضعيفة فبتهددها وهي هتسمع كلامي لحد ما أتجوز بس هشام. لتُطالعها منه وهي تشعر بالقرف منها ومن أفعالها.. فحتى لو كانت هي صديقة سوء تسعى لتدميرها.. فنوايا صديقتها وأنانيتها هما من ساعداها بأن تُحقق ما تريد. ونظرت إليها لتجدها تُطفئ السيجارة التي بيدها وتُحاول النهوض قائلة: اعملي لي فنجان قهوة يا منه الله يخليكي، عشان أظبط دماغي وأقوم أروح البيت لأحسن حجج التأخير في الشغل خلصت وماما واقفالي على الواحدة! ونهضت بثقل.. لتضحك منه بسخرية: اغسلي سنانك بس المرة دي كويس، وخدي دوش والبسِي هدومك بتاعت الشغل. ثم طالعت البيجامة خاصتها التي ترتديها جميلة خوفاً من أن تشم والدتها رائحة الملابس ويفتضح أمرها. وأكملت سخريتها: جميلة بنت الناس المحترمة بقيت تخاف. ................................................................... جلس أمامها وعلى وجهه علامات التساؤل في طلبها لقدومه إليها من أجل رؤيته... وتنهد بقلق قائلاً: إيه الأمر المهم اللي طلبتيني عشانه يا فرحة؟ لتنظر إليه فرحة بعمق وهي لا تُصدق فعلتها هذه.. ففجأة شعرت بأنها تُريد مُهاتفته والتخفيف عنه وخاصة عندما علمت من فارس بأنه قد ترك خطيبته وحب عمره.. فشعرت بأن حزنه وشروده هذه الفترة بسبب ذلك. وتنهدت بدفء: إنت! ليُطالعها حازم بنظرات غير مستوعبة لما تتفوه به قائلاً بجمود: هتقولي اللي طلبتيني عشانه يا فرحة ولا أقوم.. وكاد أن ينهض ويتركه. إلا أنه وجدها تضع يدها على يده وهي تتأمل نظرات أعينه الحزينة قائلة برجاء: عايزة أخفف عنك وجعك ممكن؟ فيتأملها حازم بتهكم وهو غير مُصدق بأن أحداً يهتم لأمره وهو قد قضى حياته يفني دون مُقابل.. لتبتسم إليه ابتسامة لأول مرة يراها على وجهها الحزين دوماً بعد أن سحبت يدها عن يده بخجل ثم همست: أنا حاسة بيك يا حازم، فضفض ليا واعتبرني بير غويط هترمي أسرارك فيه وعمره ما هيخونك. ثم أكملت حديثها ضاحكة: أو اعتبرني بحر يا سيدي. ليضحك حازم على مزاحها الذي لأول مرة يراه.. ونظر إليها بابتسامة صادقة قائلاً: أول مرة أشوفك بتضحكي يا فرحة. فشعرت فرحة بالخجل من كلماته ثم أخفضت رأسها أرضاً.. ليتنهد حازم قائلاً: أنا كويس يا فرحة متقلقيش.. الأيام بتداوي وجعنا. لتُطالعه هي بأسى.. ونظرت إليه بأعين دامعة.. لتبدأ في قص حكايتها عليه وكأنها هي من كانت تُريد أن تُفصح عن وجعها الذي يعلم هو جزء منه! ................................................................... اقتربت منه بتساؤل وهي تشعر بالضيق من نفسها قائلة: مش هتنام يا شريف! ليرفع شريف وجهه إليها قائلاً: مش جايلي نوم يا زهرة. فجلست بجانبه وهي تهمس بأسف: لازم تنام عشان ميعاد طيارتك بكرة. ليُطالعها هو بجمود.. لتمسك هي بيده تُقبلها بعشق قائلة: عارف أنا بحبك قد إيه؟ فنظر إليها شريف بصمت.. ليجدها تُكمل باقي عباراتها بابتسامة دافئة: حب مش عارفة أوصفه ليك.. بس كل اللي بقيت عارفاه إني من غيرك ممكن أحس إني مش عايشة. وطالعها دون أن يتفوه بكلمة ليجعلها تُكمل كلماتها التي ذبذبت قلبه.. فقربت يده التي مازالت تضمها بين كفيها ووضعتها على قلبها وهمست بعشق: زمان وأنا طفلة كنت شايفة إن كل بنت فينا ليها فارس هيكون ليها هي بس.. فارس هياخدها من الدنيا كلها وتكون ليه هو بس، كل ما كنت بكبر كنت بلاقي إن كل ده وهم ولا فيه فارس ولا فيه لكل بنت فينا حبيب منتظر.. ودمعت عيناها بندم: لحد ما جيه حد اهتم بيا شوية، وحسسني إن ليا وجود.. وتابعت حديثها: كنت بشوف حكاية جميلة وحازم وأقول لنفسي ما الحياة اللي أتمنتيها موجودة وفي حب وفي إنسان ممكن يحبك وتشوفي الدنيا بعينيه.. ضعفت شوية بس فوقت على درس منستهوش؛ إن الحب ده رزق جميل أوي، وإن ربنا عمره ما هيمنع عني رزقه إلا لو مكنش خير ليا.. وإن استعجالي لرزقي مش حرمان منه لأمنية أتمنتها.. بالعكس هو كان مخبي لي فرحتي اللي ممكن تبكيني من الفرحة. ثم تنهدت بعشق: أنا في كل سجدة في صلاتي بحمده إن رزقي اتأخر شوية.. لأن في النهاية اتجوزت أجمل وأحن وأحسن راجل في الدنيا. ومدّت بكفيها نحو وجهه لتُلامسه قائلة بامتنان: أنا شوفت يعني إيه حب معاك، إنت عوضتني عن كل حاجة.. إنت نعمة كبيرة أوي عليا وعرفت منها قد إيه ربنا بيحبني. فلمعت عيناه وهو يستمع إليها.. ورغم ضيقه في اللحظة التي ذكرت فيها الشخص الذي أوهمها بالحب وخذلها، إلا أنه شعر بخفقان قلبه وهو يراها تبثه حبها.. فضمها إليه وهو يهمس بعشق: وبتعيطي ليه دلوقتي وإنتي بتوصفي لي قد إيه بتحبيني؟ وتابع حديثه بمرح كي يُسيطر على نبضات قلبه: ولا مكونش أستاهل الحب ده يا ستي؟ فحركت زهرة رأسها قائلة: إنت تستاهل روحي وقلبي وعقلي وكل حاجة يا حبيبي. فأبعدها عنه قليلاً ليهمس أمام شفتيها: عارفة عايزة أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ فطالعته بعشق.. ليتنهد قائلاً: أخبيكي جوايا.. وتنفس ببطء: خطفتي نفسي يا زهرة. ومال عليها ليُقبلها بعشق.... ................................................................... منذ أن أخبرته بموافقتها على الزواج وأخبرها بأنه قد قبل استقالتها من الشركة... لم يسأل عنها رغم أنها علمت من والديها بأن زفافهم سيكون بعد أسبوعين من الآن وستذهب هي إليه بطفلها للبنان لتعيش فترة هناك معه.. ورغم شعورها بالدهشة لهذا القرار الغريب.. وهذه المُعاملة التي قد جفت... فهي قد ظنت بأنها عندما أخبرته عن موافقتها بالزواج منه سيبثها بحبه الفريد من نوعه.. حبه الذي ظل سنين بسبب لقاء واحد جاء في حفلة. وتنهدت بألم: مش حاتم الصاوي اللي يعبر عن حبه يا مريم، ودمعت عيناها وهي تُتمتم: إنتي أصلاً متستاهليش الحب.. إنتي إنسانة خاينة ومريضة. وقذفت بهاتفها أرضاً وهي تشعر بالاختناق من حياة جديدة تجهل مصيرها فيها! ................................................................... تلملمت بسعادة على ذراعه وغمرت وجهها في صدره لتفتح عيناها بحب وهي تتذكر ليلتهم التي شعرت فيها وكأنها تعيش في عالم آخر، ولكن سريعاً ما تذكرت عدم ذهابها معه بسبب تهديد جميلة إليها.. فتحولت ملامحها للحزن. ورفعت وجهها لتتأمله بحب.. وظلت تتأمله لفترة وهي لا تُصدق بأنها لن تنعم بدفئه ووجودها بجانبه لفترة لا تعلم مُدتها. فالقرار أصبح بيد جميلة أختها والسبب بأنها لن تستطع بأن تُخبره بحقيقة أن أخاه هو من أوهمها بالحب يوماً. فخوفها من فقدانه زادها ضعفاً. ولامست وجهه بأناملها.. لتجده يفتح عيناه الناعستين وهو يبتسم ثم ضمها إليه ثانية قائلاً: مش هسافر من غيرك يا زهرة. فشعرت بالذعر من قراره، فبالتأكيد بعد ليلة أمس وما دار بينهم من مشاعر قوية لن يتركها... وكادت أن تتفوه بكلمات مُعترضة تُذكره بحجتها الكاذبة عن رغبتها في مكوثها فترة هنا من أجل والديها، فوجدته يهمس بقرب أذنها بدفء: أبقى عبيط لو سافرت من غيرك.... ! الــفــصــل الــســادس والــعــشــرون جلست على فراشها بشرود وهي تتذكر آخر ليلة قضتها بين أحضانه فتنهدت بحنين وهي تُخبر نفسها باشتياق: وحشتني أوي ياشريف. لتشعر باهتزاز هاتفها بجانبها.. ونظرت إلى رقم المتصل بلهفة وشوق والتقطت هاتفها سريعاً لتجيب باشتياق: بقالي ساعة مستنية تتصل بيا ياشريف. ليأتيها صوت شريف الضاحك والذي يتخلله العتاب: لو كنت وحشتك ياهانم.. مكنتيش سبتيني أسبوعين بحالهم. ثم تنهد بشوق وهو يتذكر يوم سفرهم وتعب والدها فجأة.. ورغم مكوثه يومين آخرين ليطمئن على حماه، إلا أن أعماله والأوراق التي تنتظر توقيعه كان لا بد أن يذهب. وهمس بدفء: كفاية كده يازهره وتعالي، أنا هحجزلك على طيارة بكره. لتتذكر زهره تهديد جميلة المستمر... وهتفت بتلعثم: بابا لسه تعبان ياحبيبي، ومقدرش أسيبه. فتحولت نبرة صوته للجمود ليخبرها بضيق: أنا لسه مكلم عمي يازهره وطمني على صحته.. زهره أنتي من قبل تعب عمي وأنتي عايزة تقعدي، في إيه يازهره مالك؟ ليرتجف صوتها وهي تهمس بضعف: أنا مش حابة الغربة ياشريف. فامتقع وجهه وهو يتذكر رغبتها منذ يومين بعد أن هاتفته باكية تطلب منه أن يأتي ويأخذها معه ولا يفترقا مهما كان.. أما اليوم تخبره بأنها لا تُريد الذهاب إليه. ليهاتفها بضيق رغبة في عقابها: طيب يازهره اعملي اللي يريحك. وقبل أن تنطق بكلمة أخرى تبرر له اضطرابها هذه الفترة.. وجدته يغلق الهاتف في وجهها. لتسقط دموعها دون شعور.. فتجد والدتها تفتح الباب وأردفت إليها بضجر قائلة: سافري لجوزك يازهره.. أنا مش ناقصة تتطلقي أنتي كمان وتيجي تقعدي جنبي زي أختك. فرفعت زهره وجهها نحو والدتها.. لتخبرها والدتها بضيق: حالك بقى مش عاجبني ولا أنتي ولا أختك. وهتفت بقلق: وإيه حكاية وجود أختك عند حماتك دايماً، وشغلها مع أخو جوزك... لتُطالع زهره والدتها قائلة: ياماما جميلة سابت شغلها، وطلبت من شريف يعينها في فرع شركته اللي هنا وهشام أخوه شريك فيها. ليمتقع وجه والدتها.. وهي تتفحصها بشك وتركتها. وهي تُتمتم: أما أشوف آخرتها معاكم إيه! ................................................................... نظرت مريم إلى طفلها وهو يُغادر مع المربية بعد أن ضمه لصدره وكأنه طفله... لتقع عيناها في عينيه لتجدها قد أصبحت خالية من أي شعور.. فمن يراه مع طفلها عندما وصلت إلى هنا مع سائقه الذي اصطحبها من المطار يشعر بأن لديه عاطفة وليس كما تصوره برجل الجليد.. ولكن معها قد عاد رجل الجليد ثانية. ليُشعل حاتم سيجارته ويبدأ في بث دخانها بعشوائية حتى تمتم بتهكم وهو يتفحصها: نورتي بيتك ياعروسة. لتُقابل نظراته ببرود وهي تُتمتم: عروسة! فاقترب منها حاتم بعد أن أطفأ سيجارته.. وتنفس بعمق.. ليُطالعها بنظرات ساخرة: هي العروسة زعلانة ولا إيه؟ وتابع حديثه بتهكم: أممم، يمكن زعلانة عشان مروحتش جبتها من المطار.. ولا يمكن زعلانة عشان متعملهاش فرح؟ لتبتسم إليه مريم بشرود وهي ترى صورة من صور زوجها الراحل عندما بدأ يكرهها وشعر بندم بسبب زيجته منها.. ورفعت عينيها نحوه قائلة: عايزة أطلع أشوف شريف. فيضحك حاتم بقوة وهو يتفحصها.. واقترب من أذنها ليهمس بخبث: وهو في عروسة برضه تسيب جوزها من أول ليلة؟ وسحبها من يدها ليصعد بها نحو غرفتهما وهو يُتمتم بغضب: أما دفعتك ثمن حبك ليه يامريم..! ................................................................... جلست جميلة بجانب زهره هامسة بضيق: أنا تعبت من هشام ده، هو فاكر نفسه مين؟ ثم لمعت عيناها بغضب وهي تُطالعها: أوعي تكوني لسه على علاقة بيه ومقرطسني! لتلمع عين زهره بالدموع وهي لا تُصدق بأن أختها أصبحت هكذا فهمست بضعف: عايزاني أعملك إيه ياجميلة.. أنا بساعدك على قد مابقدر وباخدك معايا عند حماتي كل يوم وبقيت أخليكي تهتمي ببنته وخليت شريف يشغلك معاه في الشركة، أعمل إيه تاني قوليلي حرام عليكي.. وتذكرت غضب شريف منها وعدم رده عليها عقاباً لها. لتُطالعها جميلة بخبث قائلة: شكل كده شريف مش راضي عنك ياست زهره. وضحكت بقوة وهي تتفحص معالم وجهها وهي تتنهد بتأفف: لدرجادي كان بيحب مراته! لتتأملها زهره بأسف على حالها قائلة: واحد مراته لسه مكملتش شهرين على وفاتها عايزاه يفكر يحب ويتجوز إزاي؟ فاقتربت منها جميلة بتساؤل: تفتكري يازهره مجرد وقت يعني؟ لتتطلع زهره إليها وهي تراها بإنسانة أخرى غير أختها قائلة: أنتي اتغيرتي ليه ياجميلة، أنتي مكنتيش كده. وبعدما أشاحت جميلة وجهها عنها، عادت تُطالعها: إيه يازهره غيرانة على حبيبك القديم.. أنتي اللي اتغيرتي وبقيتي أنانية. وتأففت بضيق وهي تتفحصها بحقد وتتذكر حديث صديقتها منه: لو كانت زهره أنتي كان زمانه حن ونسي كمان مراته.. أنتي عايزة تحسسيني إن في راجل وفيّ! وسار بذهنها الفترة التي اقتربت فيها منه.. ومعاملته الباردة إليها. حتى نظراته دوماً جامدة نحوها عكس نظراته التي كانت تراها في عينيه عندما تكن زهره معها... ليزداد غضبها وهي تُتمتم: ماأنا مش هسيب هشام كمان يضيع مني! .................................................................. كان يدور بكرسي مكتبه وهو يفكر بشرود ليسمع صوت أقدام نسائية فيظن بأنها إميلا سكرتيرته.. ليهتف بتنهد: إميلا لو سمحتِ مش عايز أي شغل دلوقتي. لتبتسم جيداء.. وهي تقترب من كرسيه وتهمس: شريف حبيبي اشتقتلك. ليلتف شريف بكرسيه ناظراً بضيق إلى ملابسها شبه العارية قائلاً بتأفف: لو جاية نتكلم في حاجة تخص حملة الدعاية الجديدة، فرامز عندك روحيله. ليمتقع وجه جيداء بضيق من معاملته الباردة إليها منذ أن تزوج.. ولكن قد عاد الأمل إليها ثانية عندما عاد من دونها ورجعت خطوة للخلف قائلة بزعل مصطنع: ليه بتبعد عني شريف.. وعادت تقترب منه ثانية وكادت أن تميل عليه لتقبله.. فأزاحها بذراعيه قائلاً بضيق: جيداء حاسبي على تصرفاتك. وأشار بيده إليها من أجل أن تخرج إلا أنها همست بأسف مصطنع: خلاص شريف جيداء مش هتضايقك تاني.. ليردف إليهم رامز في تلك اللحظة وهو يُطالعهم.. قائلاً: إيه ياجماعة مالكم في إيه؟ فالتفتت نحوه جيداء بدلال قائلة: شريف مو راضي إننا نتعشى كلنا سوا رامز. ليضحك رامز قائلاً وهو يغمز لصديقه: شريف بقى راجل ملتزم ياجيداء أنسي شريف بتاع زمان.. الجواز خلاص غيره.. عقبالي يارب. ثم نظر إلى جيداء بخبث: وعقبالك أنتي كمان! ليُطالعهم شريف وهو ينظر في هاتفه ليجد رسالة أخرى من زهره تترجاه بأن يُجيب عليها. ................................................................... اقتربت فرحة من حازم أكثر وأصبحت تشعر نحوه شعوراً غريباً ليس شبيهاً بذلك الشعور الذي ظنته، ففي البداية كانت تظن بأنها ترى فيه من أحبت ولكن تلك الفرحة التي أصبحت في عينيها جعلتها تشعر بأن شعوراً جديداً دخل قلبها. لتسير بفنجاني القهوة داخل مكتبه.. فتجده يُدخن بشرود. فتنحنحت حرجاً وهي تهمس: ديه السيجارة العشرين على الفكرة. ليُطالعها حازم بهدوء.. وهو يبتسم قائلاً: بتعديلي عدد السجاير اللي بشربها يافرحة؟ لتضع فرحة فنجان القهوة أمامه.. وتأخذ فنجانها لتُغادر مكتبه الذي يخنقها من تلك الرائحة قائلة قبل أن تنصرف: لما تعمل إعادة تهوية لمكتبك أبقى أجيلك يابشمهندس. ليطفئ حازم سيجارته ناظراً إليها بعمق لتهمس هي برجاء: حاول تبطلها ياحازم.. وقبل أن تُكمل باقي عباراتها. ذكرته بجميلة عندما كانت تترجاه هكذا وقد ترك التدخين لأجلها.. ولكن اليوم أخذ علبة سجائره وأخرج بأخرى ليُدخنها قائلاً ببرود لم يقصده: شكراً على القهوة يافرحة! لتُطالعه هي بأسى على حاله الذي يتغير سريعاً وخاصة معها. ................................................................... اصطدمت به وهو يُغادر حجرة طفلته.. لترفع جميلة وجهها إليه قائلة: آسفة. ليُطالعها هشام بجمود وهو ينصرف من أمامها دون رد فعل.. فتتعقبه جميلة بنظراتها بحنق وهي تُتمتم: عاملة لبنت داده وبرضه بارد.. أعملك إيه أكتر من كده؟ وانتبهت على صوت حماة أختها.. لتذهب إليها بابتسامة قائلة: نعم ياماما مني. لتبتسم إليها حماة أختها بحب وقد أحبتها كزهره قائلة بدفء: بتيجي من شغلك لهنا ياحبيبتي عشان تهتمي بنهى وتعبينك معانا، أحنا خلاص قررنا نجبلها مربية عشان تراعيها. وتنهدت بأسف: نسرين هتسافر مع جوزها عشان حماتها تعبانة، وأنا ست كبيرة مقدرش أن أرعاها لوحدي. لتُقاطع جميلة باقي عباراتها قائلة بلهفة: مربية إيه بس ياماما مني أنتي مبتسمعيش على اللي بيحصل من المربيات؟ وظلت تقص إليها بعض الحكايات التي سمعتها من أصدقائها عن المربيات.. لتُطالعها مني بصدمة: ياساتر يارب، في ناس كده! لتُحرك جميلة رأسها بالإيجاب وعلى وجهها علامات الراحة بعد أن وجدت تأثير كلامها عليها.. ثم تنهدت قائلة: طب هنعمل إيه يابنتي... لتجلس جميلة بجانبها قائلة: أنا موجودة أه متشغليش بالك، ولا أنا مش زي زهره؟ لتُطالعها مني بحب: ربنا يخليكي يابنتي! ................................................................... تسطح هشام على فراشه بتعب وهو يتذكر اللحظات التي جمعته بزوجته الراحلة وتنهد بتعب وهو يشرد في حكاية زهره والقرار الذي اتخذته.. لتأتي صورة جميلة في ذهنه ليبتسم بضيق وهو يعلم مغزى أفعالها هذه... ................................................................... شعرت مريم بلمسة يديه على شعرها وجسدها.. لتغمض عينيها مصطنعة النوم، فمنذ ليلتهم الأولى والتي كانت تظن بأنه سيأخذ حقوقه منها بالقوة وجدته يُغادر الحجرة سريعاً ليتركها تطالع الفراغ الذي تركه بشرود... وحينما قررت أن تذهب لطفلها وجدته في غرفته يُلاعبه ويمازحه. لتفتح عينيها عندما سمعت صوته الجامد: عارف إنك صاحية يامريم! فالتفتت نحوه تُطالعه بشرود.. ليُطالع هو شفتيها ونظرات أعينها الحائرة حتى مال عليها ليقبلها بقوة جعلتها تئن من الألم. ووضعت يدها على صدره لتبعده عنها. ليبتعد عنها حاتم وهو يجذب خصلات شعرها بين أنامله ليصفعها قائلاً: ماأنتي لسه بتحبيه مش كده؟ فظنت أنه يتحدث عن زوجها.. ليلجمها بعباراته الأخيرة: بس هو رفضك ياهانم، وعشان كده وافقتِ على الجواز مني! لتغمض عينيها بألم.. فاقترب منها حاتم بتوعد: صحيتِ حاتم الصاوي من جديد يامريم... ................................................................... جلست جميلة بجانب صديقتها لتُنفس عن يأسها بقربها منه. لتضحك منه قائلة: وأنتي فاكراه حازم ياجميلة ولا إيه؟ فتطالعها جميلة ببرود.. وهي لا تُصدق بأنها أصبحت تلهث خلف رجل من أجل إرضائه بعد أن كانوا هم من يفعلون ذلك. لتتأملها منه قائلة: متشغليني معاكي في الشركة ياجميلة. لتبتسم إليها جميلة قائلة بهروب: هو أنتي فاكرة إن الشركة بتاعتي ولا إيه يامنه.. خليكي في شغلك أحسن صدقيني. لتتفحصها منها بشك وهي تعلم أن هذا سيكون ردها.. فجميلة ليست بالشخصية السهلة لتجعلها تقترب من شيء تُخطط له. فلمعت عين منه بالوعيد وهي تُفكر كيف ستعمل في الشركة معها لتهدم لها ماتُريد! ................................................................... خرج شريف من البناية الضخمة التي بها شركته.. وصار ناحية سيارته المصطفة ليجد جيداء تقترب منه بأعين باكية وترتمي في أحضانه متشبثة به قائلة: قالي هيقتلني ياشريف. ليبعدها عنه شريف بعد أن تملص من تشبثها القوي به، ناظراً إليها دون فهم: أهدى ياجيداء وفهميني في إيه؟ لتخبره هي بارتجاف عن مهاتفة ذلك الرجل الذي عرفته بعدما تزوج هو وتركها.. ليحدث بينهم علاقة وبعد أن ملت منه وأرادت الابتعاد عنه.. أصبح يُهددها.. فطالعها شريف باشمئزاز من أفعالها قائلاً ببرود: أنا كتير حذرتك ياجيداء عن أفعالك ديه. وانسحب من أمامها ليتركها تقف بابتسامة بعدما رن هاتفها بإحدى الرسالات لتنظر إلى الصورة التي التقطها لها أحدهم وهي بين ذراعيه وتذكرت زهره بشماتة وهي تُفكر في بث الشكوك بينهم! ................................................................... ذهبت زهره إلى شقة والدة زوجها من أجل الاطمئنان عليها فهي منذ خمسة أيام لم تذهب هناك متحججة بحاجة والديها إليها.. رغم أن حجتها كانت من أجل أن تبتعد عن مخطط جميلة. لتفتح إليها الخادمة الجديدة التي لأول مرة تراها.. وتساءلت عن وجود والدة زوجها لتُشير إليها الخادمة عن مكوثها في حجرة الصغيرة.. لتدخل غرفة الصغيرة وهمست بدفء: أزيك ياماما؟ لتلتف إليها مني سريعاً قائلة بلهفة: كويس إنك جيتي يازهره، نهى عندها تطعيم النهاردة.. والمفروض هشام كان يجي من ساعة عشان ياخدها بس اتأخر وبتصل بيه على تليفونه مش بيرد عليا. لتُطالعها زهره بهدوء ونظرة إلى حماتها بإشفاق وتنهدت قائلة: خلاص ياماما أنا هوديها. فابتسمت إليها مني بحب وربطت على كتفها بحنان قائلة: مش عارفة يازهره مبقتش عارفة أتصرف معها، مع إني ربيت تلاتة.. بخاف عليها أوي يابنتي. لتُطالعها زهره بتفهم، ونظرت إلى الصغيرة التي بدأت ملامحها تتضح ووجدتها تبتسم إليها ونواغزها تظهر واقتربت منها تحملها برفق قائلة لها: مدام لابسين وجاهزين يلا بينا ياست نهى. لتنظر إليهم مني بحنان متذكرة مجيء جميلة إليهم كل يوم قائلة: أنا مش عارفة أرد جمايلكم فين أنتي وجميلة يازهره.. جميلة كل يوم بتيجي تطمن عليها وعليا. لتقف زهره مصدومة من اقتراب أختها حتى من حماتها. ثم تحركت ببطء والصغيرة بين ذراعيها. وعندما وقفت أمام باب الشقة لتُغادر وجدت هشام يردف بتلهف ناظراً إلى والدته بأسف: معلش ياماما كان عندي اجتماع مهم، خلصته وجيت على طول. ونظر إلى زهره التي أخفضت بأعينها أرضاً قائلاً بهدوء: أزيك يازهره؟ فتمتمت زهره بخفوت: الحمدلله. واقترب منها ليمد بذراعيه كي يحمل صغيرته.. قائلاً: أنا هاخدها المستشفى. لتنظر إليه والدته: خدي زهره معاك ياهشام.. ولا إيه يازهره؟ فشعرت زهره بالإحراج من طلب حماتها رغم أنها كانت سعيدة من تخليص هشام لها من وجودهم سوياً. فتنهد هشام وحمل الطفلة منها... لتخبرها حماتها بود: روحي معاهم يازهره! لتسير زهره بفتور خلفه وما من لحظات كانت تركب بجواره السيارة والصغيرة على قدميها التي ترتجف من وجودها معه ليتأملها هشام بطرف عينيه فيجد نظراتها مصوبة نحو الطريق تارة وتارة أخرى تُداعب أنامل طفلته.. ليتنهد تنهيدة قوية قائلاً: مسافرتيش مع شريف ليه يازهره! الفــصــل الــســابع والــعشــرون كان سؤاله كفيلًا أن يجعلها صامتة، فكيف ستخبره بسبب بقائها هنا؟ هل ستقول له بأنه السبب، وإن لولا رغبة أختها به لما كانت هنا بعيدة عن زوجها وحبيبها الذي اشتاقت إليه؟ ليشعر هشام بتخبطها وبوجود أمرٍ ما، قائلًا بتنهد: انتي وشريف تستاهلوا بعض أوي يا زهرة.. انتوا بتكملوا بعض في كل حاجة.. أخويا بعقله وانتي بعاطفتك. ونظر بطرف عينيه نحوها ليجدها تُركز في حديثه ليسألها بتخمين: جميلة أختك عارفة إني أنا كنت حبيبك الأولاني، مش كده؟ لتشعر زهرة بالاختناق، وأدارت بجسدها نحوه وهي تسأله بارتباك: انت عرفت منين! فضحك هشام على سذاجتها التي مازالت بها، والتي دومًا يستغلونها فيها قائلًا: امتى بقى هتبطلي سذاجتك ديه يا زهرة؟ وأصدرت سيارته صريرًا عاليًا عندما وقف عند مدخل المشفى ليهتف بضيق منها: سذاجتك ديه هي اللي ضيعتك زمان وخلتني أستغلك. وتذكر أنه رغم نيته الدنيئة تجاهها في البداية إلا أنه شعر بمشاعر نقية نحوها لم يظن أنها فيه، فهو بالفعل أحبها. نعم لم يحبها بالحب الذي تستحقه ولكن أحبها بأنانية. وكاد أن يمدّ يده كي يمسح دموعها التي تغرق وجهها، إلا أن بكاء صغيرته أفاقته على ما كان سيفعله. وترجل من السيارة سريعًا كي يحمل منها الصغيرة وهو يتنهد بحرقة من شعوره باحتوائها، وصار دون أن ينظر إليها، لعله يُسيطر على مشاعره وهو يُتمتم: كلامنا لسا مخلصش يا زهرة. ................................................................... أنهت منه المُقابلة الشخصية وهي تشعر بالرضى من انبهار من أجرى معها المُقابلة، فهي فرصة لأي شركة من خبرة ومهارة. وصارت في الرواق الذي يؤدي إلى مكتب صديقتها كي تراها، لتجدها جالسة في مكتب خاص بها وحدها، فأردفت قائلة بابتسامة: ومكتب كمان لوحدك.. لأ ده انتي طلعتي جامدة أوي هنا يا جميلة. لتقف جميلة بضيق من مجيء منه إليها في مقر عملها الجديد، فلاحظت منه ذلك ولكن تلاشته سريعًا وهي ترسم ابتسامتها ثانية على وجهها بعدما جلست على الكرسي المُقابل لها قائلة: إيه يا جميلة مش هتضيفيني حاجة؟ لتُطالعها جميلة بهدوء قائلة: إيه اللي جابك هنا يا منه.. فنظرت إليها منه ببرود قائلة وهي تخفي سبب وجودها الأساسي هنا: كنت قريبة من هنا قولت أدخل أشوفك يا جميلة، مالك مضايقة من وجودي كده؟ لتُطالعها جميلة بنظراتها وهي تتنهد بضيق، قائلة دون شعور منها: انتي مش شايفة لبسك ومنظرك إزاي، لما حد يعرف إنك صاحبتي هيقول إني زيك.. أوف كويس إن هشام مش هنا كان زمانه افتكر إني زيك. فنظر إليها منه بنظرات كره أخفتها سريعًا، وطالعتها ببرود: ماله لبسي يا جميلة.. ما طول عمره كده، وفي إيه لما أكون صاحبتك أنا مهندسة زي زيك. لتُطالعها جميلة قليلًا وقد شعرت بضيقها، فحاولت تهدئتها حتى لا تثير لها المشاكل وكل خططها وحياتها التي تعرفها هي وحدها: خلاص يا منه أنا مقصدش.. متزعليش يا ستي، ها أطلبلك إيه! فنهضت منه بعدما حملت حقيبتها وحاولت أن تكون طبيعية أمامها كي لا تخسرها الآن وتنهدت قائلة: افتكرت عندي ميعاد مهم.. يلا باي. وانصرفت سريعًا من مكتبها حتى وصلت إلى باب الخروج ودموع وجعها تتساقط، فكلما جعلها الندم تكره حالها وتُقرر ألا تجعل صديقتها مثلها وإلا تكرهها، تجرحها هي بكلماتها اللعينة دون شعور منها بأن التي أمامها بشر مثلها. واصطدمت بجسد صلب لترفع وجهها، لينظر إليها هو بأسف: أسف معلش. ونظر إلى أعينها الباكية، فأخرج من جيبه منديلاً مُعطرًا ليعطيه إليها، ثم انصرف من أمامها سريعًا. فابتسمت وهي تمسح دموعها، وهي تقف تُطالع ذلك الغريب الذي عاملها بلطف رغم حزنه هو الآخر. ................................................................... ركضت نحو شقتها بعدما اطمأنت على حماتها والصغيرة، مُتذكرة حديث هشام معها وهو يُخبرها: "شريف بيحبك يا زهرة ومتحاوليش تخسريه، وانتي دلوقتي مرات أخويا وزي نسرين أختي فعمري ما هبصلك غير كده صدقيني ومتخافيش مني أبدًا أنا بقى عندي بنت يا زهرة." ورغم كرهها له وظنها بأنه سيخرب لها حياتها إلا أن كلماته اليوم معها جعلتها تنظر إليه بنظرة أخرى. ففتحت باب شقتها، وذهبت لغرفة نومها لترتدي إحدى الملابس التي جلبها لها وبالأخص ذلك الفستان الذي أصر عليها أن ترتديه ولكنها رفضت بسبب عُريّه. وبعثت إليه برسالة قبل أن تتجهز، لتخبره فيها بأنها تُريد محادثته صوت وصورة في أمر هام وخطير. لتجده يُهاتفها بقلق وهو يتساءل: مالك يا زهرة في إيه، خضتيني.. ماما تعبانة طب انتي فيكي حاجة وباباكي ومامتك طيب كويسين؟ فضحكت بدلال وهي تستمع لكلماته المُتلهفة، فتنهد بضيق بعدما فهم فعلتها قائلًا ببرود: طب اقفلي يا زهرة! لتهتف به سريعًا قبل أن يغلق الهاتف: أهون عليك يا شريف تقفل السكة في وشي؟ فظفر أنفاسه باشتياق قائلًا بحنين: ما أنا هونت عليكي يا زهرة وسيباني هنا لوحدي.. مفكرتيش فيا أنا عامل إزاي من غيرك.. الأسبوعين بقوا داخلين على شهر يا زهرة. فتنفست بعمق قائلة: دول خمسة وعشرين يوم بس يا حبيبي.. وانت بقالك أكتر من أسبوع مش بتسأل عني ولا بترد عليا.. ده عقابك ليا. فتنهد قائلًا: لو قولتلك إني مش عارف أنام ولا أكمل يومي من غيرك هتصدقيني؟ فضحكت دون تصديق قائلة: بصراحة لأ مش مصدقة، ما انت عشت سنين طويلة بعيد ولوحدك اشمعنا دلوقتي؟ ليهتف بها بشوق: أنا لما اتغربت مكنش معايا حد واتأقلمت على الحياة لوحدي.. بس أنا دلوقتي غير زمان في جزء ناقص مني. وتابع بتنهد: أنا كل يوم بتخيلك وانتي في حضني وبتخيل كل لحظاتنا مع بعض.. ثم أكمل بنبرة جامدة: وتقوليلي بتعاقبني ليه، اقفلي يا زهرة انتي مش هتفهمي حاجة. لتبتسم زهرة وهي تشعر بمشاعره تلك، فهي أيضًا أصبحت تشعر بالاختناق لابتعادها عنه، فأجمل لحظات عمرها قد عاشتها معه وأسر قلبها وجسدها كله. وتابعت برجاء: أنا أسفة والله يا حبيبي.. خلاص أنا هطمن على بابا وماما وأجي لأن ماما الأيام ديه تعبانة شوية وجميلة مشغولة في شغلها. وأكملت بفرحة: ده غير خطوبة ريم.. اللي نفسي أحضرها أوي. ليصغي هو إليها سريعًا، ويشعر بأنه قد زادها معه حقًا، فهو بالنهاية أخذها من عالمها كله لتذهب لعالمه هو وحده. وتنفس بهدوء وهو ينظر إلى الأوراق التي أمامه: ساعتين وهروح البيت.. وهبقى أكلمك فيديو. فابتسمت بسعادة، وقد تنظر إلى الفستان الذي بيدها وسترتديه عندما تُحادثه كي تظل في عينه جميلة دومًا حتى لو كانت بعيدة عنه. ................................................................... طرقت مكتبه بخفة، ثم أردفت إليه بنبرة تملؤها الرقة: مش كفاية شغل كده يا هشام؟ ليرفع هشام وجهه إليها.. عندما نطقت اسمه بدلال، فهو لا يعلم لماذا يشعر نحوها بالاشمئزاز حتى في نطق اسمه يكرهه منها. لتقترب جميلة قائلة برقة: نهى عاملة إيه، أخدتها للتطعيم؟ ليخفض هو رأسه إلى حاسوبه ثانية قائلًا ببرود: أيوه. لتشعر بنبرة بروده ولكنها تلاشتها سريعًا حتى لا تشعر بإهانته إليها، ليُتابع هو حديثه: في حاجة يا بشمهندسة؟ لتُطالعه جميلة بحرج، وهي لا تعلم كيف ستُجيب عليه فلا يوجد أمر يستدعيها لوجودها هنا. وهمست بحرج: ها، لا أبدًا أنا بس جيت أطمن على نهى. وتابعت حديثها بمغزى: هو مين راح معاك التطعيم؟ ليعلم هو مغزى سؤالها ليقول بهدوء بعد أن نهض عن كرسيه: بشمهندسة جميلة أنا مبحبش الأسئلة الكتير.. وأتمنى إن القرابة اللي بينا متسمحش بتخطي حدود بين الموظفة والمدير. فنظر إليه دون تصديق وهي تستمع إلى إهانته في عدم تخطيها لحدودها معه. فشعر هو باضطرابها، ليقترب منها أكثر قائلًا ببرود: عندي شغل معلش مش فاضي. فطالعته بصمت وهي لا تعلم بما تُجيب، فهو يطردها من غرفة مكتبه بالذوق كما يقولون. وصارت في الرواق الذي يؤدي إلى غرفتها سريعًا، لتجلب حقيبتها وهي تبحث عن رقم أختها وضغطت على زر الاتصال، ولكن الخط كان مغلقًا. فتمتمت بغضب: ماشي يا زهرة أما وريتك، وألقت بهاتفها في حقيبتها وهي تتنفس بتوعد: طول عمرك غبية ومبيجيش منك فايدة! ................................................................... نظرت إليه فرحة بقلق وهي تتساءل بعدما تركتهم أختها وانصرفت: خير يا فارس! ليُطالعها فارس بحب أخوي، فهو يُحبها كشقيقته قائلًا بهدوء: إيه بينك وبين حازم يا فرحة؟ فابتعدت فرحة بأعينها عن نظراته وهي تُنهر نفسها على أفعالها التي أدت بأن تجعل زوج أختها يتساءل عن قربها من صديقه. ليتنهد هو قائلًا بحيرة: بصيلي يا فرحة. فرفعت فرحة بوجهها نحوه، ليُتابع حديثه بهدوء: أنا بتكلم معاكي دلوقتي.. لأنك أختي الصغيرة يا فرحة. أختي اللي مش هتخبي عني حاجة واللي عارف ومتأكد إن عمرها ما هتعمل حاجة غلط. وتابع بثقة وهو يُشير إليها: فرحة عمرها ما خافت ولا اتهربت من حاجة بتعملها.. بس فرحة اللي شايفها النهارده غير كده خالص للأسف. لتلمس كلماته وترًا حساسًا بها، فطالعته بشرود وهي تتذكر اعترافها أمس بحبها لحازم رغم لومها لنفسها بخيانتها لمصطفى، فهبطت دموعها وهي تهمس: أنا خاينة يا فارس، أنا خونت مصطفى وحبيت غيره. وظلت تبكي بقهرة، لتأتي أختها على صوت بكائها بقلق وقبل أن تتساءل عن ما بها، أشار إليها هو بالانصراف. لتتركهم دون أن تتفوه بكلمة. وتنهد هو بدفء بعدما غادرت زوجته المكان قائلًا بحنان: مصطفى مات يا فرحة، ديه الحقيقة اللي لازم تواجهي نفسك بيها كل يوم. لتتنهد هي بوجع بعدما مسحت دموعها: ما أنا كل يوم بواجه نفسي بالحقيقة ديه.. وكانت النتيجة إني حبيت حازم. ليتأملها فارس ضاحكًا وهو يُتمتم: يعني أفهم إيه دلوقتي؟ لتُحرك رأسها بتخبط قائلة: متفهمش حاجة لأن أنا مش فاهمة حاجة. فابتسم إليها وهو يهتف بمغزى: هو الحب بيخوف كده؟ لتُطالعه بألم وهي تتذكر لحظة إخبارها بوفاة مصطفى، وتمتمت بوجع: للأسف أه.. مع اللي زي واللي جرب يعني إيه حد يفارقك ويفارق الدنيا كلها. ليحتويها بنظراته الحنونة ليهمس لها بدفء: انتي بتحبي حازم يا فرحة، وهو كمان بيحبك. فلمعت عيناها وهي لا تُصدق بما يتفوه به لتهمس بأسى: حازم لسا موجوع من خطيبته يا فارس، بحسه إنه شايفني فيها. ليبتسم إليها وهو مُشفق على حال صديقه: اللي بيحب حد ميضيعوش من إيده يا فرحة..! ................................................................... كانت جالسة أمامه كالملاك، ليهمس بشوق: انتي عايزة تموتيني يا زهرة؟ لتضحك هي بدلال بعدما أزاحت تلك الخصلة التي سقطت على خدها. ليُطالعها هو بضيق، قائلًا: أكسر أنا شاشة اللاب دلوقتي؟ لتهتف به سريعًا: خلاص مش هضحك، وهقعد مؤدبة. ليُطالع هو فستانها الذي يبرز مفاتنها قائلًا بدعابة: يا مفترية ليه حرمانى من الحاجات ديه وانتي معايا؟ أنا بقول إنك ناوية تموتيني. لتهمس هي بصوت مُضطرب من الخجل: بعد الشر عنك يا حبيبي. ليقف هو من على الكرسي الذي يجلس عليه، وظل يدور أمامها، إلى أن لم تجد له أثر، رغم اتصال المُحادثة، ورؤيتها لشقتها، إلى أن وجدته يجلس ثانية أمامها ووجهه يقطر ماءً ليتنهد قائلًا: أنا بقول نقفل أحسن دلوقتي.. عشان ممكن أتهور وأنزل أجيبك من قفاكي وأرنك علقة وأخدك على الطيارة عدل. لتضحك من تعبيراته بقوة، إلا أن همست بشوق: يا مجنون، أنا مش عارفة انت اتجننت امتى؟ فيُطالعها بدفء وهو يهمس: من يوم ما حبيتك يا زهرة، أنا حاسس إني كنت عطشان وارتويت. عارفة دلوقتي نفسي في إيه.. لتبتسم إليه وهي تهمس بتساؤل بعدما وضعت بإحدى يديها أسفل ذقنها: نفسك في إيه يا حبيبي؟ ليتنهد بدفء قائلًا: نفسي أخدك في حضني ومخرجكيش منه أبدًا. ثم تابع بخبث كي يخجلها ويرد إليها أفعالها التي زادته تلهفًا إليها: وحاجات تانية انتي طبعًا عارفاها. ثم غمز إليها، ليجدها قد أدارت وجهها عنه وظلت تهذي ببعض الكلمات، حتى ضحك بعمق قائلًا: هو انتي طلعتي بتتكسفي يا حبيبتي.. أنا بعد الفستان ده قولت خلاص. لتخفض زهرة عينيها أرضًا وهمست بخجل: أنا بقول أقفل عشان ألحق أروح.. لبابا وماما يقلقوا عليا. ليضحك بمشاكسة: ومين قالك إني هخليكي تقفلي.. لأ ده أنا ناوي أطلع عليكي مُدة العقوبة. وهمس بصوت مُداعب: ما تقومي ترقصي يا زهرة.. وآه حتى تبقى رقصة من خلف الشاشات. لتلمع عيناها من الصدمة وهي تستمع لطلبه، وهمست باضطراب: شريف! ليحك هو ذقنه التي نمت قليلًا وقد أعطته مظهرًا أكثر جاذبية، قائلًا بمشاكسة تخلقها هي دومًا به: عيون شريف من جوه.. وعندما وجدها قد هدأ ارتباكها بعد أن ظنته نسي أمر الرقصة، همس بخبث تتخلله الدعابة: ارقصيلي على واحدة ونص يا زهرة! الـفـصـل الـثـامـن والـعـشـرون وجدها تُحدق به كالبلهاء بعدما أخبرها عن رغبته في رؤيتها ترقص له.... وضحك بشدة وهو يراها لا تتفوه بشيء.. حتى إنها كورت كلتا كفيها من كثرة توترها وعضت على شفتيها من تلك الفكرة.. ووجدها تهمس بارتباك: أنت أكيد بتهزر ياشريف. فلمعت عينا شريف ببريق من السعادة وهو يستمتع بطباعها الخام التي لا تدل سوى على براءتها وهمس بمشاكسة وهو يرفع أحد حاجبيه: وفيها إيه يا زهرة لما ترقصي لجوزك حبيبك؟ ليجدها تخبره فجأة: بس أنت مالكش في الحاجات دي. فضحك بمشاغبة وهو يُطالع نظرات أعينها.. وقد أعجبته تلك اللعبة.. ففكرة الرقصة قد جاءت من أجل أن يستمتع بخجلها الذي افتقده طيلة سنين غربته. وحك ذقنه بيده وهو يتفحصها قائلاً بدعابة: ومين قالك إني ماليش.. هو في راجل مالهوش في الدلع برضو؟ ونطق عبارته الأخيرة وهو يغمز إليها. ليجدها تنظر إلى الوقت.. لتنتفض بتهرب قائلة: أنا لازم أقفل عشان أمشي ياشريف، يلا سلام بقى. وقبل أن تغلق حاسوبها.. وجدته يضحك بقوة وهو يُخبرها بدفء: يامجنونة استني. وهمس بهدوء: ولا عاوزك ترقصي ولا تتنيلي. وطالع ساعة يده ليتنهد قائلاً: الوقت اتأخر.. خلي هشام يوصلك اتفقنا؟ فابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تستمع إليه بأن تجعل أخاه يصطحبها لبيت أهلها. وحركت رأسها بإيجاب.. فماذا ستقول له إذا رفضت مرافقة أخيه لها؟ وتابع حديثه بإرهاق: يلا اقفلي بقى عشان تعبتيني. وعندما شعرت بتعبه.. همست برجاء: شريف أنت زعلت مني عشان يعني... وخجلت من نطقها بما كان يرغبه.. فهي من الأساس تخجل أن تشاهد نفسها ترقص فكيف سترقص أمامه؟ فابتسم إليها بحب وهو يتنهد: لاء ياحبيبتي أنا عمري ما أزعل منك، أنا كنت بهزر معاكي.. يلا بقى عشان تنزلي لماما تطمني عليها قبل ماتمشي وتخلي هشام يوصلك. فتمتمت هي بهدوء: حاضر.. وهمست قبل أن تنهي محادثتهما: بحبك أوي ياشريف. ليبتسم إليها بحنان وهو يُخبرها: ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي. ................................................................... نظرت إلى المكان الذي أوقف فيه سيارته لتهتف بفزع: أنت وقفت العربية ليه ياهشام؟ ليلتف إليها هشام وظل يُطالعها بنظرات جامدة قد أربكتها قائلاً بجمود: بطلي خوفك ده اللي هيضيعك.. وتنهد بقوة وهو يرى نظراتها المرتبكة قائلاً: شريف لازم يعرف الحقيقة يا زهرة. فطالعته زهرة بصدمة.. وهي لا تُصدق بأن كل أحلامها ستتحطم بسبب الماضي وهمست برجاء وبعشق قد رآه في عينيها: شريف هيطلقني لو عرف، شريف مبيحبش حد يخدعه ويكدب عليه. ورغم علمه بطباع أخيه القاسية.. التي ولدتها معه السنين. فهتف بجمود: وهتفضلي تحت رحمة أختك لحد إمتى وهي بتهددك؟ فنظر إليه ببلاهة وهي لا تُصدق بأنه علم بذلك.. ليشعر هو بصدمتها وقد تأكد ما ظنه حقاً ليهتف بضيق: أنا قولت كده برضو.. ما القرب الغريب من أختك ده لماما ولبنتي أكيد وراه حاجة. واعتدل في جلسته ليصبح وجهه نحو الطريق.. وأرجع رأسه للخلف وهو يتنفس بقوة: للأسف أختك لعبتها مع الإنسان الغلط. فأخفضت زهرة رأسها أرضاً وهي لا تعلم بما ستُجيبه أو ستنطق.. ليُتابع هو حديثه: مرضتيش تسافري مع أخويا عشان تقربيني من أختك مش كده؟ وعندما بدأ يكشف كل شيء.. التفتت إليه بفزع.. ليلتف إليها هو الآخر ويُطالع نظراتها قائلاً: لولا إني عارفك كويس يا زهرة ومتأكد من أنك إنسانة نضيفة.. كنت حاسبتك حساب عسير على اللعبة دي. وتابع بتأفف: ابقوا اعرفوا اختاروا ناس مغفلة تلعبوا عليها. وضيق عيناه بجمود بعدما وجدها تبكي: قولتلك متعيطيش. لتعلو نبرة بكائها وهي تصيح به: أنت السبب، أنت السبب. ليظفر بنبرة خاوية وهو يخبرها دون رحمة: أنا السبب إيه يا زهرة، هو أنا ضربتك على إيدك عشان تحبيني.. كله بسبب ضعفك واحتياجك للحب والكلام الحلو.. وأكمل باقي عباراته بقسوة: أنتِ اللي عملتِ في نفسك كده. فطالعته دون تصديق وهي تهمس بضعف: أنا؟ فطالعها هو بجمود: محدش بيضرب حد على إيديه إنه يعمل الغلط.. ووجدها تُتمتم بوجع: عندك حق.. محدش بيضرب حد على إيده، ومحدش بيختار نصيبه. ورغم أن قسوته هذه كانت من أجل معاقبتها على ضعفها ثانية وامتثالها لرغبة أختها. إلا أنه شعر بالشفقة نحوها.. فلم يستطع أن يظل بقسوته معها فهي أنقى وأبرأ امرأة قد عرفها.. فتنفس بهدوء قليلاً ليُتمتم معتذراً: لازم تفوقي بقى يا زهرة، لازم أوجعك شوية زي ما وجعتك زمان عشان تعرفي تكملي. هقولهالك لآخر مرة.. شريف لازم يعرف الحقيقة وتكون منك أنتِ فاهمة؟ وعندما طالعته بنظرات شاردة.. همس بدفء: بس هنستنى لحد ما أعمل حاجة في دماغي، وبعديها أخويا لازم يعرف الحقيقة.. وتابع بندم لعدم إخباره لأخيه بالحقيقة عندما علم بأن زهرة هي زوجته: مقدرش أسيبه طول عمره مغفل وهو مأمني عليكي. ................................................................... أردفت إلى حجرتها وهي تحمد ربها بأن والديها لم يُصرا عليها في الجلوس معهم.. فما سمعته اليوم وشعرت به جعلها كالتائهة.. لتتنهد بتعب فاليوم الذي حلقت فيه بالسماء معه رغم بعدهم سقطت بعده أرضاً. لتشهق بفزع من رؤية جميلة تُدخن.. لتهتف بها بصدمة: أنتِ بتشربي سجاير يا جميلة؟ لتطفئ جميلة تلك السيجارة التي كانت تشربها من أجل أن تُنفس فيها غضبها.. ونهضت من على الفراش وهي تُحدق بها بشر قائلة: هشام كان بيوصلك مش كده؟ لتنظر إليها زهرة بصمت.. إلى أن أزاحتها جميلة بيدها وهي تهتف: بتخدعيني يا زهرة، مش كده؟ وأشارت إليها بإصبعها بتحذير: لعلمك أنا خلاص قررت أقول لشريف كل حاجة، لاء ومش كده بس هقوله عن وجودكم دايماً مع بعض. وضحكت باستهزاء: وعن توصيله ليكي في ساعتين.. والله أعلم عملتوا إيه في الوقت ده. لتنظر إليها زهرة بصدمة من الشر الذي بداخلها.. وهتفت قائلة: أنا اللي هقول لشريف كل حاجة يا جميلة، وهو بيحبني وهيسامحني. لتضحك جميلة بمكر.. وأقتربت منها قائلة: بيحب مين ضحكتيني والله.. يحبك أنتِ.. أنتِ مش شايفة نفسك؟ ووضعت يدها على وجهها لتبتسم بخبث: هو أنتِ فاكرة عشان العلاقة الزوجية اللي بينكم وكلامه الحلو يبقى بيحبك؟ وتابعت حديثها بوقاحة: أي راجل مع مراته كده.. يبان أوي إنه بيموت فيها مادام بترضيه وترضي مزاجه ورغبته فيها.. بس مع أول غلطة ممكن تعمليها هتعرفي قوي إزاي كله بيتنسي. وتخيلي بقى لما يعرف أن مراته الملاك.. كانت على علاقة بأخوه. وصارت بخطوات قليلة وهي تُكمل باقي عباراتها بقسوة: لاء وياريت مثلاً كانوا زملاء.. أو معرفة أو حتى شافها صدفة.. لاء إيه معرفة من على الفيسبوك.. طب شوفتي علاقة مشرفة أكتر من كده؟ فأدمعت عين زهرة من تذكيرها بخطئها، وبعدما كانت تقف أمامها قوية، تلاشت قوتها لتُتابع بضعف: شريف هو اللي طلب أن هشام يوصلني. لتنظر إليها جميلة ببرود قائلة: وهشام يوصلك في ساعتين.. طب إزاي؟ فعلمت زهرة بأن أختها بالتأكيد قد هاتفت حماتها لتسألها عنها، ولذلك علمت بالوقت الذي استغرقته مع هشام. وكادت أن تُخبرها بمعرفة هشام بكل شيء.. وسبب قربها منه. ولكن تذكرت آخر كلمة قد قالها هشام إليها: "بلاش يا زهرة تقولي لجميلة إني عرفت... سيبيني أنا أتصرف معها.. وبصراحة أنا بدأت أميل ليها وأفكر ليه متجوزهاش". ولم تلاحظ هي خبث عينيه عندما أخبرها بذلك.. لتفيق من شرودها وهي تُطالع أختها قائلة: على فكرة هشام بيفكر إنه يتجوزك... فلمعت عينا جميلة دون تصديق، لتقترب منها قائلة: أنتِ هتمثلي عليا، ولا دي لعبة بتلعبوها سوا؟ لتهتف بها زهرة: صدقيني يا جميلة هو بيفكر يتجوزك.. حاسس إنك مناسبة ليه.. وهو لمحلي بكده. فطالعتها جميلة دون تصديق لتصفق بيدها عالياً: حلو أوي الكلام ده. واقتربت منها لتنظر إليها بهدوء قليلاً قائلة: وحتى لو مفكرش يتجوزني، فأنتِ هتطلبي منه أن يتجوزني يا زهرة. وإلا شريف هيعرف كل حاجة وهوريه الرسالة اللي بعتيها لهشام وأنتِ مراته. لتنصدم زهرة مما تفوهت به أختها.. لتريها جميلة الرسالة التي قد بعثتها هي إليه في بداية طريق هدفها.. وطالعتها بصدمة قائلة: بس أنا مبعتش حاجة، أكيد في حاجة غلط. لتلمع عينا جميلة بخبث وهي تهتف: أثبتي! فنظر إليها زهرة طويلاً وقد فهمت مغزى كلماتها.. فأختها مخططة لكل شيء إذا لم تُنفذ رغبتها ولم تحصل على هشام. ولمعت عيناها بإشفاق على حال أختها.. قائلة: الظلم وحش أوي يا جميلة، بلاش تدخلي دايرة الشر.. فطالعتها جميلة ببرود.. وهي تتجه نحو فراشها قائلة: مبحبش أسلوب العظة ده، ومادام حاجة عجباني عمري ما هسيبها. فتأملت زهرة عباراتها.. فحقاً أختها بها هذا الطبع. إذا أرادت شيئاً كانت تحصل عليه مهما كان، فطباعها السيئة منذ طفولتها ولم تتغير... حتى إنها لم تشعر يوماً باحتوائها بسبب تباعدهما دوماً وتدليل والديها لها. ................................................................... كان يُطالعها وهي تُناقشه في أمر المشروع المسؤول هو عنه. ليشعر وكأنه يراها لأول مرة.. وظل يتأمل ملامحها الهادئة. ويتذكر الفترة القليلة التي اقترب فيها منها. لتلتف إليه فرحة فجأة وتخجل من نظراته التي تحرقها.. وهمست بخفوت: أجيلك في وقت تاني يابشمهندس؟ فنظر إليها حازم بصمت.. إلى أن تنحنح حرجاً: شكراً يا فرحة، على اللي بتعمليه مع نهلة أختي. لتبتسم إليه فرحة قائلة: نهلة زي أختي بالظبط يابشمهندس.. ومن ساعة ما اتعرفت عليها يوم ما جيتلك هنا وأنا حبيتها والله وحسيت إننا شبه بعض. ليتأملها حازم للحظات وشعر بأن قلبه كالضائع، فنهر نفسه سريعاً.. ليُطالعها بجدية: خلينا نكمل شغلنا. فشعرت فرحة بالأسى من تغيره السريع.. وابتسمت بشحوب وهي تطالع ملامحه الجامدة. .................................................................. نظرت جميلة بصدمة إلى منة وهي تخبرها عن بدء عملها اليوم هنا، فشعرت جميلة بالضيق من وجود منة في نفس مكان عملها.. ولكنها سريعاً ما تلاشى ضيقها. لتهتف بها منة: شكلك مش مبسوطة بالخبر ده يا جميلة. لتُطالعها جميلة ببرود قائلة: ما أنتِ مقلتيش إنك هتقدمي على شغل هنا.. لاء وكمان اتقبلتي.. مبروك. فابتسمت إليها منة قائلة: كانوا طالبين مهندسين.. وكان العرض حلو.. فقدمت واتقبلت وقولت أعملها ليكي مفاجأة. فرسمت جميلة ابتسامتها بصعوبة وكادت أن تتحدث إليها. فوجدت هشام يردف إلى مكتبها لأول مرة.. فطالعته غير مصدقة وتذكرت حديث زهرة لها بالأمس بأنها تشعر بأنه يرغب بالزواج منها وأن أفعاله معها بالتأكيد بسبب ما مر به في الفترة الأخيرة. وانتبهت سريعاً إلى وجود منة ونظراتها نحو هشام وكأنها تعرفه.. حتى هو ابتسم إليها. وأفاقت من شرودها سريعاً وهي تتساءل: خير يا أستاذ هشام، حضرتك عايزني في حاجة؟ لينظر إليها هشام قليلاً ليقول بابتسامة: كنت عايز أشوف رسومات مشروع الساحل. لتجمع جميلة اللوحات التي أمامها قائلة وهي تُطالع نظرات صديقتها: طب اتفضل وأنا هاجي وراك. فابتسم إليها بابتسامة جذابة.. جعلتها لا تُصدق بأنها لها. وانصرف هو.. لتفيق منة هي الأخرى من شرودها: هو ده هشام؟ فشعرت جميلة بالضيق من نظرات منة وهتفت وهي تُغادر: أنا رايحة أشوف شغلي، وأنتِ روحي شوفي مكتبك فين! فابتسمت منة لضيق جميلة بسبب وجودها عند مجيئه. وتمتمت بخفوت: هو ده صاحب المنديل. لتتذكر اصطدامها به يوم أن جاءت إلى جميلة وجرحتها بكلامها، وإعطائه لها منديلاً لتجفف دموعها. وتابعت بهمس: هشام! ................................................................... جلس شريف على كرسي مكتبه وهو يبتسم عندما تذكر ليلة أمس، إلى أن دخل عليه صديقه رامز قائلاً: صباح الانبساط. فطالعه شريف بابتسامة ثم هتف به بجدية: عملت إيه في الصفقة الجديدة؟ فرفع رامز حاجبه بفخر: طبعاً الكورة في ملعبنا وفوزنا بيها ياصديقي وبدماغك اللي مش عارف من غيرها كنا هنعمل إيه.. ليشعر شريف بالراحة.. ويجد عين صديقه تلمع بالعبث معه. فأشار بإصبعه نحوه قائلاً: رامز! فضحك رامز قائلاً: هي زهرة جت من مصر ولا إيه؟ ليتنهد شريف بشوق: لاء لسا.. هتحضر خطوبة صاحبتها وهترجع. فطالعه رامز بابتسامة.. لتردف إليهم جيداء وهي تهتف: مبروك على الصفقة الجديدة شريف. واقتربت منه بفخر كي تُقبله على إحدى وجنتيه.. فأوقفها بيده قائلاً: جيداء. ليضحك رامز على وضعها.. وقبل أن يُغادر هتف بها: لو كنتِ جيتي بوستيني مكنتش همانع صدقيني! ................................................................... أخبرتها الخادمة بأنه ينتظرها على الغداء.. فتهكمت من طلبه الغريب، فمنذ أن جاءت إليه لبنان وهم لا يلتقيان إلا ليوبخها.. فنظرت في المرآة بعدما انصرفت الخادمة فوجدت وجهها شاحب بشدة.. وتذكرت إصرار فارس أخيها عليها بأن تُكمل متابعة طبيبها النفسي.. فهي حقاً أصبحت تشعر بأنها ليست بعقلها... عقلها الذي خسرته في زيجتها التي جعلتها حطام امرأة.. لتشعر بالوجع وهي تتذكر صراخ مجدي بها دوماً وضربه لها عندما توفت طفلتها واتهامه لها دوماً بأنها السبب وأنها لا تصلح بأن تكون أماً والموت لها راحة لمن حولها.. فهبطت دموعها وقد ألمتها الذكريات. وتذكرت أمر حاتم.. وما يفعله معها من مهانة كا مجدي . وأزالت دموعها بشرود وهي تتذكر أن الوحيد الذي جعلها امرأة حقاً هو شريف.. فهمست بضعف: ياريتني ما سمعت كلام ماما ياشريف، ياريت كنت بنيت معاك حياتنا. وأطلقت تنهيدة حارة.. لتفتح باب حجرتها وتهبط إلى مُعذبها الآخر الذي ظنت فيه بأنه سينتشلها من بئر ضياعها. وعندما وصلت إلى حجرة الطعام الواسعة.. وجدت بجانبه امرأة فائقة الجمال، ترتدي ملابس تبرز تفاصيلها. فلاحظ حاتم نظراتها الباردة بطرف عينيه.. فمد يده يلامس وجه من تضحك وتتدلل عليه. لتشعر مريم بالغضب.. من فعلته فكأنه يتعمد إهانتها. وحاولت أن ترسم على وجهها البرود وأقتربت منهما بخطى بطيئة.. ليهتف بها حاتم بغضب بعدما تحولت ملامحه المبتسمة إلى ملامح قاتمة: ساعة عشان تتكرمي وتنزلي ياهانم؟ لتُطالعه مريم بصدمة، فهو يهينها أمام ضيفته.. لتقف الأخرى مُرحبة بها بوجه بشوش: إزيك يا مريم، أنا كارمن بنت خال حاتم. وعندما وجدتها مريم تمد يدها نحوها بلعت غصة إهانته.. ومدت هي الأخرى يدها وقد شعرت بالألفة تجاهها وأيضاً بالارتياح لمعرفة هويتها. فطالعها حاتم.. بنظرات جامدة وهو يراها تمد يدها بابتسامة صافية.. ليضم كارمن إليه بأحد ذراعيه قائلاً ببرود: وخطيبتي! لتقع الكلمة كالصاعقة عليها لتُطالعهم بصدمة.. فوجدت كارمن تخفض برأسها خجلاً وهي تبتسم له. ونظر إليها بغيظ وهو يراها جامدة أمامه حتى قال بجمود: مش هتقولنا مبروك يا مريم؟ فأحست بأن الكلام قد ضاع من لسانها.. وظلت تنظر إليهم في صمت.. إلى أن سقطت مغشياً عليها. ................................................................... شعرت جميلة بالسعادة وهي ترى قربه واهتمامه بها هذه الأيام.. ومعاملته التي جعلتها تعيد ثقتها بنفسها كأنثى. وهمست براحة داخل نفسها: آه ياهشام.. ملكتني، أنت إزاي كده؟ لتجد رسالة منه على هاتفها يُخبرها: أنا جعان وعايز حد يفتح نفسي على الأكل. لتُحرك رسالته شيئاً بداخلها وتبتسم وهي تبعث له برد: خلاص قول للحد اللي عايزه يفتح نفسك إنك جعان وعايزه يتغدى معاك. فبعث إليها برسالة جعلت دقات قلبها تتسارع: طب يلا ياللي اسمك حد تعالي افتحي نفسي.. لأني جعان موت. فابتسمت لا إرادياً عندما رأت رده. ليتبعه رد آخر: هستناكي بعد عشر دقايق قدام الشركة.. لتنهض هي غير مصدقة كل ما يحدث.. وظلت تدور حول المكتب تجمع أغراضها بفرحة.. كي تنطلق إليه، وتستمتع بقربه الطاغي الذي يأسرها. ................................................................... تقلب في فراشه وهو يشعر بأن شيئاً على صدره.. ليفتح عينيه.. ليجدها تتوسد صدره العاري وهي عارية تماماً. لينهض بفزع وهو يشعر بالدوار غير مصدق ذلك الوضع الذي هو فيه. وظل يفرك برأسه بقوة بسبب الصداع.. إلى أن وجدها تتثاءب وتفتح عينيها بابتسامة: صحيت حبيبي؟ فمد شريف بيده أرضاً كي يأخذ ملابسه الملقاة ليرتديها سريعاً ونهض قائلاً: جيداء أنتِ بتعملي إيه هنا، أنا مش فاكر حاجة؟ وتذكر أنها جاءت إليه ليلة أمس.. كي تريه بعض الأفكار في حملة الدعاية الخاصة بالصفقة الجديدة.. لترغب في احتساء القهوة وكاد أن ينهض كي يُضيفها طلبها، إلا أنه وجدها تقف أمامه تطلب منه أن تفعلها هي ويجلس هو كي يقرأ أفكارها ويرى الأماكن التي ستكون بها حملة الدعاية على حاسوبه ليختار الأفضل. وأفاق من شروده عندما وجدها تقف أمامه وهي تغطي جسدها بمفرش الفراش... وهمست أمامه بشغف: كانت أجمل ليلة عيشتها وأنا في حضنك شريف.... الــفــصــل الــتــاســع والــعشـــرون وضع رأسه بين راحتي كفيه لعله يعطي لعقله الراحة حتى لو قليلاً .. فيومان مروا على ما حدث وهو لا يُصدق بأنه خان زهرة، ليتذكر أحداث ذلك اليوم وكأنه يأبى التوقف. فعندما نهض من على الفراش بفزع بعد رؤيتهم هكذا .. ظل يدور كالتائه لتقترب هي منه تخبره عن ليلتهما التي لن تنساها يومًا .. وظلت تُعبر له عن حبها الذي دومًا كان يصده هو .. ووقفت تبكي أمامه تخبره يكفي أن يكون لها حتى لو عشيقة ليس أكثر ... ليدور عقله في تلك الحلقة المفرغة التي لا يشعر بأنه يتذكر فيها شيئًا .. فالقهوة بالتأكيد كان بها مخدر. فهو بعدها لم يشعر بوعيه. وظل ينظر إلى هذيانها واقترابها الشديد منه .. وطالعها بنظرات اشمئزاز لتعلو نبرة صوته بحدة فجأة : بره ، اطلعي بره. فلم تُصدق جيداء بأنه يصرخ بوجهها بتلك الطريقة ، بل يطردها من بيته .. وعندها وجدها تقف ساكنة تُطالعه بصدمة. فهي كانت تظن مشهدًا آخر .. مشهد ندم واعتراف بغلطته وعرضه عليها بالزواج، ولكن شريف كما هو لم يهتز .. ليتركها حائرة في أمرها .. ويخرج خارج الغرفة وهو يُطالع كل شيء حوله بأعين جامدة .. ليفيق من شروده على صوت رامز وهو يتساءل : متقوليش إن مفيش حاجة .. أنت بقالك يومين متغير يا شريف .. وبقيت عصبي ومش طايق نفسك. ثم تابع دون قصد : ده حتى جيداء محدش بقي يشوفها ، وسابت حملة الدعاية. لينهض شريف من فوق مقعده وهو يهتف بعصبية : ياريت تدور على موظفة غير جيداء يا رامز. ثم حمل سترته .. ليسير من جانبه دون كلمة أخرى. ليتعجب رامز أكثر من حال صديقه وعصبيته التي ازدادت. ................................................................... نظرت كارمن إلى حاتم الجالس أمامها .. وهي لا تُصدق الكذبة التي كذبوها على المسكينة الأخرى وهتفت بضيق : لاء يا حاتم أنا مش هقدر أكمل في التمثيلية ديه أكتر من كده ، أنت مش شايف حالتها .. حرام عليك. ليُطالعها حاتم بنظرات جامدة ، وهو يهتف بضيق : كارمن اسكتي خالص. فصمتت كارمن للحظات .. إلى أن هتفت قائلة برجاء : بلاش تعاقبها بالطريقة ديه .. صدقني هتكرهك. ليضحك هو متهكمًا : تكرهني! وهتف داخل نفسه : قلبها نسيته معاه ، آه يا مريم يارتني ما عرفتك ولا فضلتي جوه قلبي كده .. وعندئذ رفع وجهه ليجدها تردف إليهم قائلة بنظرة خاوية : شريف راح فين؟ ليُطالعها حاتم بجمود قائلاً : شريف بيلعب في الجنينة بره. فهتفت بخوف قائلة : مش موجود ، الخدم قالولي مش قاعد. ابني راح فين يا حاتم؟ ليشعر حاتم بالفزع .. ووقف يُطالعها بقلق إلى أن هتف بعلو بالخدم قائلاً : أنتوا يا أغبية! أما كارمن فوقفت تنظر إليها بأسى وهي تشعر نحوها بالشفقة من أن يُصيب طفلها مكروه. ................................................................... أردفت إلى مكتبه بابتسامة واسعة .. ليرفع هو وجهه من على الأوراق بعدما استجمع قواه لتلك المشاعر التي يكرهها معها. ووقف هو الآخر بابتسامة جعلت قلبها يزداد خفقانًا .. فكل هذه المشاعر والرجولة الطاغية لم تعشها يومًا حتى مع حازم .. فهشام لديه قدرة غريبة أن يجعل أي امرأة تقع في هواه. واقترب منها ليمسك أحد يديها قائلاً بهدوء : إيدك عاملة إيه النهارده يا جميلة؟ لتتفاجأ جميلة من فعلته تلك.. وتساءلت داخلها عن سبب معرفته بحرق يدها .. ليفهم هو ذلك .. وتابع حديثه بعدما ترك يدها : سمعت زهرة النهارده الصبح وهي بتحكي لماما. لتبتسم جميلة بهدوء ، وهي تشكر زهرة بداخلها على أنها قصت ذلك لحماتها ليسمعه هو وتكون هذه النتيجة .. وتنحنحت حرجًا : حاجة بسيطة! فطالعها هو قليلاً ليهتف بحنان : ابقي خدي بالك بعد كده ، سلامتك حاجة مهمة أوي بالنسبالي. وغمز إليها بطرف عينيه .. لتسقط أكثر في بئر حبه. وأعطاها ظهره وهو يُغير معالم وجهه التي احتقنت من كثرة التمثيل. لتُطالعه جميلة متسائلة : هنتغدى مع بعض النهارده؟ ليلتف إليها ثانية وهو يرسم ابتسامته قائلاً : طبعًا. وتابع حديثه بجاذبية : ديه عادة خلاص اتعودت عليها .. وشكلي كده الله وأعلم هدمن وجودك ديمًا. لتتأمله جميلة باضطراب وهي تخبر نفسها : إيه الراجل الغريب ده ، يا لهوي مش معقول يكون موجود منه في مصر ... كان عنده حق يتقل عليا في الأول .. طبعًا التقل والدلع لي ناسه .. وضحكت على حالها وهي تُكمل : بس في النهاية وقع ومحدش سمى عليه. وعندما لاحظ صمتها .. هتف قائلاً : فستانك جميل أوي النهارده. فطالعت هي ما كانت ترتديه بسعادة فائقة ، وكادت أن تشكره على مدحه .. فوجدته يقترب منها وهو يُخرج من جيبه منديلًا وينظر إلى شفتيها المطلية بأحمر الشفاه .. ومدّ يده ليزيله عنها .. فشعر بارتجاف شفتيها. وابتسم بخبث إليها قائلاً : متحطيهوش تاني. ومال على أذنيها ليهمس بجرأة : بيخلي شفايفك حلوة أوي ، وعايزة تتأكل أكل. وبعد جملته الأخيرة ، وجدت نفسها تُطالعه بغرابة إلى أن استجمعت قواها وهمست بخفوت : ماشي. وتابعت حديثها : هروح أشوف شغلي بقي. فحرك رأسه إليها بموافقة ، لتنصرف من أمامه. وبعدما رحلت وتركته تنهد بضيق : شتان بينك وبين زهرة. وتابع ضيقه : مهمتي معاكي بقيت سهلة أوي يا جميلة .. أكيد كنتي بتعاني بنقص الاهتمام والمغازلة مع خطيبك عشان كده بتدوري على نقصك .. بس ده ميمنعش إنك تستاهلي الدرس اللي هعلمهولك وأخد حق زهرة وحازم خطيبك. وتذكر نهى التي لم يمر على وفاتها شيء .. ليهتف بندم : سامحيني يا نهى ..! ................................................................... أما هي فجلست في غرفتها تُدندن بسعادة وهي تُلامس شفتيها بأناملها .. متذكرة فعلته .. لتشعر بأنها معه كالطفلة الصغيرة التي لم يسبق لها تجارب .. ورغم أن حازم كان يفعل معها بعض الأشياء التي تثير عاطفتها .. ولكن شتان بين بعضهما .. فهشام في أسبوع واحد جعلها تطير عاليًا. حتى أنها عادت تنسى أمر وجود أختها هنا وبعدها عن زوجها .. فهدفها قد تحقق واقترب هو منها. لتفيق من حالميتها على صوت منة المتساءل : عينك ووشك بقوا يلمعوا من السعادة ، هو إيه اللي بيحصل بقالي أسبوع مش عارفة عنك حاجة؟ لتزفر جميلة بضيق متذكرة بأنها بغبائها جعلتها تعرف الكثير غير أنها انساقت ورائها في بعض الأشياء. فشعرت منة بضيقها وجلست على الكرسي المقابل لها.. وهتفت بها : أخبارك إيه معاه؟ لتفهم جميلة مقصدها ، فتنهض من على مقعدها قائلة بغضب : منة أنا مش فاضية ، وحاسبي على كلامك معايا. فضحكت منة وهي تراها هكذا ، فبالتأكيد جميلة حصلت على هدفها بمساعدة أختها الغبية .. واليوم تُريد إبعادها عنها كي تنعم بذلك الحب الذي تعلم مخططه. فحاولت جميلة أن تهدأ قليلًا وهتفت بهدوء : معلش يا منة مقصدش .. ضغط الشغل بقي وأنتي عارفة. ثم تابعت بفخر وهي تلامس جسدها المتناسق : محدش يقدر يقومني وأنتي عارفة كده. فابتسمت منة عندما وجدت صديقتها تعود إلى طباعها المتعجرفة التي ستقضي عليها يومًا. لتتساءل جميلة ببرود : مش ملاحظة إن وزنك عمال يزيد يا منة يا حبيبتي؟ فطالعتها منة بهدوء وهي معتادة على تلميحات جميلة لها دومًا بزيادة وزنها. وتلاشت حديثها وهمست بتساؤل: يبقي أكيد نجحتي في اللي كنتي عايزاه وبجدارة. ورغم أنها كانت تتمنى نفيها .. فهي قد أحبت هشام وتمنت لو يحبها ويعوض نقصها من تلك المشاعر التي لم تحظَ بها يومًا. لتبتسم إليها جميلة قائلة بحالمية : قولتلك محدش يقدر يقاومني! ................................................................... بعد يوم حافل من العمل تحت حرارة الشمس .. اصطحبها إلى أحد المولات القريبة من الموقع الذي ينشئون فيه مشروعهم الجديد .. لتجلس هي بتعب وتزيل نظارتها عن أعينها قائلة : الصيف جه بشمسه وعياله. ليضحك حازم على دعابتها .. قائلاً : أنا بقول الست مالهاش غير البيت ، بس نعمل إيه نتكلم تصدعونا بحقوق المرأة. خليكم تستاهلوا. لتبتسم فرحة على تغيره معها قائلة برفض : لاء طبعًا ، يعني بعد التعليم ده كله والمرمطة نقعد في البيت؟ فطالعها حازم بدعابة وهو يُشير إلى النادل : أطلبلك إيه يا لمضة! لتبتسم على ما قاله بسعادة ، وهتفت بحماس : آيس كريم. فنظر إليها بغرابة ، ثم التفت ليُطالع النادل قائلًا : قهوة وآيس كريم. وقبل أن يذهب النادل ليأتي إليهم بطلباتهم هتفت قائلة : بالمانجة والفراولة لو سمحت. ليبتسم إليها النادل ويرحل من أمامهم. ليُطالعها حازم ضاحكًا : كل يوم بكتشف فيكي حاجة جديدة يا فرحة. وتابع بتشجيع كي لا يجعلها تعود إلى ما كانت عليه : بس أنا مبسوط بيكي كده. فطالعته هي بامتنان ، فهو رغم احتياجه للدعم .. دعمها كثيرًا عندما أخبرته عن كل شيء بحياتها .. وابتسمت قائلة : بس أنا مش مبسوطة وأنت كده يا حازم. وتابعت برجاء : انسى بقي! ليتأملها حازم بهدوء .. ثم وقعت عيناه على جميلة وهي تردف مع هشام الذي يعلم بهويته وعلى وجهها السعادة. لتُطالع فرحة نظراته التي تغيرت سريعًا .. ونظرت إلى ما يُطالعه .. فأشفقت عليه وهي تهمس بدفء : لو حابب نمشي معنديش مشكلة. ليلتف إليها حازم بغضب قائلًا : لاء هنقعد يا فرحة. ................................................................... استمعت إلى حماتها وهي تخبرها بأنها هنا .. وكادت أن تُنادي عليها .. إلا أن وجدتها تتساءل : خلاص خلاص ، مالك اتعصبت كده .. مش هنادي على زهرة تكلمها. ثم تابعت حديثها : أنت زعلان معاها ولا إيه .. لتجد حماتها تُتمتم بدعاء : ربنا يعينك يا حبيبي ، ابقي كلمها على موبايلها بقي. وأغلقت حماتها الهاتف .. لتُكمل قراءة وردها اليومي. فأردفت إليها زهرة وعلى وجهها علامات الحزن مما سمعت .. فهو أصبح متقلب المزاج لا يحادثها إلا دقيقة واحدة فقط بعد إلحاحها هي في الاتصال عليه. حتى عندما أخبرته أنها تُريد العودة وأن يحجز لها تذكرة الطائرة أخبرها بأن تظل كما كانت ترغب من قبل ... فهو أصبح مشغول ولا يعود للمنزل إلا قليلًا. ووضعت أكواب الشاي على المنضدة بتنهد لتُطالعها حماتها بحب قائلة : تعبتي نفسك ليه يا بنتي ، ما فتحية موجودة. لتبتسم إليها زهرة بصعوبة وهي تُحاول أن تُداري حزنها .. قائلة : تعبك راحة يا ماما. وكادت أن تذهب زهرة من أمامها كي تتركها تقرأ وردها. إلا أنها وجدتها تغلق المصحف مصدقة .. قائلة بدفء : أكيد سمعتي كلامي مع شريف. ثم ابتسمت بهدوء : يا عبيطة هو قالي إنه مش عايز يكلمك دلوقتي لأنه مش هيعرف يتكلم معاكي .. فقالي يا ماما هبقى أتصل بيها بليل. فطالعتها زهرة دون تصديق .. لتضع حماتها يدها على ذراعها قائلة بدفء : متخليش الشيطان يصورلك حاجات تخرب البيت .. روحي اتوضي وتعالي نقرأ قرآن سوا يا بنتي. فتأملتها زهرة بابتسامة صادقة ورغم أنها تعلم كذب حماتها إلا أن حديثها قد أراحها .. فنهضت كي تفعل ما طلبته منها .. لتُطالعها بابتسامة حنونة : ربنا يصلحلك الحال ويهديكي يا مرات ابني. ................................................................... رفعت جميلة وجهها عن طعامها بعدما سمعت صوت حازم بالقرب منها .. لتجده يقف وبجانبه تلك الفتاة التي تعمل معه. ثم وجدت حازم يُعرف نفسه لهشام : أنا حازم ابن خالة جميلة ، أظن إننا اتعرفنا قبل كده. ليقف هشام بدوره وهو يتذكر رؤيته عندما جاء ليُعزيه في زوجته ، غير مقابلته له في بعض الأحيان عندما كان يأتي إلى فارس في شركته .. ومدّ يده قائلًا بترحيب : أهلًا يا بشمهندس. فطالعت جميلة حازم وظنت أنه سيكمل باقي تعريفه عن نفسه .. ويخبره بأنها كانت خطيبته وكان معقود عقد قرانهم أيضًا. ولكن لم يتفوه حازم بشيء آخر سوى نظراته إليهم ... ورغم أن هشام يعرف حكايتهم من فارس عندما قرر أن يتلاعب بها ويُعلمها درسًا لن تنساه يومًا. فظل الصمت بينهم للحظات.. إلى أن تنهد قائلاً : اتفضلوا اقعدوا معانا! ليبتسم حازم وهو يمسك بيد فرحة قائلًا : معلش اتأخرنا. ثم تابع حديثه وهو مسلط أنظاره على جميلة وهي ترتشف من كأس الماء الذي أمامها بعد أن جف حلقها : آه نسيت أعرفكم ، البشمهندسة فرحة خطيبتي. لتصعق فرحة مما قاله .. وطالعتها جميلة بنظرات جامدة غير مصدقة بما تفوه به حازم .. فابتسم إليهم هشام مهنئًا : مبروك يا بشمهندس! ................................................................. جلست جميلة بإرهاق أمام والدتها لتُخبرها ضاحكة : ابن أختك بيقول إنه خطب .. عايز يغيظني بس على مين؟ لتنظر إليها والدتها قائلة : حازم خطب ، مين وأمتى؟ وازاي ميقوليش؟ لتُطالع جميلة والدتها ببرود : ديه لعبة عشان يقولي إنه نسيني .. بس أنا هفضل جوه وعمره ما هينساني. فرفعت والدتها وجهها نحوها متهكمة من حديثها : بيتهيألك يا بنت بطني ، بكره ينساكي ويعيش حياتك. أما أنتي .. وتذكرت ما فعلته وتركها لحب عمرها وأنها أصبحت مطلقة. وتابعت : هتفضلي قاعدة كده ، وبكرة أفكرك. لتنهض جميلة من أمامها قائلة بضيق وهي تتذكر هشام ونظراته الراغبة بها : بكرة تشوفي. وانصرفت من أمامها وهي تُتمتم بغضب على حديث والدتها. لتضرب والدتها بيدها على فخذيها قائلة بندم : ده آخرة دلعي فيكي ، ومدحي ليكي وأنا محسساكي إن مفيش زيك. وهتفت بتعب : ربنا يهديكي يا بنتي! ................................................................... أردف إلى حجرة طفلته بإرهاق .. ليجدها تضعها على فراشها بعد أن غفت .. فتمتم بخفوت كي تشعر بوجوده. قائلًا : نامت! لتلتف إليه زهرة بفزع قائلة وهي تخفض برأسها أرضًا : أخدت رضعتها ونامت. ليبتسم إليها هشام قائلًا : زهرة بلاش خوفك ده مني .. فتلاشت زهرة حديثه وكادت أن تخرج إلا أنه تساءل : غريبة يعني بقيتي تقعدي هنا. فنظرت إليه في صمت ... فمنذ يومين قد جاءت لتمكث في شقتها .. فتجلس مع حماتها طيلة النهار ثم تصعد شقتها على النوم .. وتذكرت غضبها من حالها عندما استجابت لرغبة أختها في عدم سفرها مع زوجها الذي أصبح متغيرًا معها ولا تعلم السبب .. ونظرات جميلة السعيدة لما وصلت إليه مع هشام بعد أن ضاعت سعادتها هي وانطفأت. حتى أنها جرحتها بكلامها وهي تُخبرها ضاحكة بعدما علمت بأن شريف متغير معها : أكيد ندم على غلطة عمره في جوزته منك. وتابعت متهكمة : سافري لجوزك لأحسن يضيع منك وتيجي في الآخر تقوليلي أنا السبب .. أصلي عارفاكي هبلة وعبيطة. لتفيق زهرة على طرقعة أصابعه أمامها. قائلًا بتنهد : إيه يا زهرة ، سرحتي في إيه؟ لترفع وجهها إليه قائلة بألم : ممكن تساعدني يا هشام ، أرجوك. ليُطالعها هشام قليلًا وقد شعر بحزنها قائلًا بقلق : خير يا زهرة ، في إيه قوليلي. لتخفض بوجهها ثانية قائلة : احجزلي على فرنسا عايزة أسافر لشريف. ليشعر هو بوجود خطب ما ولكنه فضل الصمت قائلًا بتساؤل : طب ما تقولي لشريف .. لتهتف به بوجع : معلش احجزلي أنت ، عايزة أعملهاله مفاجأة. فطالعها بشك : حاضر يا زهرة. لتُطالعه هي بابتسامة صادقة : شكرًا يا هشام .. وكادت أن تنصرف .. فوقفت قائلة برجاء : أوعى تقول لشريف على طلبي أرجوك. ليبتسم إليها محركًا رأسه بالموافقة .. لتنصرف هي من أمامه. فيشعر بالحزن عليها وعلى نفسه عندما فقد زوجة مثلها ولكن أخيه يستحقها .. وبالتأكيد يوجد أمر ما سيعرفه منه. ليعلو صوت هاتف ليس بهاتفه .. فينظر إلى الهاتف الملقى بجانب صغيرته التي تلملمت قليلًا من غفوتها على أثر صوته. ليأخذ الهاتف سريعًا ليُدرك هوية صاحبته .. ليُضئ الهاتف ثانية برسالة أخرى .. فيأخذه الفضول ليفتحه ناظرًا إلى ما بعث ... فيشهق بصدمة وهو لا يُصدق ما تراه عيناه ..... الــفــصــل الــثـلاثــون لم تصدق عيناه ما تراه .. فوقف يُطالع إحدى الصور وواحدة تحتضنه وأخوه يبدو عليه أنه مُرغم على ذلك .. فتشبث يديها به لا يدل سوى على ذلك .. ولكن الصدمة الأكبر هي مقطع الفيديو الذي لم يستوعبه حتى الآن .. فأخوه يقف عاري الصدر وهي تُداعب صدره بأناملها حتى اقتربت من شفتيه .. لينتهي مقطع الفيديو عند ذلك .. فظل يدور حول نفسه وهو يفرك في فروة رأسه مُتأكداً بأن أخاه لا يفعل هذا أبداً ليرفع الهاتف إليه ثانية وينظر إلى الرقم الذي بُعث من ما يرغب به صاحبه ليجده رقماً فرنسياً ليعلم بأنها مكيدة تلك المرأة التي على ما يبدو تُريد أخاه وبشدة .. ليتذكر أمر زهرة وما سيحدث إذا علمت بذلك .. فبالتأكيد لن تتفهم بأن ذلك لم يحدث فالنساء بطبيعتهن ينظرن للأمور دون تفكير .. وفكر سريعاً بأن يزيل كل شيء من على هاتفها ويُهاتف شريف ليفهم منه الأمر.. وعندما ضغط على زر الإزالة وجدها تردف إلى الحجرة ثانية قائلة بتساؤل: هو تليفوني .. وقبل أن تُكمل باقي عباراتها وجدت الهاتف في يده .. لترى نظراتها .. فيمد يده بالهاتف قائلاً بجمود: لسا واخد بالي منه دلوقتي ، وكنت هبعتهولك مع فتحية لتتفهم زهرة الأمر سريعاً ، واقتربت لتأخذه منه وهي تُتمتم: شكراً وذهبت تحت نظراته .. ليقف هو كالشارد وهو يتساءل: طب لو شريف طلع عمل كده فعلاً ، وخان زهرة وظل عقله يدور بين براءة أخيه وبين تصديق شيطانه ليخرج من غرفة صغيرته سريعاً .. ويمسك بالهاتف وهو يتمنى أن ينفي شريف كل ذلك وبعد عدة محاولات في مُهاتفته .. رد شريف أخيراً وهو يُتمتم بجمود: أيوه ياهشام ليشعر هشام بصوت أخيه المُتغير .. ليتنهد قليلاً ثم بدأ يقص عليه كل ما حدث وما بُعث لزهرة ليأتيه صوت شريف القلق: وزهرة شافت حاجة؟ ليخبره هشام بأنه الذي رأى ذلك .. لأن زهرة قد نسيت هاتفها بجانب صغيرته قبل أن تذهب لشقتها ثم سمع تنهيدات أخيه المضطربة وكأنه يُسارع أمراً ما .. ليتساءل هشام بقلق: شريف أوعى تكون عملت كده ليهتف به شريف قائلاً: مش عارف ياهشام ليعلو صوت هشام وهو يؤنبه: يعني اللي شوفته ده حقيقي؟ ليُتمتم شريف قائلاً: أنا هحكيلك كل حاجة ياهشام وبعدما سرد عليه كل شيء .. تنفس هشام مُطمئناً ليتحدث بقوة: جيداء ديه خبيثة ، وأكيد القهوة كان فيها مخدر .. أنت لازم تفتكر كل حاجة ياشريف ليهتف به شريف بضعف وهو يُتمتم: حاولت بس مش قادر أربط حاجة ببعضها فتنهد هشام قائلاً: الحمدلله أن زهرة مشفتش حاجة لحد ما أنت تتصرف مع الزبالة اللي عندك ثم تابع حديثه ليخبره عن طلب زهرة: زهرة طلبت مني أحجزلها عشان تجيلك ، شكلها حاسة بتغيرك ليظفر شريف أنفاسه وهو يتنهد بإرهاق: لاء ياهشام .. زهرة مينفعش تيجي غير لما أنهي موضوع جيداء وأفهم منها كل حاجة .. أنا متأكد أني مخنتش زهرة بس برضوه خايف لأكون.. وقبل أن يُكمل باقي عباراته تنهد هشام قائلاً: أنا واثق أنها لعبة يا شريف .. متقلقش ثم تابع مازحاً: بقي الحقيرة ديه قدرت تخدع شريف ، صحيح مبيقعش غير الشاطر فابتسم من مزحة أخيه .. ليهتف به قائلاً: متحجزش لزهرة حاجة مفهوم ، لحد ما أنا أقولك وأنهي الاتصال سريعاً.. ليشعر بالدماء تتدفق في رأسه ليجد نفسه يأخذ مفاتيح سيارته ويذهب إلى تلك الحقيرة متوعداً لها .................................................................. وقفت أمامه وهي تظفر باضطراب كلما تذكرت ما فعله أمس .. وعدم رده عليها عندما طلبت منه تفسيراً على فعلته .. ولكن اليوم قررت أن تفهم لما فعل ذلك ووضعها في موقف كهذا وعلا صوتها أخيراً عندما لم تجد أي رد فعل قد بادر به: ممكن أفهم أنت ليه عملت كده ، وليه مرضتش تفسر ليا حاجة أمبارح؟ وتابعت دون أن تعطي رئتيها الهواء الكافي: أنت فاكرني إيه؟ ليقترب منها حازم بهدوء وهو يبتسم ابتسامة واسعة قائلاً: عايزة تفهمي إيه؟ ثم أكمل بجدية: آه نسيت عشان قولت أنك خطيبتي طب ما أنتي خطيبتي فعلاً يا فرحة لتلمع عين فرحة بالغضب بسبب بروده .. لتهتف به صارخة: خطيبة مين يا بشمهندس .. إيه الجنان ده؟ ليهمس حازم بالقرب منها قائلاً بهدوء لم تره فيه من قبل: أنا كلمت فارس يحددلي ميعاد مع والدك .. ورغم سعادتها بما تسمعه منه ، تبدلت ملامحها وهي تتذكر أنه لم يُقرر ذلك إلا عندما رأى جميلة مع رجل آخر لتهتف به قبل أن تُغادر مكتبه: وأنا هرفض وكادت أن تنصرف من أمامه ، إلا أنها وجدته يجذبها من أحد ذراعيها .. فطالعته بنظرات غاضبة على فعلته .. ليترك ذراعها مُتمتماً باعتذار: آسف ثم تنهد قائلاً وهو يُطالع عينيها: عايز أخطبك مش انتقام من جميلة ولا حاجة يا فرحة ، عايزك لأني تعبت .. لأني محتاج حبك .. أنا عارف أنك بتحبيني .. أوعي تسبيني يا فرحة لتسقط دموعها وهي تستمع لكلماته لتجده يمدّ بأنامله الدافئة ليزيلها .. ليهمس بضعف قائلاً: إمبارح سيبتك من غير ما أفسر فعلتي كنت عايز أهرب منك بأي شكل .. عشان أسأل نفسي أنا ليه عملت كده وعندما وجد دموعها تنهمر أكثر تنفس بهدوء قائلاً: لقيت نفسي شايف لحظاتنا القليلة سوا ، شوفت ضحكتك وخوفك عليا .. شوفت أنك العوض .. شوفت أن حياتي متنفعش تكمل من غيرك .. شوفت أني فعلاً عايزك .. عشان أكمل باقي عمري معاكي وهمس بدفء قاتل عندما وجدها صامتة: بحتاجك وبتحتاجيني ! ................................................................... نظر إلى وجهها الشاحب بصدمة .. فوجد أسفل عينيها كدمة زرقاء .. ليسألها بلهفة: مالك يا جيداء .. إيه اللي حصلك؟ لتسير جيداء من أمامه ببطء وهي تتذكر صفعة شريف القوية لها وهو لا يُصدق بأنها فعلت ذلك .. لتهبط دموعها عندما أخبرها: " حتى لو أنا وزهرة انفصلنا ، عمرك ما هتكوني في حياتي حتى لو كنتِ آخر ست في الدنيا " وبصق عليها باحتقار وهو يُتمتم قبل أن يُغادر منزلها بعدما جاء كالعاصفة بعد فعلتها المشينة: أنهيتي كل حاجة بينا يا جيداء .. حتى لو كانت حصلت بينا علاقة " لتجلس بفتور على أحد الأرائك .. ورامز يُطالعها بصدمة قائلاً بضيق وهو يجلس بجانبها: نفسي أعرف إيه اللي حصلكم ، أنتي وشريف مالك؟ ليرن اسمه في أذنها فتعلم بأن شريف لم يقص له شيئاً .. فأرتمت بين ذراعيه وهي تُتمتم بخفوت: مكنتش أعرف أنه هيكرهني كده .. أنا كنت بحبه ! ................................................................... لمعت عيناها بالدموع وهي تستمع لصوته .. ليشعر هو بدموعها قائلاً بخفوت: بتعيطي ليه دلوقتي يا زهرة؟ فوضعت يدها كي تمنع صوت شهقاتها من أن تصل إليه .. ليظفر هو بضيق قائلاً: ردي عليا يا زهرة ليخرج صوتها بصعوبة فتخبره برجاء: أنت زعلان مني في حاجة يا شريف؟ ليتنهد هو بثقل ، مُتذكراً أنه يحزن من نفسه بسبب ما حدث .. وهتف بها بهدوء: طب قوليلي هزعل منك ليه ، أنتي زعلتيني في حاجة؟ لتهمس قائلة: عشان مسافرتش معاك ، وسيبتك لوحدك ليبتسم رغماً عنه .. وهو لا يُصدق أنه من الممكن أن يخسرها بسبب فعل لم يتذكر منه شيئاً .. وتنهد بحنان قائلاً: زهرة يا حبيبتي أنا بس مشغول الأيام ديه مش أكتر .. وعندما سمع تنهيداتها .. تابع حديثه بحب: بحبك يا مجنونة ليتراقص قلبها بسعادة وهتفت بحماس: وأنا كمان بحبك أوي يا شريف ، أنت أحلى حاجة حصلتلي في حياتي ليبتلع تلك الغصة المريرة في حلقه وهو يستمع إلى نبرتها الصادقة في حبها إليه .. مُتذكراً لو كانت رأت هي ما رآه أخوه .. وتنهد قائلاً قبل أن يفتك الصداع برأسه: هقفل بقي عشان عندي اجتماع مهم وبعد إغلاق الخط معها جلس على كرسي مكتبه بفتور .. وهو يحاول أن يستجمع أي شيء حدث في تلك الليلة كي يستطيع تبرئة نفسه كما برأه أخوه .. ليظل يضغط على رأسه إلى أن وجد رامز يردف إليه بضيق قائلاً: أنت إيه اللي حصل بينك وبين جيداء يا شريف؟ ليرفع شريف وجهه إليه .. وهو يُتمتم: اقعد يا رامز ليقترب رامز منه ونظراته مُسلطة عليها .. ليتنهد شريف قائلاً: محتاج مساعدتك يا رامز .. عايز أتأكد من حاجة ................................................................... أصبح يزيد من جرعة اهتمامه بها لأكثر حد ممكن .. وكلما زاد اهتمامه وجدها تخضع إليه أكثر .. فشعر بأنه أمام أتفه امرأة من الممكن أن يراها .. ليجدها تهمس بتساؤل بعدما ارتشفت فنجان قهوتها: مش هتقولي مالك بقي؟ ليظفر هشام بهدوء قائلاً: خايف على نهى أوي لتجد بأن الفرصة قد جاءت إليها .. لتضع بكفها على كفه وهي تبتسم قائلة: اتجوز يا هشام .. وبكده هترتاح فطالعها ضاحكاً: اتجوز ... أنتي فاكرة لما اتجوز بنتي هتلاقي يعني الأم اللي تحتويها .. ما أنتي عارفة يا جميلة يعني إيه مرات أب! لتهتف به جميلة قائلة بلهفة: مش كل الستات زي بعضهم صدقني فلمعت عيناه بمكر.. وتنهد قائلاً: أممممم عندك عروسة ولا إيه؟ لتُطالعه جميلة بخجل مصطنع .. ليضحك هو على أفعالها تلك داخله .. إلا أن همست بهدوء قائلة: لو عايز ممكن أرشحلك حد أكيد ليمد بكفه نحو وجهها فيلامسه .. لتغمض عيناها هي أما هو فظل ينظر إليها بقرف منها ومن نفسه .. وتنهد قائلاً بعدما أبعد يده عن وجهها: أنتي كل يوم بتحلوي كده ليه؟ لتُطالعه جميلة بلهفة وقلبها يتراقص .. فبفترة قصيرة جعلها لا تشعر بشيء سوى حبه .. وتنهدت قائلة دون وعي: أنت إزاي كده؟ ليرفع هشام أحد حاجبيه وحاول أن يظهر لها بأنه لم يفهم مقصدها .. ليجدها تُكمل باقي عباراتها: تعرف أني عمري ما ظنيت أن في راجل ممكن يقدر يبهرني وأضعف قدامه! لتعلو ضحكته التي زادتها جنوناً وهتف بها قائلاً بفخر: إلا أنا وبكرة تعرفي يا حياتي لتبتسم إليه وهي تُكرر على مسمعها كلمة "حياتي" فلم تصدق بأنها أصبحت حياته .. وأنها تعيش تلك اللحظات ................................................................... نظرت إليه بأسف بعدما دخلت إليه مكتبه .. وتمتمت باعتذار: أنا آسفة ، مكنتش أقصد الكلام اللي قولته ليك بس أنا كنت خايفة على ابني أوي ليُطالعها حاتم بجمود وهو يتذكر إهانتها له وأنه هو من تسبب بفقد ابنها لأنه ليس بابنه وأنهم يكرهونه .. ووقف يقترب منها وهو يتفحصها .. فلأول مرة يجدها حزينة وضعيفة .. وتنهد قائلاً: هو حصل حاجة عشان تعتذري يا مريم ، ما أنا إنسان وحش وبكرهكم وجايبكم هنا عشان أموتكم وأخلص منكم وظهرت على وجهه ابتسامة ساخرة وهو يتذكر أين وجدوا الطفل .. فهو كان يبحث عن دميته أسفل فراشه في غرفته بعد أن ترك مربيته في حديقة الفيلا لتشعر مريم بالخجل وهي تتذكر ما حدث منذ ثلاثة أيام .. وكنت تود أن تعتذر إليه في الوقت نفسه لكنها علمت بسفره وتحدثت بخفوت: ماكانتش أقصد صدقني ، أنا عارفة أنك بتعتبر شريف زي ابنك .. بس ليقترب منها حاتم أكثر ويمسك ذراعيها بيديه بقوة ليهزها قائلاً بغضب: هنفضل كده لحد أمتى .. ها قوليلي وعندما وجدها تبكي بصمت تابع بقسوة: يوم ما أقرر أخرج من إطار حياتي الغامض وأتجوزك .. تبقى هي ديه النتيجة وأكمل وهو يحرر ذراعيها: زوجة شايفة نفسها اتغصبت على جوازة ... زوجة قلبها مع حبيبها الأولاني زوجة يوم ما وافقت أنها تتجوز تاني .. كان بسبب أنها فقدت آخر أمل لرجوعها لحبيبها أنت إيه نفسي أفهم؟ مريضة .. بتضيعي كل اللي في إيدك عشان أنانيتك لتهبط دموعها وهي تسمع صدى جملته بأنها مريضة .. فهي حقاً مريضة بداء الوهم .. مريضة بداء الافتقاد مريضة بداء كره كل من حولها ليجدها تسقط أرضاً وهي تضع يدها على أذنيها لتخبره بصراخ: هو الوحيد فيكم اللي حبني .. إنما أنتوا انتقمتوا مني وخليتوني زيكم .. أنا معرفش يعني إيه حب غير علاقة جسد وبس لتتذكر ما كان يفعله معها مجدي .. وضربه إياها عندما لا يجد منها رغبة وتجاوب يرضيه ليشعر حاتم بها لأول مرة .. فسقط بجانبها وهو يرى انهيارها قائلاً بخفوت: يمكن رغبتي فيكي كانت أقوى من حبي ليكي .. بس أنتي اللي اخترتي تشوفي أسوأ صورة لحاتم الصاوي يا مريم .. وكاد أن ينهض ويتركها .. إلا أنه وجدها تتمسك بذراعه .. ليسمعها تهمس بضعف: خدني في حضنك وحبني حتى لو شفقة يا حاتم! ................................................................... وقف أمامها وهو يحمل أحد أنواع الخمور وهو يهتف بها: قولت أجي أسهر معاكي شوية لتبتسم إليه جيداء قائلة: أنا كنت خارجة أسهر .. ليدخل رامز خلفها قائلاً: خليني نسهر سوا هنا لتلتف إليه وهي تتساءل: شريف جاي طيب؟ ليحرك رأسه بأسف قائلاً: انسى شريف يا جيداء .. لأنه مبقاش حابب يعرفك ولا يسمع اسمك وتابع حديثه بمكر: أنا هموت وأعرف إيه اللي حصل بينكم ووصل علاقتكم ببعض كده .. لتُطالعه جيداء قليلاً ، ثم حركت رأسها بنفي: مافيش يا رامز وسحبت منه زجاجة الخمر .. لتجلب الكؤوس لتأتي وتجلس في مكانها المفضل .. ليتبعها رامز قائلاً: مدام مش حابة تتكلمي خلاص وبدأت تشرب بمهل .. ورامز يضع لها بكأس وراء كأس إلى أن أصبحت تهذي بكلمات غير مفهومة ليهتف رامز بها قائلاً بخبث: على فكرة زهرة رجعت ، وكنت بفكر أعمل حفلة وأعزمها هي وشريف وأه أصلحكم على بعض ليجدها تبتلع محتوى الكأس دفعة واحدة مُتسائلة: رجعت؟ وتابعت بسكر: إزاي ، هي مشفتش اللي أنا بعتهولها؟ وظلت تترنح قليلاً وهي تهمس: أكيد مصدقتش لعبتي ليقترب منها رامز ليهزها بذراعيه قائلاً: لعبة إيه مش فاهم ، وإيه اللي بعتهوله؟ لتضحك جيداء وهي تقص عليه ما فعلته مع شريف ووضعها للمخدر في القهوة .. ثم سحبها إليه لغرفة النوم بعد أن انسكبت قهوتها على قميصه .. ليخلع هو قميصه بترنح وظل يبحث عما يرتديه وهو يعطيها ظهره لتضع هي الكاميرا سريعاً في الغرفة التي أعدت ضبطها مسبقاً .. قبل أن ينتبه لشيء وتبدأ في إغوائه قليلاً.. ليدفعها بعيداً عنه وهو يُتمتم باسم زهرة إلى أن سقط على الفراش غافياً لتشعر بالغضب منه .. وتذهب للكاميرا فتجد ذلك المقطع الذي أصبح فقط في صالحها إلا أن أكملت باقي خطتها ليقف رامز مُتطلعاً إليها بقرف .. بعد أن استمع منها لكل شيء وهي لا تشعر بسبب سكرها فرفعت إليه وجهها وهي تبتسم قائلة: كنت فاكرة هقدر أضحك على شريف وعلى الهبلة مراته ليبصق عليها رامز وهو يُتمتم قبل أن ينصرف: عنده حق ميطقكيش ولا يطيق يبص في وشك حتى ثم تركها وانصرف وهو يندم على وقوفه دوماً بجانبها وأخرج هاتفه ليبعث لصديقه تسجيل هذيانها ... ................................................................ جلست منه أمامه بتوتر وهي لا تعرف بما ستبدأ هل ستقول له بأنها شعرت تجاهه بشيء مختلف؟ أم ستقول عن أفعال صديقتها وسبب قربها منه ليرتشف هشام من فنجان قهوته قليلاً .. ليُطالعها وهو يرى تبدل حالها ووجهها الشاحب قائلاً بهدوء: خير يا بشمهندسة منه ، إيه الأمر الضروري اللي صممتي تكلميني فيه لاء وبره الشركة كمان؟ لترفع منها وجهها إليه .. وهي لا تعلم لما وجوده طاغٍ هكذا وتنهدت قائلة: قبل ما هقولك عن كل حاجة ، اعرف أني والله ندمانة بس هي السبب .. هي اللي وصلتني لكده ورغم أنه لم يفهم شيئاً مما تفوهت به .. فضل الصمت قليلاً ليستمع إلى ما ستقصه عليه وبعد أن أنهت حكايتها مع جميلة وسبب قربها منه .. نظر إليها هشام ببرود: أمممم وتفتكري أنتي كده مطلعتيش أحقر منها؟ لتدمع عين منه بندم وهي تهمس: كثر الكسر بيعلم الجبروت وعندما وجدت نظراته الباردة تتعمق فيها أكثر ، أدركت بأن ذلك الرجل الذي عرفته يوم أن أعطاها المنديل لتمسح دموعها وتعاطف معها .. غير ذلك الجالس أمامها بكل برود فنهضت من فوق مقعدها قائلة: أنا يمكن في الأول كنت عايزة أدمر جميلة .. بس اكتشفت أني بدمر نفسي معاها أكتر وبنتقم من نفسي .. على العموم انسى كلامي وحاول تصلح من جميلة واديها فرصة يمكن تلاقي منها إنسانة تانية أنظف ... وأعطته ظهرها وهي تتذكر صدمتها في موت إحدى صديقاتها اللاتي كن يشبهنها .. لتشرد في لحظة ذهابها إليها المشفى .. لتجدها تحتضر ولكن قبل أن تُفارق الحياة أخبرتها: " نفسي في فرصة واحدة .. أقوم أصلي فيها وأصلح كل أخطائي وأقرب من ربنا يا منه ، شماعة غلطات أهلنا علقناها على حياتنا ونقمنا عليها .. ومحدش طلع خسران غيرنا " لتهبط دموعها وهي تخرج من ذلك المطعم ... مُقررة داخل نفسها بأن تترك البلد وترحل إلى بلد أخرى لا يعرفها أحد فيها وتبدأ من جديد ولكن يوجد أخرى لا بد أن تعتذر منها قبل أن ترحل ................................................................. جلست تُطالع صديقتها بسعادة وهي تراها تتبطأ في ذراع خطيبها .. فابتسمت بحب داعية إليها بالفرح دوماً ونهضت من مقعدها .. كي تسير نحوها تُهنئها زهرة: مبرووك يا ريم ، ربنا يسعدك يا حبيبتي لتُطالعها ريم بسعادة قائلة وهي تشير لبطنها: عملتي اختبار الحمل ولا لسا؟ لتضحك زهرة قائلة: يا بنتي .. أنتي في إيه ولا إيه دلوقتي؟ خليكي ف اللي أنتي فيه لتُطالع الأخرى خطيبها الذي انشغل في مباركة أصدقائه وهمست: خلاص هسيبك النهاردة ، بس اعملي حسابك أن مش هسيبك غير لما نتأكد .. عايزين نفرح بقي ويجيلنا نونو نلعب بيه لتضع زهرة يدها على فمها قائلة: اسكتي فضحتيني خلاص ومالت عليها لتحتضنها قائلة بحب: ربنا يسعدك يا ريم ، وميحرمنيش منك أبداً وهبطت دمعة من عينيها وهي تتذكر معاملة أختها لها .. ومعاملة صديقتها التي دوماً تنصحها ................................................................ نظرت جميلة إلى هاتفها بتأفف وهي ترى منه تُهاتفها لتفتح الخط قائلة بضيق ونفاد صبر: بصي يا منه احنا لازم ننهي صداقتنا ... بصراحة صداقتنا مبقتش تشرفني لتنصدم منه من حديثها فهي حتى لم تسأل عنها خلال الأيام الماضية التي غابت فيها عن الشركة .. وعندما قررت أن تعتذر إليها عما فعلته بها قبل أن ترحل كانت هذه هي الإجابة عليها فتنهدت منه قائلة بانكسار: حاضر يا جميلة ................................................................... خرجت من القاعة التي تُقام فيها خُطبة صديقتها .. لتجده ينتظرها بجانب السيارة ورغم أنها بدأت تتعامل معه بأنه أخو زوجها ومثل أخيها .. إلا أنها تشعر أحياناً بالنفور منه ليبتسم إليها هشام قائلاً: أوامر جوزك يا ستي فابتسمت زهرة عندما تذكرت من يدق قلبها بعنف عند ذكر اسمه .. لتركب معه السيارة كي يوصلها إلى بيت أهلها وبعد صمت طال للحظات وجدته يُخبرها: أنا عارف يا زهرة أن بقالك أسبوع مستنية أحجزلك تذكرة الطيارة بس كنت مشغول شوية ونسيت فتنهدت زهرة وهتفت بحسن نية: ولا يهمك ليبتسم إليها وهو يشعر بالضيق من نفسه لكذبه عليها .. فهو لم ينسَ ولم يكن مشغولاً .. وهذا كله كان بسبب طلب أخيه منه حتى يحل مشكلته التي قد انتهت وسلط أنظاره على الطريق قبل أن يُخبرها: طيارتك بعد يومين ، سافري لجوزك بقي فالتفتت إليه بسعادة وهي لا تصدق بأنها ستُسافر إليه وتذكرت أمر جميلة أختها لتهتف به قائلة: أنت إزاي لحقت تنسى مراتك وتحب جميلة بالسرعة ديه... ! الــفــصــل الــواحــد والــثــلاثــون أشعل سؤالها حصونه التي حاول ترميمها من أجل حمايتها وتعويضها عما فعله بها قديماً .. فلا أحد يعلم بما أصبح يشعر به سواه، فبعد وفاة زوجته تحطم جزء كبير بداخله. فهو لم يكن الزوج العاشق المُتيم، فهو دوماً كان المُتلقي فقط، يُغرم النساء به ثم يعطونه قلوبهم بغباء، لتكون النهاية خذلاناً منه، ولكن كل هذا تغير به عندما أحس لأول مرة بمعنى الفقدان، معنى أن تفقد شخصاً أعطاك روحه قبل قلبه، مُحباً ليس كارهاً، وهذا كل ما فعلته نهى زوجته التي تركته هو وصغيرته. لتُردد زهرة سؤالها ثانية ولكن بطريقة متهكمة: "أصلاً اللي زيك ميعرفش يعني إيه حب". ليزيد من سرعة سيارته، فصرخت به وهي لا تقوى على تحمل سرعة السيارة: "هشام.. وقّف العربية". ليهدئ سرعة سيارته عندما وجدها ترتجف جانبه وتغمض عينيها بذعر. والتفت إليها بجمود قائلاً: "مدام شايفاني شخص سيئ كده ومصلحش للحب، أبقى حذّري بقي أختك مني". فلمعت عيناها بسخط من حديثه، وهي تفكر في إخبار أختها بالابتعاد عن هشام، فهو يعلم بأمر خطتها وأنها كانت تريد الإيقاع به. ................................................................... جلست أمامه بخجل وهي لا تُصدق بأنه يجلس الآن في بيتها بعد أن تركهم والدها من أجل الحديث والاتفاق. لتتذكر نظرة والدها إلى حازم وحديثه عنه عندما دخل غرفتها ليخبرها بأن تخرج للجلوس معه: "شكله راجل محترم يا بنتي، وقد المسؤولية، هو ده اللي أقدر أسلمك ليه وقلبي مطمن". ليتنحنح حازم وهو يرتشف من كأس العصير القابع بين يديه. لترفع فرحة وجهها نحوه، فابتسم قائلاً: "حلو العصير على فكرة". لتخبره هي بجمود: "ماما هي اللي عملاه". فضحك على نبرة غضبها، فهي ما زالت غاضبة من فعلته حتى الآن ولا تُصدق بأنه حقاً اختارها دون أي انتقام لقلبه من جميلة، وتنهد قائلاً: "تسلم إيديها". ثم تابع بمكر: "ابقى اشكريلي حماتي بقى". لتلمع عينا فرحة بتحدٍ، لتخبره حانقة: "ومين قالك إني وافقت أو هوافق حتى". ليبتسم إليها حازم بدفء قائلاً: "هتوافقي يا فرحة، لأن أنا وإنتي مَننفعش نكمل حياتنا غير سوا". ثم همس بحنان: "حكايتنا مش هتنتهي قبل ما تبدأ يا فرحة". .................................................................. ضحكت جميلة بقوة وهي تستمع لتحذير زهرة. حتى طالعتها زهرة بدهشة قائلة: "هو أنا اللي بقوله بيضحك يا جميلة؟ أنا خايفة عليكي صدقيني". لتلمع عينا جميلة بالغضب وهي تقترب منها حانقة: "قصدك كارهالي السعادة، هشام بيحبني وأنا متأكدة من كده. صحيح فترة قربنا من بعض قصيرة، بس أنا أقدر أحكم كويس على الأمور". ثم تابعت بتهكم: "إنتي فاكراني زيك سطحية وهبلة؟". لتخفض زهرة برأسها أرضاً وهي تستمع إلى كلماتها التي حقاً بها.. ولكنها تخشى عليها من الجرح. ثم هتفت جميلة بعد أن جلست على فراشها: "وعشان أريحك هشام قالي إنه عارف بخطتي، منه الحقيرة حكتله كل حاجة". فطالعتها زهرة دون تصديق، وهتفت بصدمة: "يعني أفهم من كده إنكم...". فضحكت جميلة ببرود وهي تقطع عباراتها قائلة بحنق: "مالكيش دعوة بحياتي يا زهرة". ثم نهضت كي تُطالع مفاتن جسدها بالمرآة قائلة بفخر: "قريب أوي هتسمعي خبر جوازي من هشام". وأكملت بسخرية: "سافري لجوزك إنتي بس، لأحسن يضيع منك وترجعلنا مطلقة". ................................................................... طالعها رامز بسعادة وهتف قائلاً: "أنا مصدقتش لما قولتيلي آجي آخدك من المطار يا زهرة". ثم غمز إليها بأحد عينيه بأخوة قائلاً: "ومقولتيش لشريف على المفاجأة ديه ليه؟". وتابع بحديثه الممتع: "عايزاك تاخديه وتسافري أسبوع كده، وتريحيني منه شوية". لتضحك زهرة على عباراته، وهي تشرد في اللحظة التي ستخبر فيها شريف كل شيء وترتاح. .................................................................. وقف قبالتها وهو يتذكر حديث أخيها معه، عندما أخبره بأمر متابعتها مع طبيبها النفسي، وأن مريم قد قطعت مرحلة كبيرة من علاجها ولكن قد عاد الوضع كما هو. فهو يشعر بحال أخته، ليطلب منه برجاء أن يساندها فأخته عانت كثيراً بسبب سوء تربية والديها لها، واستغلالهم لعقلها المراهق الحالم بالرفاهية عندما جاء مجدي لخطبتها، وانتقامه منها عندما توفت أول طفلة لهم. لتهمس مريم بضعف وهي تظن بأنه سيخبرها عن أمر رجوعها مصر وتطليقها وتزوجه من ابنة خاله: "أنت خلاص هتتجوز كارمن؟". ليطالعها حاتم بنظرات جامدة وهو شارد في أمرها، فهو أصبح لا يعرف أيُكمل معها الطريق أم يُطلقها. وتنهد قائلاً: "أنا وكارمن مافيش بينا حاجة يا مريم، كارمن زي أختي الصغيرة مش أكتر". فتأملته هي بمشاعر مختلطة، لتجده يخبرها: "ليه مقولتيليش إنك بتابعي مع دكتور نفسي؟". لتغمض عينيها قائلة: "كنت فاكرة إني خفيت". فتنهد حاتم بقوة وهو يُطالعها، غير مُصدق بأن هذه المرأة التي ملكت عقله في أول لقاء بينهم منذ سنين وجعلته يشعر برغبة قوية فيها.. بأنها تائهة مسلوبة الإرادة، حتى حياتها لا تستطيع أن تتخذ قرارها فيها. ليهتف بها حاتم قائلاً: "أنا حجزتلك عند دكتورة هنا شاطرة، هتساعدك". ثم تابع حديثه بتنهد: "هنفذلك وعدي وهقف جنبك لحد ما تقدري تكوني نفسك يا مريم". وضغط على تلك العبارة "تكوني نفسك يا مريم". فهي حقاً لم تكن يوماً نفسها. فحركت رأسها بالموافقة فهي أصبحت بحاجة لكورسات علاجها النفسي، لتجده يخبرها بملامح جادة: "قبل ما ننفصل!". ................................................................... ضمها إليه بشوق وهو يتنفس رائحتها وهمس بحنان: "بتتآمري مع رامز يا زهرة.. بس هشام فتن عليكي وقالي". ليمتقع وجه زهرة كالأطفال، بسبب ضياع مفاجأتها. وتُمرغ وجهها في صدره قائلة بعشق: "كنت عايزة أعملهالك مفاجأة". ليرفع شريف وجهها بأنامله بحب، ويُطالع عينيها بدفء وهو يهمس بالقرب من شفتيها: "قعدات تاني في مصر من غيري مافيش، سامعة؟". فحركت رأسها إليه وهي تبتسم، إلى أن وجدته يُقبلها بشوق. ثم ضمها إليه لتهمس بهدوء: "كنت هتجنن وأنا شايفاك متغير معايا يا شريف، أوعى تتغير كده تاني، أنا مكنتش مصدقة نفسي". ثم تابعت بشرود: "قلت خلاص زهقت مني ومش عايزني في حياتك تاني". ليبعدها عن أحضانه، وتتسع ابتسامته إلى أن تعالت صوت ضحكاته، ليتنهد قائلاً وهو يُلامس وجهها بكفيه: "مش بقول مجنونة!". وتذكر ما حدث معه من مؤامرة جيداء، ليمسك بيدها ويجلسا على إحدى الأرائك. ثم ضمها بأحد ذراعيه لحضنه وبيده الأخرى كان يداعب باطن يدها، إلى أن تذكر شيئاً قد جلبه لها، ليبعدها عن أحضانه وهو يبتسم إليها قائلاً بمشاغبة: "النهارده هعوض الشهرين اللي حرمتيني منك فيهم". فضحكت، ليميل عليها يُقبلها بدفء. لترفع يدها قائلة: "شهرين إلا 4 أيام لو سمحت". ليداعب وجهها بكفيه وهو ينهض قائلاً: "خليكي هنا راجعلك يا زهرة هانم". وغمز إليها بأحد عينيه قائلاً: "لحد دلوقتي مش مصدق إنك هنا، بس هرجع أتأكد بمعرفتي". لتفهم هي مقصده، فتخجل من عباراته تلك. وتسمع رنين هاتفها، فتجد رقماً غريباً. وتفتح الخط وهي تظن من الممكن أن يكون السيد عمران فهو قد هاتفها من قبل كي يسأل عنها وعن عودتها لإكمال دروس التصميم. لتسمع صوت جيداء، وهي تُخبرها بكيد: "يا ترى شريف حكالك عن الليلة اللي قضيناها سوا في أوضة نومك ولا...". وأكملت عباراتها بضحكة خبيثة، وأغلقت الخط بعدها. لتضع زهرة يدها على فمها وهي لا تُصدق بأن شريف فعل بها ذلك. ووجدته يأتي إليها وهو يحمل علبة قطيفة اللون، ويخبرها بابتسامة واسعة: "يوم ما جبنا الشبكة رفضتي تجيبي شبكة واكتفيتي بدبلة جوازنا...". واقترب منها وكاد أن يبثها كلمات حبه، إلا أنه شعر بوجود خطب ما، ونظر إلى الهاتف الذي بيدها ليشعر بالقلق قائلاً: "مالك يا زهرة؟ فيكي إيه؟". فوقفت بارتجاف وهي تُعيد كلمات جيداء إليها غير مصدقة بما قالته، لتتذكر تغيره معها، وهتفت دون وعي: "أنت وجيداء!". ولم تتحمل أن تتفوه بباقي الكلام، لتجد نفسها تشهق بقوة. ليضغط على كفه بغضب وهو يلعن في جيداء، وكاد أن يُدافع عن نفسه ليجدها تخبره بوجع: "أنا برضه شكيت في حبك ليا بالسرعة ديه، كان عندها حق جميلة لما قالت إنك بتعاملني كويس عشان برضي رغبتك فيا، وبس". لينصدم شريف مما يسمعه منها، فزوجته الغبية تظن بأنه يحبها ويبثها من حنانه بسبب إرضائها له في الفراش. وقبل أن تهذي بأشياء أخرى، أمسكها من ذراعيها وهو يهتف بها بغضب: "تعرفي تسكتي خالص!". وكادت أن تتكلم، إلا أنه وضع يده على فمها ليهتف بجمود قائلاً: "مكنتش مصدق إن ثقتك فيا ضعيفة لدرجادي يا زهرة". ثم تابع بعدم تصديق: "يا خسارة يا زهرة". وأخرج هاتفه من جيب بنطاله، ليبحث عن محتوى الصوت الذي سجله رامز لجيداء، لتستمع إلى صوت جيداء وهي تُخبر رامز عن حبها لشريف وعن مؤامرتها ووضعها للمخدر في فنجان القهوة عندما أتت إليه، وعدم خيانته لها وهذيانه باسمها وهو يفقد وعيه. لتسقط دموعها بغزارة وهي تلعن تسرعها وغباءها الدائم، وكادت أن تتفوه، إلا أنه أشار إليها بأصبعه بأن تصمت، والتف بظهره كي يرحل قبل أن يتفوه بعبارات لن تتحملها. لتفيق على خطواته، فركضت خلفه قائلة برجاء: "شريف، شريف". ولكنه لم يسمعها، ولم يلتف إليها حتى، فجلست كالقرفصاء، تنعي حظها وغباءها، فهي في لحظة واحدة قد تفوهت بعبارات لم تشعر بها إلا عندما رأت صداها على ملامحه. ................................................................... أغلقت الهاتف مع رامز وألقت به جانباً وهي لا تُصدق بأنه سافر من أجل إحدى الصفقات دون أن يخبرها. فبعد ليلة طويلة قضتها تنتظره لم يأتِ. لتعلم من رامز أنه كان هو من سيسافر، ولكن شريف هاتفه قبل السفر بساعات بأنه هو من سيذهب. وجلست تبكي وهي تُتمتم: "غبية يا زهرة، هتفضلي طول عمرك غبية". ................................................................... تأملت جميلة ذلك الخاتم الرقيق وعيناها تلمع من فرط السعادة، فالخاتم يبدو عليه بأنه باهظ الثمن. ليرى هشام لمعان عينيها قائلاً بهدوء: "عجبك؟". لتُطالعه جميلة بسعادة قائلة: "ده يهبّل يا هشام". ليمد هشام كفه نحو كفها بعد أن أخرج الخاتم من علبته، ثم وضعه بإصبعها بنعومة، فتأملت نظرات أعينه هامسة بصوت قد سمعه: "بحبك يا هشام". ليرفع هشام وجهه نحوها بابتسامة هادئة، وقبل يدها بنعومة، وهو يعلم بأنه قد أوقعها حقاً في حبه، فجميلة رغم سموم دماغها فهي ضعيفة جداً حتى إنها أضعف من زهرة، فضعفها ناتج عن طمعها، أما زهرة فضعفها حسن نيتها! ................................................................... تركها يومان تُعاني من مرارة الوحدة، وكأنه يُعاقبها ببعده. فتكأت برأسها على الأريكة التي أصبحت تتخذها فراشها منذ أن سافر، لتسمع صوت الباب يُفتح. فشعرت بالخوف، ونهضت وهي تتمنى أن يكون هو. فرأته يردف ومعه حقيبة صغيرة، قد ألقاها جانباً، وصار أمامها دون رد فعل، وكأنه لا يراها. فسقطت دموعها وهي لا تُصدق بأن ذلك هو عقابه. ولملمت شتاتها وتذكرت بأنها هي المذنبة، فهي قبل أن تفهم منه شيئاً، رمته بعبارات غاضبة. واتجهت نحو غرفتهما، التي أصبحت تتخيل فيها مشهد إغواء جيداء له رغم أنها تعلم لم يحصل شيء، ووجدته يفك أزرار قميصه بفتور، فاقتربت منه بخوف، ولكن شوقها إليه جعلها تركض نحوه وتضم خصره بذراعيها، هامسة بضعف: "متسبنيش تاني يا شريف". والتفت نحوه ليكون وجهها نحو وجهه وتأملته قائلة: "اضربني بس متسبنيش وتمشي". وعندما وجده يبعدها عنه، تشبثت فيه كالطفلة الصغيرة، وكأنها طفلته. فتنهد بقوة وهو يراها ضعيفة بمثل هذا الشكل، وضمها إليه قائلاً: "بتشكي في حبي ليكي يا زهرة؟". فحركت رأسها بضعف تخبره: "غبية صدقني". ومسحت دموعها كالأطفال بكلتا أيديها قائلة بهدوء: "أنت طيب يا شريف وهتسامحني مش كده؟". فابتسم إليها وهو يتنهد على حديثها، وتأمل ملامحها التي توهجت من جديد بعد أن ضمها إليه. ثم همس بإرهاق: "طب أنا تعبان دلوقتي يا غبية هانم وعايز أنام...". فضحكت بسعادة وهي تراه قد سامحها، وهتفت قائلة: "أعملك عشاء؟". فأمسك بيدها وهو يتثاءب: "بقولك جعان نوم". فابتسمت وهي تسير معه نحو فراشهما، سعيدة بأنها استطاعت أن تُراضيه. ................................................................. ارتدت أجمل فستان لديها، فهو قد طلب منها أن تتأنق في ذلك الحفل الذي دعاه له أحد أصدقائه. وأردفت إلى الحفل وهي تُشاهد فخامة ما ترى، وظلت تبحث عنه بعينيها لتجده يقف مع بعض الرجال يضحك، فلمعت عيناها وهي تتمنى أن يخبرها الليلة بأمر خطبتهما أو حتى يُصرح لها بمشاعره. وعندما رأها تقف على مقربة منه، استأذن ممن كان يقف معهم، وذهب إليها وعلى وجهه ابتسامة هادئة، وتأملها بعينيه قائلاً بإعجاب قد رأته فيهما: "إيه الجمال ده كله يا جميلة؟". لتبتسم جميلة، وكادت أن تتحدث فوجدت رجلاً وامرأة يقتربون منهما، فيبدو أنهم أزواج. فابتسم لصديقه قائلاً: "أحمد صديقي يا جميلة، ومدام رنا مراته، والحفلة ديه هي حفلة عيد جوازهم...". ليبتسم أحمد إليها وتُصافحها رنا بحرارة. واقترب أحمد من أذنه يسأله بهمس: "هي ديه بقى اللي ناوي تتجوزها يا دنجوان؟". فسمعت جميلة همساتهم، فقد كان الصوت واضحاً بعض الشيء، فأطرقت برأسها بسعادة، ليتأملها هشام للحظات، ثم اقتربت منها رنا تُحادثها قليلاً. لتجد فجأة هشام يهتف بعلو وهو يمد يده: "تعالي يا حبيبتي". فرفعت جميلة عينيها نحوه، فهو لماذا يُناديها وهي أمامه؟ وكادت أن تبتسم إليه وتقترب منه، إلا أنها وجدته يقترب هو بل تخطاها، ليسحب إحداهن من خصرها إلى حضنه قائلاً: "أحب أعرفكم منه خطيبتي، وقريب أوي هتكون مراتي!!". الـفـصـل الــثـانــي والــثــلاثــون (وقبل الأخير) ألجمت عباراته جسدها، وجف حلقها وهي تراه يضم صديقتها بذراعيه بتملك، ويخبر رفيقه وزوجته بأن تلك هي من أخبرهم عنها.. فظنت جميلة بأنها غافية وستفيق حتماً كي تقتلع ذلك الكابوس الذي لم يكن إلا حقيقة. وعندما استمعت إلى ضحكاته التي كان يخصها بها، ظناً منها بأن هذه الضحكات إليها وحدها، هتف بهدوء وهو يُطالع منه غير عابئ بتلك الواقفة التي لا تقوى على الحركة: اتأخرتي ليه ياحياتي! فابتلعت منه ريقها.. فكل ما فعله هشام اليوم قد فقد صوابها. فهي لم تصدق يوم سفرها عندما جاء إلى بيتها في زيارة لم تتوقعها يُخبرها بأنه يُريد أن يتزوجها. فلأول مرة تشعر بأنها امرأة مرغوبة.. رغم أنها جميلة بعض الشيء وخاصة عندما تضع مساحيق التجميل وتلبس ملابسها الضيقة التي قررت التخلي عنها وعن كل شيء يجعلها كالعاهرة. ولكن كان دوماً شعورها بأن جسدها الممتلئ لن يجعل رجلاً يرغب بها. وعندما وجدته يمسك يدها أمام صديقه ليمدحها ويُحدق في جميلة التي وقفت كالخرساء.. تذكرت بأنه كان يُحادثها. وهتفت بهدوء وهي مُسلطة أنظارها على جميلة، ولأول مرة تكون نظرات إشفاق وليست كره: جميلة أزيك! لتُطالعهم جميلة بنظرات واهنة.. وهي تُريد أن يُوقظها أحد من ذلك الحلم الذي قضى على جزء كبير بداخلها. وبعدما سمعت صوت رنا وهي تتساءل بود: مالك ياجميلة، فيكي حاجة ولا إيه ياحبيبتي؟ ثم طالعت منه وهشام قائلة: أكيد اتفاجأتي زينا من الخبر ده، وواضح إن أنتي ومنه معرفة.. شكلي أنا اللي هكون غريبة وسطكم. ليضحك هشام من حديث زوجة صديقه.. ويقف يتأمل جميلة بنظرة ضائقة يتخللها الندم من فعلته هذه.. ولكن عزاءه الوحيد كان بأنها تستحق ذلك. إلى أن وجدها تمشي بترنح.. غير عابئة بنداء رنا ولا نظراتهم نحوهم.. لتقف منه قبالته قائلة: أنت ليه عملت فيها كده؟ أنت قولتلي إنك مش هتجرحها. ليتنهد هشام بقوة.. ليخبرها بجمود: ممكن يامنه منتكلمش في الموضوع ده! ................................................................... تهاوت بجسدها أرضاً بعد أن غادرت الحفل، وشعرت بأن قدميها لن تتحملاها.. لتشعر لأول مرة بالمهانة في حياتها. فهي دوماً من كانت تُهين.. هي من كانت تظن أن ليس عيباً أن تتبع قاعدة: "قول للأعور أنت أعور في عينك". وقد نسيت أن كل القلوب التي أجرمت بحقها لها خالق رحيم. لتسقط دموعها أخيراً وهي تُتمتم: أنا أكيد بحلم. وظل شريط الأشهر الماضية يسير أمام عينيها.. وهي لا تُصدق بأنها كانت غافية كل ذلك الوقت خلف شيطانها. ................................................................ فتحت عيناها بتكاسل وهي تتثاوب في الفراش.. متأملة هيئة شريف المنمقة أمام المرآة ورائحة عطره التي تسلب عقلها دوماً، وابتسمت بسعادة بعد أن سامحها: صباح الخير ياحبيبي. ليقترب منها شريف فجأة.. فيقبلها على شفتيها بقبلة سريعة قائلاً: وحشني شعرك المنكوش وأنتي صاحية من النوم. فوضعت يدها على شعرها لتهندمه سريعاً، فضحك هو بعلو صوته وهو يرى فعلتها. ووجدها تُعاتبه بدلال ورقة: أخص عليك ياشريف، أنا منكوشة؟ فحرك رأسه بالإيجاب وهو يرتدي ساعته الأنيقة.. قائلاً بمشاكسة: أكدب يعني.. وتابع بدعابة: تخيلي بقى لو كنت اتجوزت فرنسية، ياسلام! وقبل أن يُكمل باقي عباراته وجدها تنهض من فوق الفراش سريعاً، مُنقضة عليه بشر، وتضع بكلتا يديها على خصرها قائلة بحنق: بتقول إيه ياسي شريف؟ فضحك شريف بقوة وهو لا يُصدق بأن تلك المخلوقة الضعيفة.. تسلبه عقله رغم جموده وجديته، وكأنها الجزء المرفه بحياته الذي جاء لينعشه.. وتفاجأ بفعلتها الجريئة عندما وجدها تقف على أطراف أقدامها تقترب من شفتيه لتُقبله بحب.. وأبتعدت عنه.. فوجدته مُسلط أنظاره على عينيها الخجلة وأنفاسها الضائعة مع أنفاسه.. ليهمس بشوق: مش عايز بعد كده أسمع الكلام اللي سمعته منك وأنتي مش حاسه بنفسك. لتخفض زهرة رأسها بخجل وهي تتذكر ما تفوهت به عندما استمعت لكلام جيداء.. فرفع وجهها بأنامله قائلاً بهدوء: ارفعي عينك يازهرة، وأوعي تبصي في الأرض أبداً طول ما أنا عايش.. أنتي قوية.. سامعة؟ فطالعته زهرة بابتسامة هادئة وهي لا تُصدق بأنها زوجة رجلاً كهذا.. وضمها إليه بحب قائلاً: أنا عارف إنك مكنتيش تقصدي كلامك ده، وعارف أي حاجة بتعمليها.. بتعمليها بحسن نية وهو ده اللي بيشفعلك صدقيني. فابتعدت عنه قليلاً.. لتنظر في عينيه وهي عاشقة مُتيمة به، وتنهدت بندم وهي تُقرر بأنها يجب أن تخبره عن هوية حبيبها السابق الذي اكتشفت بعد زواجها منه أنه لم يكن حباً بل مجرد احتياج لبعض الاهتمام ليس أكثر. ليربط هو على وجهها بنعومة قائلاً بمشاكسة: هتأخريني عن الاجتماع ياهانم. وانصرف بعد أن قبلها على أحد وجنتيها ليتركها كالتائهة في بحور عشقه. ................................................................... نظر إليها حاتم بعد أن انتهت من جلستها النفسية... فطالعته بنظرة ممتنة رغم معرفتها بأنه سينفصل عنها بعد أن يساعدها.. وتأملها بملامح هادئة وهو يسألها: حاسة إنك مرتاحة يامريم! فحركت مريم رأسها له بالإيجاب وهمست: أنت طيب أوي ياحاتم. فابتسم حاتم على نظرتها إليه التي ليست في محلها.. فهو ليست من سماته الطيبة ولكن معها لا يعلم لم هو كذلك. ثم امتقع وجهه عندما وجدها تتذكر زوجها قائلة: ويمكن مجدي كمان كان طيب.. وعندما وجدت ملامحه قد اكتساها الغضب تابعت بفتور: أكتر غلطة ممكن يرتكبها الواحد في حق نفسه أن يبيع مشاعره وحياته عشان الفلوس.. وتذكرت جملة والدتها دوماً إليها عندما كانت مراهقة: "الراجل اللي معاه فلوس.. هو ده اللي ينفع الواحدة تتجوزه، غير كده تبقى الواحدة خيبة وفقرية". وضحكت بسخرية... وهي تتذكر نفسها كيف كانت حياتها مع زوجها الأول.. ليشعر بها حاتم لأول مرة قائلاً بهدوء: أنتي من أهم أسباب ضياع نفسك يامريم! .................................................................. جلست جميلة على فراشها بأعين مسودة.. فهي حتى الآن تظن نفسها في حلم يخنقها. ليعيد عقلها كل ما حدث للمرة الألف ودموعها تنحدر.. فقد قتلها هشام وهي كالغبية كانت تُصدقه كالمغيبة، فقد لعب بها.. وهدمها ووسم في حياتها حبه الكاذب. لتردف إليها والدتها بقلق قائلة: مالك ياجميلة، حالك من إمبارح مش عاجبني يابنتي. وعندما لم تجد رداً منها تنهدت بفتور: حد زعلك طيب في الحفلة يابنتي؟ فتمتمت جميلة بقهر: أرجوكي ياماما سيبيني لوحدي، وعشان ترتاحي مشاكل في الشغل ياستي. لتنظر إليها والدتها نظرة أسى وقبل أن تُغادر همست: كلمتي زهرة أختك تطمني عليها؟ ليقع اسم زهرة على أذنيها وهي تتذكر تحذيرها لها منه.. ولم تصدقها. وأمسكت بهاتفها وهي ترى والدتها تخرج من الغرفة.. تاركة إياها لتُقابل زوجها الذي كان يهم بالخروج.. وهتفت بحزن: جميلة مش عاجباني يامنصور. ليلتف إليها هو قائلاً: ولا عاجباني أنا كمان.. أظاهر ده آخرة دلعنا فيها ونفخنا ليها في السما. وتذكر زهرة التي لم تحظَ بحنانهم مثل جميلة. وانصرف من أمامها وهو يضرب كف بكف على أحوال ابنته. .................................................................. لمعت عين زهرة بالدموع وهي ترى نتيجة الفحص.. فهي قد نسيت أمر الفحص تماماً بسبب ما مرت به.. ولحسن حظها كان اختبار الحمل لديها.. لتبتسم بسعادة وهي تتحسس بطنها التي تضم طفلاً من شريف.. وتذكرت آخر ليلة كانت بينهم في مصر قبل أن يغادر هو بمفرده.. وفجأة رن هاتفها لتجد رقم أختها جميلة.. وهتفت بقلق: جميلة! ليعلو صوت جميلة الغاضب: طلع بيضحك عليا يازهرة.. طلع كذاب.. خطب صاحبتي وهيتجوزها! أنا إزاي كنت غبية كده.. وقبل أن تنطق زهرة بكلمة.. وجدت جميلة تخبرها بتوعد: أنا هقول لشريف كل حاجة وهقلب كل حاجة عليه، خليه يعرف أن أخوه المحترم كان على معرفة بمراته. لتشهق زهرة فزعاً وتمتمت برجاء: حرام عليكي ياجميلة، أنا ذنبي إيه ليه تخربي حياتي؟ فهتفت بها جميلة بجمود: ذنبك.. إنك كنتِ حبيبته زمان يازهرة. وأغلقت الهاتف بوجهها.. لتنظر زهرة لهاتفها وهي لا تُصدق بأن اليوم الذي فرحت فيه بخبر حملها قد ضاع. لتعاود الاتصال بها ولكن لا رد. وتذكرت بأنها تعلم رقم هشام... الذي كان سبباً لكل ما يحدث لها، فوجوده آذاها في الماضي.. وما زال يؤذيها حتى في مستقبلها. ................................................................. ظل يدور بكرسيه وهو شارد فيما فعله بجميلة ليلة أمس.. ليتذكر منه وأمرها.. فهو حتى لو تزوجها سيتزوجها كي يثبت لأخيه بأن زهرة ليست في حياته.. فهو يُكمل حياته دوماً دون أي حنين لامرأة كانت على معرفة به سابقاً. ورغم أنه يعلم بنتائج ما سيفعله بنفسه.. إلا أنه هو الحل الذي أمامه الآن حينما يواجه أخيه.. فأخيه كان لا بد أن يعرف من البداية بكل شيء. ليسمع رنين هاتفه.. فيوقف دوران كرسيه ولمعت عيناه عندما رأى رقم المتصل، وضغط على زر الإجابة وهو يستعد لسيل من الغضب والاتهامات، وقبل أن يتكلم وجدها تهتف به بغضب: أنت أسوأ إنسان شوفته في حياتي.. أختي عملتلك إيه عشان تأذيها كده؟ فضحك هشام وهو يرى دفاعها عن شقيقتها التي كانت تتلاعب بها قائلاً ببرود: حصاد شرها وطمعها. فتنفست زهرة بصعوبة وهي تخبره بألم: أنت مش ربنا عشان تحاسب الناس ياهشام.. وياريت بلاش أنت بالذات تتكلم. ليتنهد هشام قائلاً بتهكم: أنا مضربتش أختك على إيدها عشان تحبني، وأنتي عارفة كده كويس. ورغم أنها تعلم حقيقة ما تفوه به.. إلا أنها تشفق على حال شقيقتها، فمهما فعلت ستظل شقيقتها الكبرى. وهتفت به برجاء: اتجوز جميلة ياهشام، صدقني هي بتحبك. فتنهد هشام بسخرية.. قائلاً: أختك مبتحبش غير نفسها. وعندما أخبرته بأن جميلة ستقص لشريف كل شيء.. لتدمره كما دمرها.. ضحك على ما كان سيفعله بنفسه كي ينهي تلك المهزلة ويحدث ما يحدث.. فهتف قائلاً: أظن إن وقتك جه يازهرة. شريف لازم يعرف منك أنتي.. لو عرف منك أكيد هيغفرلك. ليغلق معها الهاتف.. فوقفت تنظر أمامها وهي تبتلع ريقها وتتخيل ما سيحدث عندما ستخبره بكل شيء، وتنهدت بقلة حيلة وهي تُتمتم: هقوله إيه أنا دلوقتي.. أنا حامل ولا إن الشخص اللي أوهمني بالحب زمان كان أخوك؟ ................................................................ تأملها بسعادة عندما وجدها تقف أمامه تحمل بعض الأغراض الخاصة بأخته التي حان موعد زفافها، قائلة بإرهاق: وسع كده من على الباب خليني أدخل. فضحك حازم على نبرتها.. ليتساءل: فين نهلة؟ ليسمع صوت نهلة وهي تأتي من خلفها تحمل بعض الأغراض أيضاً، فيضع يده على شعره ليبعث به.. وهو يتمتم: كده أنتوا الاثنين هتخربوا بيتي. فركضت نحوه أخته بعد أن تركت الأشياء جانباً وأحتضنته بذراعيها باكية: ربنا يخليك ليا ياحازم يارب، أنا عارفة إن حملي تقيل عليك. فضمها بذراعيه وهو يواسيها بدفء: ياهبلة أنا بهزر معاكي.. أنتي بنتي يابت قبل ما تكوني أختي. لتُسلط فرحة أنظارها عليهم وهي لا تُصدق بأن الله قد رزاها بشخص مثل حازم. .................................................................. ظلت تفرك يدها بتلعثم وهي تُطالعه.. حتى تنهد شريف بملل: بقالنا ساعة قاعدين القعدة دي، ياصبر أيوب! ولمس وجهها الدافئ قليلاً من كثرة التوتر قائلاً بحنان: ياحبيبتي في إيه؟ أنا بدأت أقلق. لتبتسم إليه زهرة، فتجده يبتسم لها.. ثم ضمها إليه بحب: أنا خلاص نسيت صدقيني اللي عملتيه.. وسامحتك ياسيتي. وأبعدها عنه قليلاً.. ليعبث بخصلات شعرها قائلاً بدعابة: بس لو اتكررت تاني.. هشدلك ودانك الاثنين. فضحكت على حديثه الذي تعشقه رغم توترها. لتجد هاتفه يُعلن عن اتصال أحدهم.. فشعرت بالخوف من أن يكون هشام أو أختها. وعندما نظر للمتصل تمتم بخفوت: مش وقتك يارامز. فشعر قلبها بالارتياح قليلاً.. وتنهدت بعمق. لتجده يقف بملل: لاء شكل كده يومنا طويل يازهرة، هدخل أغير هدومي لحد ما لسانك يتفك وتتكلمي. وصار بخطوات بطيئة.. نحو غرفته.. ليجدها تهمس باختناق: مش عايز تعرف مين الشخص اللي كنت عارفاة قبل ما تتجوزني.. ورغم أنه يعلم بأنه ماضٍ وأن ذلك الشخص قد جرحها.. إلا أنه شعر بالضيق لتذكرها له، وتنهد بعمق وهو ما زال يُعطيها ظهره: الماضي راح لحاله خلاص يازهرة، انسيه. فأغمضت عيناها وهي تشعر بالشفقة على حالها.. لتخبره بضعف: الشخص ده هو هشام أخوك ياشريف! الـــفــصــل الأخـــيــر (الــجــزء الأول) شعر بدوار يلفح رأسه فأغمض عينيه وهو لا يستوعب ما نطقت به للتو، ولكن ما جعله يفيق من غيبوبته الضئيلة صوت نحيبها الذي يعلو تدريجياً.. ليهمس داخل نفسه: هشام هو حبيبك الأولاني يا زهرة، هو ده اللي خلاكي تفقدي ثقتك في الناس.. وتذكر عبارات والدتها عندما أخبرته يوم عقد قرانهم عنه.. إلى أن جاء إليها يوماً وجلس معها بمفردهما لتقص له الحكاية وكيف تعلقت به زهرة وتقرب منها ليخدعها. ليشرد فيما كان داخله عندما علم بذلك... فشعر بغضب لا يعلم سببه رغم أنه في البداية لم يكن يحبها بل تزوجها زواجاً تقليدياً وبهدف.. ولكن اليوم والثقل الذي يشعر به داخل قلبه قد تغير تماماً... فالتفت إليها ببطء شديد عندما سمع صوت نحيبها يزداد وهي تتساءل بضعف وخوف: أنت هتسيبني يا شريف على غلطة ماليش ذنب فيها؟ ورغم أنه يعلم أن لا ذنب لها الآن فما حدث كان ماضياً، إلا أنه في تلك اللحظة لا يُدرك لما وقف غاضباً بهذا الشكل.. فلو كان أخوه أمامه الآن لكان خنقه لأنه عبث بقلب زوجته قبله.. وجعل قلبها يدق إليه أولاً، وهو من له الحق بذلك.. خنقه لأنه لم يخبره حتى الآن عن ذلك الأمر... ليُطالع ملامحها بجمود قد قتلها قائلاً: أنتي عارفة إحنا بقالنا أد إيه متجوزين؟ فحركت زهرة رأسها إليه بسكون تام.. فوجدته يتساءل بغضب: ولسة فاكرة حضرتك تصارحيني النهارده؟ لتغمض زهرة عينيها وهي تلوم جبنها هذا.. الذي يضيع حقها، وكادت أن تُبرر فعلتها.. إلا أنها سمعت صوته الصارخ: عارفة أنا في نظر نفسي إيه دلوقتي؟ لتُسلط زهرة أعينها عليه وما زالت دموعها تتساقط، فوجدته يخبرها بغضب: راجل مغفل... أنتي وأخويا خدعتوني. ورفع بيده نحو فروة رأسه.. ليغزر أنامله بقوة في خصلاته السوداء الناعمة.. وهو يتذكر أول مرة اجتمعوا فيها، فقد كان في المطار قبل رحيلهم... وتعود ذاكرته إلى يوم وجدهم بالمطبخ سوياً بعد أن جرحت يدها.. ثم رحيل أخيه. كل ذلك كان يدور بعقله دون هوادة، إلى أن وجدها تهمس بضعف: لو مش هتسامحني، طلقني يا شريف.. بس اللي لازم تكون متأكد منه.. إن من يوم ما اتجوزتك وحتى اتخطبتلك عمري ما بصيت لأي راجل غيرك ولا قلبي حب غيرك.. لتسقط كلمة طلاق على أذنه كالجمر، فأقترب منها بغضب وأمسك ذراعيها ليتوعد بشر: طلاق مش هطلق، سامعة... وقذفها بذراعيه لتسقط أرضاً متأوهة.. ثم سمعت صوت باب شقتهما يُقفل بعنف. لتضع يدها على بطنها وهي ما زالت أرضاً.. متألمة من دفعته لها وهي تهمس بخذلان: هو ده اللي كنت خايفة منه.. محدش بيسامح ولا بيغفر غلطة ملناش ذنب فيها. ................................................................... ذهبت إليه في الشركة حتى تفهم منه ما ينوي فعله... فعقلها يُخبرها بأنه فعل ذلك من أجل أن يُهين جميلة. وعندما سمحت لها سكرتيرته بالدخول.. دخلت منه بوجه آخر غير وجهها الذي كان يتراكم عليه طبقات مساحيق التجميل... كأن بها شيئاً غريباً وبملابسها، فمنه قد ارتدت الحجاب... وظل للحظات يُطالعها، ناظراً إلى كل إنش فيها، حتى وجدها تشيح بوجهها بعيداً عن نظراته المتفحصة. فتنحنح بجدية قائلاً: إيه الموضوع المهم اللي كنتي عايزاني فيه؟ فتمتمت منه بخفوت: أنت عايز مني إيه؟ ليضحك هشام على عباراتها قائلاً بجدية: أتجوزك، إيه الغريب في كده؟ فابتسمت منه بتهكم وهي تستمع إليه قائلة بخفوت: تتجوزني أنا... حضرتك واعي باللي بتقوله؟ وتابعت بمرارة: أقولك أنت هتتجوز مين؟ ليجف حلقها وهي تتذكر أفعالها القديمة قائلة بأنفاس متقطعة: هتتجوز إنسانة زبالة.. بتسهر في الديسكوهات.. ومقضياها بمزاج. ليبتسم هشام لما هو يعلمه عنها بكل تفاصيله وتنهد بضيق قائلاً: ماضيكي أنا ماليش دخل فيه. ثم تابع بجدية وهو يجلس على كرسيه ليُتابع أعماله: اعملي حسابك هفوت عليكي بالليل عشان تتعرفي على والدتي وأختي. لتقف منه مذهولة مما تسمع.. فهي توقعت بأنه يتلاعب بها، وأنه اليوم سيُخبرها بأنها كانت مجرد دور في لعبة. لتجده منشغلاً بما يتفحصه وكأنه يخبرها بأن لا وقت لديه الآن. ............................................................. نظر إلى معالم وجهها الصافية وهي تُلاعب طفلها في حجرته... فيومان في المتابعة مع تلك الطبيبة أصبحت هكذا. ليتساءل داخله بما فعلته الطبيبة.. ليشرق وجهها هكذا، وتجعله يجن... ووجدها تتمايل بخفة وهي تُساعد صغيرها في رسوماته... ليغلق الباب سريعاً.. عندما شعر بأن تفكيره نحوها يأخذ مدخلاً آخر.. فهو لو ظل واقفاً هكذا.. سيروي عطشه الآن منها حتى لو كان أمام صغيرها وسينسي أمر انفصالهم. لتبتسم مريم بعد أن سمعت انغلاق الباب.. وتذكرت آخر جملة قالتها لها الطبيبة في الجلسة الماضية: "انتي مش مريضة ولا حاجة يا مريم، كل اللي أنتي فيه بسبب كرهك لنفسك وتفكيرك ديماً أنك لو كنتي حصلتي على أول حب في حياتك مكنش حصل ليكي أي حاجة من اللي أنتي عايشاها دلوقتي.. مع إن ده أكبر غلط ممكن الإنسان يرتكبه في حق نفسه.. ويظن أن الخير كان في اللي فات.. رغم أن الخير بيكون ديماً في اللي جاي". وانحنت على صغيرها.. لتقبله برضى.. داعية الله أن يعطي إليها فرصة كي تنشئ حياة جديدة. .................................................................. نظرت منه إلى والدة هشام وأخته وهما يفحصانها بتمهل وعدم رضى.. رغم أن والدته عاملتها بمحبة ولم تشعرها بشيء، إلا أن وجودها في بيته جعلها تشعر بأنها ليست تشبههم. وأخفضت رأسها سريعاً عندما رأت نظرات نسرين إليها الجامدة.. ليشعر هشام بكل ذلك التخبط، حتى وجد والدته تسير نحوها وهي تحمل الصغيرة قائلة: بتعرفي تشيلي الأطفال؟ ففنظرت إلى يدها الممتدة بالطفلة.. وحملتها بشعور غريب لا تعلمه.. شعور لأول مرة تجربه.. فيبدو أن الأطفال لهم نقاء غريب يخطفون به القلوب. فطالعتها والدة هشام بنظرة عميقة.. وهي تتأمل كل تفصيلة فيها. لتضم منه الطفلة لحضنها وتبتسم بسعادة.. وعندما وجدت الصغيرة تُطالعها بضحكة واسعة.. أقسمت أن لو كان لها نصيب على والدها فستجعلها كابنتها ولن تُضيعها كما هي ضاعت بسبب والديها وانفصالهم. لتنظر نسرين إلى والدتها باندهاش وهي تُتمتم بخفوت: إيه اللي عملتيه ده يا ماما؟ فلم تعيرها والدتها أي اهتمام.. وسلطت أنظارها على ابنها الذي وقف مصدوماً مما يرى، فابتسمت قائلة كي تخرجه من كل تخبطه هذا: مبروك يا ابني.. فنظر إلى والدته بشك مما سمعه، ليجد ابتسامة والدته مرسومة على شفتيها.. رغم أنه قبل مجيء منه كانت تجلس عابسة رافضة كل هذا.. حزينة على زوجته الأولى وابنته. ................................................................... حطمها بتجاهله لها.. حتى أنه لم يعطها أي فرصة لبدء الحديث معه.. فسقطت دموعها وهي تراه يُحذرها بيده بأن تصمت. فانصرفت زهرة من أمامه وهي ترى أن السعادة التي عاشت فيها معه قد ضاع بريقها.. فانسحبت بعد أن كانت ستخبره بحملها... فمن الممكن إذا علم بذلك ينسى ويُسامحها.. أما هو فوقف بنيران هائجة.. وهو يضغط على قبضة يديه التي ابيضت مفاصلها منتظراً حجز سكرتيرته تذكرة سفره. ................................................................. مسحت على وجهها المرهق، وهي لا تقوى على الحركة بسبب ذلك النزيف الذي يقضي عليها.. فلأول مرة عادتها الشهرية تكون بهذه القوة. فدخلت عليها والدتها وهي تتساءل: اتصلي لي بشريف خليني أطمن على أختك.. أختك صوتها مش عاجبني. لتُطالع جميلة والدتها بإرهاق وهي تخرج رقم شريف من هاتفها.. وتذكرت قبل أن تخبر شريف بكل شيء.. وجدته يسألها عن إذا كانت تعرف هوية حبيب زهرة السابق.. فأخبرته بالإيجاب، ليغلق بعدها الخط في وجهها.. وكأنه لم يتحمل الحقيقة. ................................................................. نهض هشام فجأة وهو يرى أخاه يقف أمامه.. ليلكمه شريف في وجهه فتمتم هشام بفتور: شريف اسمعني طيب. ليلكمه شريف بلكمة أخرى وهو لا يشعر بنفسه... حتى ترنح هشام للخلف وهو يمسح الدماء التي تقطرت من أنفه قائلاً: اهدي الأول وبعدين نتكلم. ليقترب منه شريف.. وهو يهتف بغضب: عارف يوم ما عرفت أنها كانت على معرفة براجل قبلي وضحك عليها واستغلها اتمنيت إيه... اتمنيت أخنقه بأيدي.. ليخفض هشام أعينه بانكسار وهو يشعر بالذنب بما كان يفعله واستغلاله لمشاعر الفتيات قبل زهرة.. لتأتي زهرة ويأتي بعدها تعقله وزواجه بمنه، وشعر اليوم بأن عبارة "كما تدين تدان" قد ردت له.. ففي النهاية إحداهن أصبحت زوجة أخيه وأصبحت من عائلته. ليهوي شريف على الكرسي الذي أمامه وهو يُتمتم: لسة بتحبها؟ ليهتف هشام بصدق: والله يا شريف كل شعوري اللي كان اتجاه زهرة هو الذنب.. أنا عمري ما أخونك ولا أضيع ثقتك فيا. فطالعه شريف بسخرية وضحك بخفوت: عمرك ما تخوني؟ وتابع بحديثه: لاء خونتني يا هشام وهي كمان خانتني.. لما مقلتوش ليا الحقيقة وخلتوني مغفل بينكم. وتنهد بإرهاق: ماما قالت لي إنك هتتجوز. وعندما ظل الصمت بينهم للحظات.. تابع حديثه بتهكم: مبروك! ليُتمتم هشام بهدوء: الله يبارك فيك. وعاد الهدوء بينهم ثانية.. ليلح سؤال يخشاه هو، وتساءل قائلاً: هتعمل إيه مع زهرة! فرفع شريف وجهه نحو أخيه.. ولولا معرفته اليوم بأمر زواجه من امرأة أخرى لكان ظن بأن أخاه ما زال يفكر في زوجته.. فرغبة هشام بالزواج من أخرى جعلت ثورته تهدأ قليلاً.. ليقف شريف فجأة قائلاً: سيبك من حياتي.. وخليك في حياتك أنت. ليقترب منه هشام سريعاً قائلاً برجاء: هتسامحني يا شريف مش كده؟ ليُطالعه شريف ببرود.. وانصرف من أمامه وهو يُتمتم: سيب السماح للزمن يا هشام. ................................................................... مرت الأيام بأحداث جديدة ورغم جمالها للبعض إلا أنها كانت على البعض الآخر باهتة. جلست زهرة على المكتب الخاص بها كمصممة منذ شهر.. فهي عندما عادت إلى فرنسا أبلغها عمران بأن تصميماتها قد حازت على الفوز في المسابقة التي دخلتها الشركة. لتتذكر زهرة سعادتها بالخبر في هذا اليوم.. وبحثت عن رقمه سريعاً لتخبره بما حدث، وعندما سمعت صوته.. أخبرته عن فرحتها، ليأتيها صوته البارد وهو يخبرها بأن عمران قد حدثه.. ثم أغلق الخط سريعاً دون حتى أن يبثها بكلمة حنونة. فهبطت دموعها وهي شاردة في ذلك التصميم الذي أمامها، ومدت بيدها نحو بطنها التي اتخذت بروزاً صغيراً فهي في شهرها الثالث.. وهمست بضعف لطفلها: تفتكر لازم يعرف بوجودك..؟ ومر شريط جفائه معها وهي تُتابع بحديثها: هو مش عايزنا.. ولو عرف بوجودك هيفتكر إني بضغط عليه بيك. وعندما وجدت عمران دخل غرفتها المستقلة.. ابتسمت إليه بفتور ليقترب منها قائلاً: مصممتنا المحترفة بتعمل إيه؟ وعندما رأى بعض الأوراق أمامها.. اقترب منها سريعاً قائلاً بلمعة: فنانة يا زهرة. فنظرت إليه زهرة بنظرات ممتنة وهي ترى التشجيع الذي تحصل عليه منه وحده.. وشردت في شريف الذي لا يعيرها أي اهتمام.. ولكنها ما زالت ممتنة له فهو أساس نجاحها هذا في البداية فلولاه ما كانت هنا الآن. وتنهدت بصوت غير مسموع وهي تهتف باسمه: آه يا شريف... هتفضل لحد أمتى بعيد عني؟ وأفاقت على صوت عمران وهو يتساءل: بس ليه حاسس بنبرة حزن في تصميماتك؟ لتُطالعه زهرة بصمت وهي لا تعرف بما ستُجيب عليه. .............................................................. طالعت جميلة الطبيب بصدمة بعد أن تفحص تحليلها، فالطبيب يُخبرها دون رحمة بأن لديها سرطان في الرحم.. لتجده يكمل باقي عباراته: والرحم لازم يتشال. فسلطت أنظارها عليه وهي لا تُصدق بأنه يطلب منها أن تزيل رحمها وهي ما زالت بنتاً.. ما زالت لم تذق طعم الأمومة كي تتخلص من أهم جزء في كونها كامرأة. لتهتف به بأعين يكسوها الدموع: أنت لازم تتصرف.. استأصل الورم من غير ما تشيل حاجة.. وظلت تبكي بهستيريا وهي تخبره: أرجوك ساعدني. ليُطالعها الطبيب بإشفاق، ولكن لم يكن بيده أي شيء.. فالورم قد انتشر ولا بد من إزالته ولن يستطيعوا فعل هذا غير باستئصال الرحم. ليحرك لها الطبيب رأسه بأنه لا بد من فعل ذلك.. لتشرد هي عندما بدأت عادتها الشهرية تأتيها بكثرة.. وبنزيف مستمر.. فقررت أن تذهب للفحص. ............................................................... خطت قدماها بصعوبة نحو مقر شركته.. لتُطالع غرفة مكتبه بوجع.. وتذكرت في بداية عملها عندما كانت تأتي إليه.. وفجأة سمعت صوت رامز من خلفها وكان هو معه وهتف بمرح: أخيراً يا زهرة شوفناكي هنا، أنا قولت خلاص زهرة نستنا وعمران أخدها مننا. فابتسمت له زهرة بألم وهي ترى نظرات شريف تتجاهلها، وكادت أن ترد على رامز إلى أن سمعت صوت شريف وهو يتجه نحو مكتبه: أنا داخل مكتبي عشان أشوف الإيميل اللي اتبعت وأنت حصلني يا رامز. وتركها دون أن يسألها حتى عن سبب وجودها. لينظر إليها رامز بعد أن رحل صديقه قائلاً بتساءل: هو أنتوا زعلانين مع بعض ولا أيه يا زهرة؟ فتمتمت زهرة بخفوت: لاء.. وتابعت باختناق: هي فين جيداء صحيح؟ فطالعها رامز بتساءل: جيداء سافرت سويسرا من شهر تقريباً وقررت تستقر في حياتها هناك. لتبتسم إليه زهرة بخفوت.. وتنهدت قائلة وهي تُغادر: طب أنا نازلة بقي عشان أشوف شغلي. فودعها رامز بعينيه في صمت.. ليتجه بعدها إلى شريف. .............................................................. أخذ يزيل رابطة عنقه باختناق وهو يتذكر ملامحها الباهتة التي قد انطفأت ونظرة عينيها المكسورة.. فشعر بالألم من حالتها تلك.. فهو قد كسرها كما كسرته بخوفه منه وجعله كالمغفل. ليجد رامز يهتف به بتساءل: أحرجت زهرة على فكرة، مهما كنت زعلان كده منها متعملهاش كده... ليتنهد شريف قائلاً بلامبالاة: خلينا نشوف شغلنا يا رامز. .......................................................... هبطت إلى مكتبها سريعاً.. كي تترك لدموعها العنان، ووضعت يدها على قلبها وهي تهدئ من حالته قائلة: هتفضل تتوجع لحد أمتى من غير ما تتكلم..؟ وفجأة وجدت إحدى صديقاتها التي تعرفت عليها مؤخراً وقد كانت فتاة تونسية.. زينب: زهرة أنا حجزتلك عند دكتورة كويسة عشان تطمني على البيبي. لتمسح زهرة دموعها سريعاً.. فتقترب منها زينب قائلة بتساءل: مالك يا زهرة أنتي بتعيطي يا حبيبتي؟ فحركت زهرة رأسها بفتور وهي تمسح دموعها قائلة: مافيش حاجة يا زينب.. ميعاد الدكتورة أمتى؟ فطالعت زينب ساعتها قائلة: بعد ساعة.. نستأذن ونخرج. فابتسمت إليها زهرة بابتسامة ممتنة قائلة: طب يلا. .............................................................. وقفت فرحة بجانبه تتأمل شبكتهما وهو ينتقيها.. فمر شريط ذكرياتها مع مصطفى منذ اعترافه بحبه لها.. إلى فرحتها عندما جاء يطلب من والدها.. حتى يوم شبكتهما وعقد قرانهما. لتنحدر دمعة من عينيها.. مسحتها سريعاً وهي تُشاهد حازم ينتقي هو أيضاً دبلته الفضية، وأقتربت منه وهي تنظر إلى دبلتها التي تلمع في بنصرها، داعية من قلبها وبصوت خفيض: يارب ديمها نعمة في حياتي. .................................................................. وقفت زهرة مذهولة.. وهي تراه أخيراً يتحدث معها، ورغم أن نبرة حديثه كانت قوية.. إلا أنها شعرت بالسعادة بأنه أصبح يشعر بوجودها. لتجده يسألها بجمود: كنتي فين، السواق قالي إنك مروحتش معاه.. مع إنه استناكي في ميعاد الانصراف. فتذكرت زهرة أمر السائق الذي يصطحبها صباحاً بعدما يُغادر هو ذاهباً بمفرده.. ويأتي عند انتهاء دوام عملها ليصطحبها... حتى تجاهله كان في هذا أيضاً. لتُمتم زهرة بخفوت: روحت مشوار مع زينب صاحبتي. فأقترب منها شريف بجمود وهو يهتف بها بغضب: والهانم مقلتش ليه قبل ما تخرج، ولا خلاص فاكرة نفسك مش متجوزة؟ فابتلعت كلمته بوجع.. فهي بالفعل أصبحت لا تشعر بأنها امرأة متزوجة.. هي الآن تشعر بالوحدة والمرارة. وتنهدت بألم: لما طلعتلك الشركة.. كنت جاية أقولك، بس أنت قولت وراك شغل وما سألتنيش حتى أنا هنا ليه. فطالعها بصمت.. وهو يعلم بخطئه وتساءل ببرود: وروحتي فين بقي؟ ظلت تتأمله للحظات وهي لا تعلم أ تخبره أنها ذهبت لتطمئن على طفلهما أم تظل صامتة.. وهتفت بتنهد: زينب كانت تعبانة شوية فروحت معاها للدكتور. فتأملها قليلاً.. وهو يحرك رأسه بصمت إلى أن قال: كتب كتاب هشام كان النهارده! ................................................................. أحياناً نظن بأن الحياة ستظل دوماً هادئة دون عواقب، رغم أن الكون ليس كذلك.. فالبحار رغم صفائها لها أمواج تقتلع كل ما حولها.. والسماء رغم جمالها يأتي الرعد ليجعلها كالصاعقة، وأيضاً الجبال رغم سكونها تتهاوى قممها أحياناً. كان لا يعلم لماذا يعاقبها.. أيعاقبها على ماضٍ لا ذنب لها فيه؟ فهي أحبت مثلما أحب هو.. فماذا يفرق الآن؟ هل لأن أخاه هو حبيبها السابق أم ماذا.. أم يعاقبها على خوفها منه وعدم إخبارها له بهوية حبيبها في البداية... ليردف إلى حيث يجدها دوماً، فقد كانت تقف تنظف المطبخ الذي يلمع من كثرة تنظيفه، ووقف مصدوماً عندما وجدها تسحب منامتها الواسعة للخلف كي تضيقها على خصرها وأسفل بطنها، ولولا وقوفها بزاوية ما كان شاهد بروز بطنها الصغير. ليسمعها تهمس بحب وهي تضع يدها على بطنها: تفتكر بابا هيعرف بوجودك أمتى؟... وفرت دمعة هاربة منها تتذكر فيها تجاهله إليها منذ 4 أشهر عندما قررت أن تخبره بكل شيء بعدما علمت بزواج هشام من أخرى والتي لم تكن أختها بل صديقتها "منه". ليُصعق هو مما سمع؛ فزوجته -بالتخمين- حامل منذ 6 أشهر، وتسأل طفلها متى ستخبر والده بحقه فيه.. ليفهم الآن سبب طلبها من عمران أن تعمل في البيت منذ شهر ونص، وأيضاً ارتدائها دوماً ملابس واسعة أمامه، غير هروبها منه بعدما تسأله عن أي شيء يُريد أن تفعله له. كل ذلك التخبط كان يدور بعقله.. ليجد نفسه يقترب منها أكثر حتى همس بضعف: يا مجنونة لسة بتفكري تقولي لي؟ لتشهق زهرة فزعاً.. وهي تراه أمامها.. لتجد نفسها ما زالت تقبض على ثوبها.. فتركته سريعاً. ليُتابع هو حديثه: عايزة تقولي لي يوم ما تروحي تولديه..؟ لتنظر إليه زهرة بأعين دامعة قائلة: كل مرة بفكر آجي أقولك فيها.. كنت بتتجاهلني. وتعالى صوت نحيبها وهي تُتمتم: أنت عملتني وحش أوي يا شريف، أنا ما كنتش مصدقة إنك أنت. فابتسم إليها بدفء.. فهو حتى لو لم يعلم بحملها.. كان سينهي تلك المهزلة.. فأخوه قد تزوج وأصبح له حياة.. وهي وحدها من تحملت الذنب.. وأخرج فيها غضبه.. وعاقبها شهوراً. فضمها إليه بندم: بعدي عنك كان تعبني أكتر منك يا زهرة، بس كان لازم ده يحصل عشان أعرف آخد قرار. فارتجف قلبها من قراره.. وظنت بأنه سيتركها. ليبتسم قائلاً: مقدرش أبعد عنك يا مجنونة، أنتي حياتي كلها يا زهرة. وعندما تعلقت نظرات أعينهم.. أخفض بيده نحو بطنها كي يتحسس جنينهما بحب، ليجدها تبتعد عنه قائلة بتذمر: أنا كمان لازم أعاقبك وآخد حقي منك. فعادت الضحكة تظهر في ملامحه ثانية ليهتف بدعابة: هنقضيها بقي عقاب.. ونضيع حياتنا؟ لتُتمتم هي بغضب مصطنع: أنت اللي بتعاقب بس، اشمعنا أنا؟ ليُلامس وجهها بأنامله وهو يتساءل كي يُغير حديثهما هذا: ولد ولا بنت؟ فرسمت ابتسامة صافية على ملامحها ونظرت للأسفل نحو بطنها قائلة: ولد. ليجذب خصلات شعرها برفق قائلاً بوعيد: هنتقم منك لما تولدي يا مجنونة! الـــفصل الأخــيــر ( الــجــزء الــثــاني ) فتح عينيه عندما شعر بملمس ناعم وأنفاس تقترب منه، لينظر إليها فيجدها نائمة بجانبه على الفراش. فطالعها بنظراته إلى أن اقتربت منه لتضع رأسها على صدره قائلة: "هكون زوجة صالحة يا حاتم صدقني.. وهعلم ولادي أن الحب هو أهم شيء في الحياة". ليجد حاتم ذراعه تمتد دون شعور ليحتويها من خصرها.. فشعرت بنجاح تلك المهمة التي طلبتها منها الطبيبة من أجل أن تُصلح علاقتها به ما دام هي تُريده. ورفع وجهها بأنامله وهو يتنهد: "هعاقبك على كل لحظة كنتِ قدامي ومقدرتش أقرب منك فيها". ومال عليها بنظرات عطشة.. فوجدها تبتسم إليه قائلة: "يعني مش هتسيبني؟" وكانت الإجابة ليلة لم تكن تحلم بها يومًا.. فقد جعلها تشعر كأنها تعلو في السماء.. فزوجها بالتأكيد خبير بما يجعل امرأته تذوب بين يديه. .................................................................. كان يجلس بجانب والدته بدفء.. ليجد زوجته تقترب منه وهي تحمل الصغيرة وبيدها الأخرى تحمل طعامها.. ليبتسم إليها هشام بحب.. فرغم هجرانه لها، ومكوثهم كل واحدٍ منهم بغرفة، إلا أنها تتعامل معه برضى، راضية بكل ما يقدمه لها وتفعل من أجله ومن أجل ابنته كل شيء، حتى والدته أحبتها. وابتسم وهو يتذكر يوم أن جاء بها هنا ليُعرفها عليها، فكان ردها: "شايفة فيها نظرة خير يا بني، شكلها طيبة وهتسعدك". ولم تُخيب نظرة والدته حتى الآن.. فهو بعد ظلمه لنهى أصبح لا ينظر للناس مما كانوا عليه في الماضي، فالجميع يُخطئ ولكن ليس الجميع يشعرون بالندم ويصلحون من أنفسهم. لتجلس منه بالقرب منهم على استحياء من نظراته المتفحصة فيها... وظلت تُطعم الصغيرة بأعين هاربة، لتسمع صوت حماتها الضاحك وهي توكز ابنها على ذراعه: "خد مراتك وروح.. بدل النظرات ديه". فطالع هشام والدته وهو يُقبل يدها بدفء قائلاً بدعابة: "بتطردينا يا ست الكل؟". فابتسمت إليه والدته برضى وهي تدعو له بالسعادة. ................................................................. فتحت عينيها بصعوبة وهي تشعر بالألم في كل أركان جسدها.. فطالعتها الممرضة بتساؤل: "انتي كويسة؟". فلمعت عينا جميلة بالدموع وهي ترى بأن كل شيء قد تحطم، وأنها أصبحت لا تصلح لشيء. لتقترب منها الممرضة بإشفاق: "اهدي عشان غلط عليكي". وذهبت كي تأتي بالطبيب لفحصها. وأغمضت عيناها وهي تتذكر كذبتها على والديها، بأنها ستسافر من أجل مشروع مهم رشحتها له الشركة، لتكون هنا اليوم بمفردها.. فهي لا تُريد أن ينظر أحد إليها بإشفاق حتى والديها. .................................................................. شعرت بسعادة وهي تراه يجلس معها عند الطبيبة.. فأخيراً دعوتها قد استجابت وأصبح شريف معها الآن. لتمسك بيده قائلة بمرح: "لما يتولد هقوله إنك مكنتش بتهتم بمامته". ليضحك شريف على عبارتها وهو يضمها بأحد ذراعيه قائلاً: "وأنا هقوله إن أمك الهابلة خبت عليا وجودك وقال إيه خايفة مني..". وتابع حديثه بغرور ومشاكسة: "ده أنا مافيش أطيب من قلبي يا ظالمة". فلمعت عينا زهرة بالسعادة وهي لا تُصدق بأن كل شيء قد انتهى منذ أن علم بحملها.. وعاد شريف كما كان. ليلاحظ شريف شرودها فيه قائلاً بأسف: "عارف إني كنت قاسي يا زهرة، بس ده عقابك عشان تتعلمي إزاي متخافيش". وتابع بتنهد: "كنتِ خايفة مني يا زهرة، المفروض أكون أنا أمانك وأقرب حد ليكي". فطالعته زهرة بألم.. وهي تتمنى أن ينسى فعلتها.. ليسمعوا صوت نداء دورهم فيقفوا سويًا في صمت ولكن ذراعه ما زالت تحتويها. ................................................................... باغتها هشام باحتضانه لها وهو يشعر بالسعادة بعدما هاتف شريف الذي أخيراً غفر له فعلته.. وعلم منه بحمل زهرة. ورغم أنه شعر بالحزن عندما طلب منه مازحاً بأن يعود إلى مصر ويستقر.. فردّه كان: "بأن الوقت لم يحن.. وأن غربته ستطول لفترة". فأخوه يُريد أن يبتعد عنه وهذا ما آلمه.. ولكنه يعلم في النهاية سيسير كل شيء على ما يرام.. فكل منهم أصبح لديه عائلة. ليفيق من شروده على تملصها من بين ذراعيه.. فيلتقطها ثانية، لتهتف به قائلة: "سيبني يا هشام.. عشان آكل نهى". فتنهد هشام بحنق: "هو في إيه.. هي نهى ديه ذكر بط مثلاً عمالة تزغطي فيه؟". فضحكت على نبرة صوته.. ليُتابع قائلاً: "نهى نامت على فكرة". فابتعدت عنه أخيراً لتهمس بهدوء: "طب هروح أنام أنا كمان". ليجذبها هشام إليه قائلاً بمكر: "نوم تاني لوحدك مافيش". وقبل أن تُبدي أي اعتراض أو تتساءل عن تغير قراره، كان يحملها بين ذراعيه وهو يهمس بدعابة: "يارب ما نهى تصحى!". .............................................................. ورغم حزنها بأنهم لن يأتوا لمصر لسنوات وأنها ستلد هنا، إلا أنها شعرت بالراحة قليلاً من أجل تلك الهدنة.. ليقترب منها شريف وهو يُطالع بطنها قائلاً بدعابة: "أنا شاكك في الحمل ده.. انتي عندك انتفاخ صغير ولا إيه يا زهرة؟". فضحكت بتعب: "ما عشان كده قدرت أخبي عليك". فجذبها نحوه.. وظل يُطالعها بتوعد: "متفكرنيش بعملتك المهببة..". وعندما وجدها تضحك ثانية نظر إليها بتمعن وهو يهتف: "أول مرة أشوف ست بتحلو في الحمل". فشعرت بالخجل من مغازلته وتنهدت بشوق: "الله يخليك يا شريف متبعدش عني تاني مهما كان". فظل يتأملها بندم على ما فعله بها وقسوته معها.. ورفع يديها الاثنتين نحو شفتيه ليقبلهما بدفء قائلاً: "صدقيني يا زهرة هجري ليكي مكنش غير إني كنت محتاج أفكر..". وتابع بحديثه: "ولما فكرت لقيتني بسأل نفسي سؤال: إزاي أعاقبك ومعاقبش نفسي؟ ما أنا برضه عشت قصة حب.. ولا هو بيكون حلال للرجل وحرام للست؟". وبعدما أنهى عباراته.. اندفعت نحوه سريعاً تتخذ حضنه أماناً لها. ................................................................... وبعد خمسة أعوام..! كان يقف يصفق بحرارة وهو يراها تُكرم كمصممة عربية، ليجد أنامل صغيرة تجذبه من بنطاله.. ليتذكر صغيره الذي يقف بجانبه وقد نهض من على مقعده عندما نهض هو، ليُطالعه الصغير بعينيه السوداوين اللامعتين: "شيلني عايز أتفرج على مامي". ليهبط شريف لمستواه ضاحكاً وهو يحمله وتنهد قائلاً: "هو في راجل بيتشال؟". لتنكمش ملامح الصغير بطريقة مضحكة.. ويبتعد بوجهه عنه وهو يُتمتم: "أنا مس عارف بتحبك على إيه..". ليحملق شريف فيه.. وهو لا يُصدق بأن هذا الطفل المتمرد صاحب اللسان الطويل.. طفله هو وزهرة. وطالعه وهو يلوح لوالدته بيده قائلاً: "مامي.. مامي.. هييه.. هييه". لتركض زهرة نحوهم بعد أن ألقت كلمتها بسعادة ومنحت تلك الهدية لعائلتها الصغيرة. واقتربت منهم بحب: "حبايبي الحلوين أوعوا تكونوا اتخانقتوا تاني". ليمسك شريف وجه طفله وهو يضغط عليه برفق: "أنا وفهد نتخانق برضه؟". وقذفه نحوها وهو يُتمتم: "أنا حاسس إن الواد ده مش ابني". ليُطالعه الصغير بنظرات ضائقة، واقترب من وجه والده بتذمر قائلاً: "آه أنا ابن مامي لوحدها". وأخرج له لسانه.. ليضحك شريف على طفله الذي يناكشه دوماً وحمله منها ثانية مُتذكراً بأنها في بداية حملها الثاني، قائلاً بتوعد: "العيل التاني لو مطلعش بنت.. هطردك انتي وابنك". فوضعت زهرة يدها على فمها وهي لا تُصدق بأن هذا هو زوجها.. الذي يهابه الجميع فهو في السنوات الأخيرة أصبح اسمه يعلو بصدارة. وتبطئت بذراعه وهي تستمتع بمشاكسة فهد له... حتى انتهت المشاكسة بقبلة من الصغير على وجنتيه. لتسمع شريف يخبره بفرح: "حبيب بابي". فيرد عليه الصغير: "حبيبي يا شقيق". ليلتف نحو زهرة غير مصدق لما تفوه به قائلاً بصدمة: "انتي متأكدة إن الواد ده ابننا؟". فضحكت زهرة وهي تُطالع طفلها المتشرد كما تطلق عليه قائلة: "بصراحة لأ..". وتذكرت ما فعله بها في حملها قائلة بحنق: "أنت السبب على فكرة.. نفسية فهد اتكونت بسببك". فرفع إليها أحد حاجبيه وهو لا يُصدق ما تتفوه به... ليهتف قائلاً: "والله.. ماشي يا زهرة". فابتسمت زهرة بسعادة وهي ترى تغير ملامحه.. وعندما ركبوا سيارتهم مالت عليه لتُقبل إحدى وجنتيه قائلة: "بضحك معاك يا حبيبي!". ليبتسم إليها بعشق.. وغمز لها بإحدى عينيه كي تفهم مقصده. ثم نظروا إلى طفلهم القابع بالخلف.. ليجدوه يُطالعهم بتذمر قائلاً: "صالحوني أنا كمان". فضحك كلاهما وهم يُطالعونه بحب.. ثم اقتربوا منه ليقبلوه. .................................................................. لم تُصدق نفسها عندما أخبرها بأنهم أخيراً سيعودون لوطنهم ويعيشون بكنف عائلتهم... ولكن عندما هبطت بقدميها هي وهو وطفلهم على أرض المطار أدركت أنها لا تحلم. ليضمها شريف بذراعه وبذراع أخرى يمسك يد طفله قائلاً: "ربنا يخليكم ليا". .................................................................. خطا بأقدامه نحو والدته التي كانت قابعة وتحت أقدامها أطفال أخيه يلعبون... لتصحو والدته من غفلتها القصيرة على صوت أحفادها.. لتُطالع الواقف أمامها بشوق. وتمتمت بخفوت: "أنا مش بحلم يا شريف". ليقترب منها شريف أكثر.. وينحني نحو والدتها ليقبل يداها، فضمته إليها بحب وظلت تقبله باشتياق.. غير مصدقة أنه الآن بين أحضانها.. فقدومه لم يعلم به أحداً. لتهمس بعتاب: "مش هخليك تسافر تاني، حتى لو اضطريت أضربك وأحبسك". فضحك وهو يستمع لحديث والدته.. ونظر إلى زهرة وطفله الواقفين ينظرون إليهم بابتسامة هادئة. وشعر اليوم بأن أكثر الأشياء حقاً مرهقة عندما يتركك أولادك.. ويرحلوا بعد أن أفنيت عمرك لأجلهم، فهو لم يفهم ذلك الشعور إلا عندما أصبح أباً. لتبعده عنها بذراعيها بعدما لمحت حفيدها وزهرة، وفتحت ذراعيها إليهم لتتقدم زهرة نحوها باشتياق هي والصغير الذي يقف يُطالع أبناء عمه وهم يلعبون بألعابهم. وبعد عناق دام طويلاً.. هتفت بـ زهرة بوعيد: "أنا جوزتهولك عشان ميسافرش تاني، سامعة؟". فضحكت زهرة على نبرة والدة زوجها الحنونة.. ونظرت إلى زوجها، ليبتسم شريف قائلاً: "إحنا خلاص يا ماما قررنا نعيش هنا..". فخفق قلب والدته وضمته بذراعيها وأخيراً قد تحققت أمنيتها.. ليسمعوا صوت مشاغبة الصغار مع بعضهم.. فهشام أصبح لديه طفل من منه.. فنظر شريف إلى طفله الذي هو أساس ذلك الضجيج، ليسمعه يُعنفهم قائلاً بطفولة: "وسعوا كده خليني ألعب معاكم". فتتأمله جدته وهي تنظر لوالده قائلة: "طالع لعمو هشام". ليردف في تلك اللحظة هشام وبجانبه منه من باب فيلته التي يقطنها هو وعائلته الصغيرة.. ليُطالع أخيه بدهشة واقترب منه بسعادة: "مين بقي اللي طالعلي يا ست الكل؟". وعانقه بشوق وهو لا يصدق بأنه أخيراً قد رأى أخيه وقد تبدلت نظراته من العتاب إلى الحب. ليهمس في أذنه بحب: "وحشتني أوي يا شريف". ليضمه شريف إليه أكثر... إلى أن وجد أيدٍ تتشبث به، فيعلم بأنه المتشرد طفله.. ليبتعد عن أخيه فيسمعه يهتف: "ابعد خليني أبوس عمو هشام". لينظر إليه هشام ضاحكاً، وانحنى بجسده كي يحمله بحب.. ليهتف بهم شريف قائلاً: "نسختك، اتفضل يا سيدي!". ليُطالع هشام الصغير وهو يدغدغه قائلاً: "سيبهولي بقى". ليتركهم شريف ويتجه نحو أبناء أخيه الذين قد تخلوا عن اللعب وأصبحوا يأخذون دور المتفرجين وفتح ذراعيه إليهم بدفء قائلاً: "أنا خليني مع نهى وأدم.. دول بقى اللي طالعين لعمهم مش زي المتشرد ابني". لتضحك والدتهم عليهم وهي تربط على أقدام زوجات أولادها الجالسين بجانبها. .................................................................. خطت زهرة بخطوات سريعة نحو والديها وقد ظهر عليهما الشيب أكثر.. لتُعاتبها والدتها قائلة: "براحة يا زهرة عشان اللي في بطنك". لتبتسم إليها زهرة وهي تشعر بالسعادة... فأخيراً أصبحت بينهم.. وترى نظرات والدها المتلهفة على حفيده. وعندما رآه تركهم ليذهب إليه.. فالصغير قد أطَار عقله منذ أن جاء ليحتل مكانة كبرى في عقله وقلبه. لتنظر والدتها إلى الأنوار المعلقة في الحديقة قائلة: "ما شاء الله يا بنتي، ربنا يباركلك انتي وشريف". وعلى نطقها لاسم شريف.. وجدته يقترب منهم ليُقبل يدها بحب قائلاً: "منورة بيتك يا ماما". فربطت هي على كتفه بحنان.. فهو لم يخن ثقتها به يوماً. ليتساءل: "فين جميلة؟". لتهمس بحزن على حال ابنتها الذي تغير منذ سنين.. وأصبحت تقتل نفسها بعملها.. فهي أصبحت ناجحة في مجالها ولكن قد خسرت أشياء أخرى في حياتها. وهتفت بحزن: "قالتلي هتيجي بعد ما تخلص شغلها". ليمسك شريف بيدها وهو يُطالع زوجته التي تقف بجانبها... ويبدو أنها حزينة على حال أختها المتغير الذي لا يعلم به أحد. ................................................................ كان الكل يضحك رغم ما بهم من هموم.. فتلك الحفلة التي فعلها شريف من أجل عودته وبدئه صفقته الجديدة مع حاتم، كانت هي عودة تجمعهم كأسرة. ليأتي المصور طالباً منهم بأن يقفوا جميعهم ليلتقط لهم صورة عائلية... وعندما وقفوا جميعهم مصطفين بابتسامة واسعة قبل التقاط الصورة، خرجت زهرة راكضة من بينهم نحو شقيقتها التي جاءت أخيراً.. لتضمها بذراعيها. فضمتها إليها جميلة بوجع أصبح يمتلك قلبها.. لتجد زهرة تجذبها من يدها قائلة: "يلا يا جميلة عشان تتصوري معانا". فوقفت جميلة للحظات تُطالعهم.. وهي تظن بأن جميعهم يقفون يُطالعونها بإشفاق ولكن كل واحدٍ منهم كان مشغولاً بعائلته الصغيرة.. فهشام يقف بجانب منه وطفليه، وحازم يقف بجانب فرحة يضمها بذراعيه لحضنه ويحمل طفلته الصغيرة بذراع، وحاتم يضم شريف الذي اقترب منه في الطول بحنان أبوي.. ومريم تحتضن ابنتها إليها، وكل من والديها يبتسمون إليها بابتسامة حزينة على حالها، والباقي يقفون منتظرين التقاط الصورة بعد أن أوجعتهم أقدامهم من الوقوف. فلم تشعر بنفسها إلا وهي تقف وسطهم بعد إصرار زهرة عليها.. وعندما استمعت لصوت المصور وهو يبدأ في الاستعداد لالتقاط الصورة، وقفت في الهامش كي لا يلتقطها المصور بينهم. ليبتسم إليهم المصور بعدما التقط الصورة.. ونظر في عدسة كاميرته لكي يُطمئن على التقاطه للصورة، فيكون وجه شريف وزهرة من يتوسط الصورة ناظرين إلى أعين بعضهم بحب.. والآخرين حولهم يبتسمون، أما واحداً يقف على أطراف الصورة.. لا يظهر سوى جزء منه. ومن هنا تنتهي حكايتنا. وتوتة توتة خلصت الحدوتة بحلوها ومرها، لنعلم أن الحياة لا تتوقف عن إعطائنا الدروس دوماً، وكل منا سيجد عبرة خاصة به وحده ليتعلم منها. الــــنـــــهـــايــــــه بــــقــــلــــمـــ سهام صادق & سيمو رواية زوجة أخي.