زوجة أخي الاخير سهام صادق

الـــفــصــل الأخـــيــر (الــجــزء الأول)
شعر بدوار يلفح رأسه فأغمض عينيه وهو لا يستوعب ما نطقت به للتو، ولكن ما جعله يفيق من غيبوبته الضئيلة صوت نحيبها الذي يعلو تدريجياً.. ليهمس داخل نفسه:
هشام هو حبيبك الأولاني يا زهرة، هو ده اللي خلاكي تفقدي ثقتك في الناس.. وتذكر عبارات والدتها عندما أخبرته يوم عقد قرانهم عنه.. إلى أن جاء إليها يوماً وجلس معها بمفردهما لتقص له الحكاية وكيف تعلقت به زهرة وتقرب منها ليخدعها.
ليشرد فيما كان داخله عندما علم بذلك… فشعر بغضب لا يعلم سببه رغم أنه في البداية لم يكن يحبها بل تزوجها زواجاً تقليدياً وبهدف.. ولكن اليوم والثقل الذي يشعر به داخل قلبه قد تغير تماماً… فالتفت إليها ببطء شديد عندما سمع صوت نحيبها يزداد وهي تتساءل بضعف وخوف:
أنت هتسيبني يا شريف على غلطة ماليش ذنب فيها؟
ورغم أنه يعلم أن لا ذنب لها الآن فما حدث كان ماضياً، إلا أنه في تلك اللحظة لا يُدرك لما وقف غاضباً بهذا الشكل.. فلو كان أخوه أمامه الآن لكان خنقه لأنه عبث بقلب زوجته قبله.. وجعل قلبها يدق إليه أولاً، وهو من له الحق بذلك.. خنقه لأنه لم يخبره حتى الآن عن ذلك الأمر…
ليُطالع ملامحها بجمود قد قتلها قائلاً: أنتي عارفة إحنا بقالنا أد إيه متجوزين؟
فحركت زهرة رأسها إليه بسكون تام.. فوجدته يتساءل بغضب: ولسة فاكرة حضرتك تصارحيني النهارده؟
لتغمض زهرة عينيها وهي تلوم جبنها هذا.. الذي يضيع حقها، وكادت أن تُبرر فعلتها.. إلا أنها سمعت صوته الصارخ: عارفة أنا في نظر نفسي إيه دلوقتي؟
لتُسلط زهرة أعينها عليه وما زالت دموعها تتساقط، فوجدته يخبرها بغضب: راجل مغفل… أنتي وأخويا خدعتوني.
ورفع بيده نحو فروة رأسه.. ليغزر أنامله بقوة في خصلاته السوداء الناعمة.. وهو يتذكر أول مرة اجتمعوا فيها، فقد كان في المطار قبل رحيلهم… وتعود ذاكرته إلى يوم وجدهم بالمطبخ سوياً بعد أن جرحت يدها.. ثم رحيل أخيه.
كل ذلك كان يدور بعقله دون هوادة، إلى أن وجدها تهمس بضعف: لو مش هتسامحني، طلقني يا شريف.. بس اللي لازم تكون متأكد منه.. إن من يوم ما اتجوزتك وحتى اتخطبتلك عمري ما بصيت لأي راجل غيرك ولا قلبي حب غيرك..
لتسقط كلمة طلاق على أذنه كالجمر، فأقترب منها بغضب وأمسك ذراعيها ليتوعد بشر: طلاق مش هطلق، سامعة…
وقذفها بذراعيه لتسقط أرضاً متأوهة.. ثم سمعت صوت باب شقتهما يُقفل بعنف.
لتضع يدها على بطنها وهي ما زالت أرضاً.. متألمة من دفعته لها وهي تهمس بخذلان: هو ده اللي كنت خايفة منه.. محدش بيسامح ولا بيغفر غلطة ملناش ذنب فيها.
………………………………………………………….
ذهبت إليه في الشركة حتى تفهم منه ما ينوي فعله…
فعقلها يُخبرها بأنه فعل ذلك من أجل أن يُهين جميلة.
وعندما سمحت لها سكرتيرته بالدخول.. دخلت منه بوجه آخر غير وجهها الذي كان يتراكم عليه طبقات مساحيق التجميل… كأن بها شيئاً غريباً وبملابسها، فمنه قد ارتدت الحجاب…
وظل للحظات يُطالعها، ناظراً إلى كل إنش فيها، حتى وجدها تشيح بوجهها بعيداً عن نظراته المتفحصة.
فتنحنح بجدية قائلاً: إيه الموضوع المهم اللي كنتي عايزاني فيه؟
فتمتمت منه بخفوت: أنت عايز مني إيه؟
ليضحك هشام على عباراتها قائلاً بجدية: أتجوزك، إيه الغريب في كده؟
فابتسمت منه بتهكم وهي تستمع إليه قائلة بخفوت: تتجوزني أنا… حضرتك واعي باللي بتقوله؟
وتابعت بمرارة: أقولك أنت هتتجوز مين؟
ليجف حلقها وهي تتذكر أفعالها القديمة قائلة بأنفاس متقطعة: هتتجوز إنسانة زبالة.. بتسهر في الديسكوهات.. ومقضياها بمزاج.
ليبتسم هشام لما هو يعلمه عنها بكل تفاصيله وتنهد بضيق قائلاً: ماضيكي أنا ماليش دخل فيه.
ثم تابع بجدية وهو يجلس على كرسيه ليُتابع أعماله: اعملي حسابك هفوت عليكي بالليل عشان تتعرفي على والدتي وأختي.
لتقف منه مذهولة مما تسمع.. فهي توقعت بأنه يتلاعب بها، وأنه اليوم سيُخبرها بأنها كانت مجرد دور في لعبة.
لتجده منشغلاً بما يتفحصه وكأنه يخبرها بأن لا وقت لديه الآن.
…………………………………………………….
نظر إلى معالم وجهها الصافية وهي تُلاعب طفلها في حجرته… فيومان في المتابعة مع تلك الطبيبة أصبحت هكذا.
ليتساءل داخله بما فعلته الطبيبة.. ليشرق وجهها هكذا، وتجعله يجن… ووجدها تتمايل بخفة وهي تُساعد صغيرها في رسوماته… ليغلق الباب سريعاً.. عندما شعر بأن تفكيره نحوها يأخذ مدخلاً آخر.. فهو لو ظل واقفاً هكذا.. سيروي عطشه الآن منها حتى لو كان أمام صغيرها وسينسي أمر انفصالهم.
لتبتسم مريم بعد أن سمعت انغلاق الباب.. وتذكرت آخر جملة قالتها لها الطبيبة في الجلسة الماضية:
“انتي مش مريضة ولا حاجة يا مريم، كل اللي أنتي فيه بسبب كرهك لنفسك وتفكيرك ديماً أنك لو كنتي حصلتي على أول حب في حياتك مكنش حصل ليكي أي حاجة من اللي أنتي عايشاها دلوقتي.. مع إن ده أكبر غلط ممكن الإنسان يرتكبه في حق نفسه.. ويظن أن الخير كان في اللي فات.. رغم أن الخير بيكون ديماً في اللي جاي”.
وانحنت على صغيرها.. لتقبله برضى.. داعية الله أن يعطي إليها فرصة كي تنشئ حياة جديدة.
…………………………………………………………
نظرت منه إلى والدة هشام وأخته وهما يفحصانها بتمهل وعدم رضى.. رغم أن والدته عاملتها بمحبة ولم تشعرها بشيء، إلا أن وجودها في بيته جعلها تشعر بأنها ليست تشبههم.
وأخفضت رأسها سريعاً عندما رأت نظرات نسرين إليها الجامدة.. ليشعر هشام بكل ذلك التخبط، حتى وجد والدته تسير نحوها وهي تحمل الصغيرة قائلة: بتعرفي تشيلي الأطفال؟
ففنظرت إلى يدها الممتدة بالطفلة.. وحملتها بشعور غريب لا تعلمه.. شعور لأول مرة تجربه.. فيبدو أن الأطفال لهم نقاء غريب يخطفون به القلوب.
فطالعتها والدة هشام بنظرة عميقة.. وهي تتأمل كل تفصيلة فيها.
لتضم منه الطفلة لحضنها وتبتسم بسعادة.. وعندما وجدت الصغيرة تُطالعها بضحكة واسعة.. أقسمت أن لو كان لها نصيب على والدها فستجعلها كابنتها ولن تُضيعها كما هي ضاعت بسبب والديها وانفصالهم.
لتنظر نسرين إلى والدتها باندهاش وهي تُتمتم بخفوت: إيه اللي عملتيه ده يا ماما؟
فلم تعيرها والدتها أي اهتمام.. وسلطت أنظارها على ابنها الذي وقف مصدوماً مما يرى، فابتسمت قائلة كي تخرجه من كل تخبطه هذا: مبروك يا ابني..
فنظر إلى والدته بشك مما سمعه، ليجد ابتسامة والدته مرسومة على شفتيها.. رغم أنه قبل مجيء منه كانت تجلس عابسة رافضة كل هذا.. حزينة على زوجته الأولى وابنته.
………………………………………………………….
حطمها بتجاهله لها.. حتى أنه لم يعطها أي فرصة لبدء الحديث معه.. فسقطت دموعها وهي تراه يُحذرها بيده بأن تصمت.
فانصرفت زهرة من أمامه وهي ترى أن السعادة التي عاشت فيها معه قد ضاع بريقها.. فانسحبت بعد أن كانت ستخبره بحملها… فمن الممكن إذا علم بذلك ينسى ويُسامحها..
أما هو فوقف بنيران هائجة.. وهو يضغط على قبضة يديه التي ابيضت مفاصلها منتظراً حجز سكرتيرته تذكرة سفره.
………………………………………………………..
مسحت على وجهها المرهق، وهي لا تقوى على الحركة بسبب ذلك النزيف الذي يقضي عليها.. فلأول مرة عادتها الشهرية تكون بهذه القوة.
فدخلت عليها والدتها وهي تتساءل: اتصلي لي بشريف خليني أطمن على أختك.. أختك صوتها مش عاجبني.
لتُطالع جميلة والدتها بإرهاق وهي تخرج رقم شريف من هاتفها.. وتذكرت قبل أن تخبر شريف بكل شيء.. وجدته يسألها عن إذا كانت تعرف هوية حبيب زهرة السابق.. فأخبرته بالإيجاب، ليغلق بعدها الخط في وجهها.. وكأنه لم يتحمل الحقيقة.
………………………………………………………..
نهض هشام فجأة وهو يرى أخاه يقف أمامه.. ليلكمه شريف في وجهه فتمتم هشام بفتور: شريف اسمعني طيب.
ليلكمه شريف بلكمة أخرى وهو لا يشعر بنفسه… حتى ترنح هشام للخلف وهو يمسح الدماء التي تقطرت من أنفه قائلاً: اهدي الأول وبعدين نتكلم.
ليقترب منه شريف.. وهو يهتف بغضب: عارف يوم ما عرفت أنها كانت على معرفة براجل قبلي وضحك عليها واستغلها اتمنيت إيه… اتمنيت أخنقه بأيدي..
ليخفض هشام أعينه بانكسار وهو يشعر بالذنب بما كان يفعله واستغلاله لمشاعر الفتيات قبل زهرة.. لتأتي زهرة ويأتي بعدها تعقله وزواجه بمنه، وشعر اليوم بأن عبارة “كما تدين تدان” قد ردت له.. ففي النهاية إحداهن أصبحت زوجة أخيه وأصبحت من عائلته.
ليهوي شريف على الكرسي الذي أمامه وهو يُتمتم: لسة بتحبها؟
ليهتف هشام بصدق: والله يا شريف كل شعوري اللي كان اتجاه زهرة هو الذنب.. أنا عمري ما أخونك ولا أضيع ثقتك فيا.
فطالعه شريف بسخرية وضحك بخفوت: عمرك ما تخوني؟
وتابع بحديثه: لاء خونتني يا هشام وهي كمان خانتني.. لما مقلتوش ليا الحقيقة وخلتوني مغفل بينكم.
وتنهد بإرهاق: ماما قالت لي إنك هتتجوز.
وعندما ظل الصمت بينهم للحظات.. تابع حديثه بتهكم: مبروك!
ليُتمتم هشام بهدوء: الله يبارك فيك.
وعاد الهدوء بينهم ثانية.. ليلح سؤال يخشاه هو، وتساءل قائلاً: هتعمل إيه مع زهرة!
فرفع شريف وجهه نحو أخيه.. ولولا معرفته اليوم بأمر زواجه من امرأة أخرى لكان ظن بأن أخاه ما زال يفكر في زوجته.. فرغبة هشام بالزواج من أخرى جعلت ثورته تهدأ قليلاً.. ليقف شريف فجأة قائلاً: سيبك من حياتي.. وخليك في حياتك أنت.
ليقترب منه هشام سريعاً قائلاً برجاء: هتسامحني يا شريف مش كده؟
ليُطالعه شريف ببرود.. وانصرف من أمامه وهو يُتمتم: سيب السماح للزمن يا هشام.
………………………………………………………….
مرت الأيام بأحداث جديدة ورغم جمالها للبعض إلا أنها كانت على البعض الآخر باهتة.
جلست زهرة على المكتب الخاص بها كمصممة منذ شهر.. فهي عندما عادت إلى فرنسا أبلغها عمران بأن تصميماتها قد حازت على الفوز في المسابقة التي دخلتها الشركة.
لتتذكر زهرة سعادتها بالخبر في هذا اليوم.. وبحثت عن رقمه سريعاً لتخبره بما حدث، وعندما سمعت صوته.. أخبرته عن فرحتها، ليأتيها صوته البارد وهو يخبرها بأن عمران قد حدثه.. ثم أغلق الخط سريعاً دون حتى أن يبثها بكلمة حنونة.
فهبطت دموعها وهي شاردة في ذلك التصميم الذي أمامها، ومدت بيدها نحو بطنها التي اتخذت بروزاً صغيراً فهي في شهرها الثالث.. وهمست بضعف لطفلها: تفتكر لازم يعرف بوجودك..؟
ومر شريط جفائه معها وهي تُتابع بحديثها: هو مش عايزنا.. ولو عرف بوجودك هيفتكر إني بضغط عليه بيك.
وعندما وجدت عمران دخل غرفتها المستقلة.. ابتسمت إليه بفتور ليقترب منها قائلاً: مصممتنا المحترفة بتعمل إيه؟
وعندما رأى بعض الأوراق أمامها.. اقترب منها سريعاً قائلاً بلمعة: فنانة يا زهرة.
فنظرت إليه زهرة بنظرات ممتنة وهي ترى التشجيع الذي تحصل عليه منه وحده.. وشردت في شريف الذي لا يعيرها أي اهتمام.. ولكنها ما زالت ممتنة له فهو أساس نجاحها هذا في البداية فلولاه ما كانت هنا الآن.
وتنهدت بصوت غير مسموع وهي تهتف باسمه: آه يا شريف… هتفضل لحد أمتى بعيد عني؟
وأفاقت على صوت عمران وهو يتساءل: بس ليه حاسس بنبرة حزن في تصميماتك؟
لتُطالعه زهرة بصمت وهي لا تعرف بما ستُجيب عليه.
……………………………………………………..
طالعت جميلة الطبيب بصدمة بعد أن تفحص تحليلها، فالطبيب يُخبرها دون رحمة بأن لديها سرطان في الرحم.. لتجده يكمل باقي عباراته: والرحم لازم يتشال.
فسلطت أنظارها عليه وهي لا تُصدق بأنه يطلب منها أن تزيل رحمها وهي ما زالت بنتاً.. ما زالت لم تذق طعم الأمومة كي تتخلص من أهم جزء في كونها كامرأة.
لتهتف به بأعين يكسوها الدموع: أنت لازم تتصرف.. استأصل الورم من غير ما تشيل حاجة..
وظلت تبكي بهستيريا وهي تخبره: أرجوك ساعدني.
ليُطالعها الطبيب بإشفاق، ولكن لم يكن بيده أي شيء.. فالورم قد انتشر ولا بد من إزالته ولن يستطيعوا فعل هذا غير باستئصال الرحم.
ليحرك لها الطبيب رأسه بأنه لا بد من فعل ذلك.. لتشرد هي عندما بدأت عادتها الشهرية تأتيها بكثرة.. وبنزيف مستمر.. فقررت أن تذهب للفحص.
………………………………………………………
خطت قدماها بصعوبة نحو مقر شركته.. لتُطالع غرفة مكتبه بوجع.. وتذكرت في بداية عملها عندما كانت تأتي إليه.. وفجأة سمعت صوت رامز من خلفها وكان هو معه وهتف بمرح: أخيراً يا زهرة شوفناكي هنا، أنا قولت خلاص زهرة نستنا وعمران أخدها مننا.
فابتسمت له زهرة بألم وهي ترى نظرات شريف تتجاهلها، وكادت أن ترد على رامز إلى أن سمعت صوت شريف وهو يتجه نحو مكتبه: أنا داخل مكتبي عشان أشوف الإيميل اللي اتبعت وأنت حصلني يا رامز.
وتركها دون أن يسألها حتى عن سبب وجودها.
لينظر إليها رامز بعد أن رحل صديقه قائلاً بتساءل: هو أنتوا زعلانين مع بعض ولا أيه يا زهرة؟
فتمتمت زهرة بخفوت: لاء..
وتابعت باختناق: هي فين جيداء صحيح؟
فطالعها رامز بتساءل: جيداء سافرت سويسرا من شهر تقريباً وقررت تستقر في حياتها هناك.
لتبتسم إليه زهرة بخفوت.. وتنهدت قائلة وهي تُغادر: طب أنا نازلة بقي عشان أشوف شغلي.
فودعها رامز بعينيه في صمت.. ليتجه بعدها إلى شريف.
……………………………………………………..
أخذ يزيل رابطة عنقه باختناق وهو يتذكر ملامحها الباهتة التي قد انطفأت ونظرة عينيها المكسورة.. فشعر بالألم من حالتها تلك.. فهو قد كسرها كما كسرته بخوفه منه وجعله كالمغفل.
ليجد رامز يهتف به بتساءل: أحرجت زهرة على فكرة، مهما كنت زعلان كده منها متعملهاش كده…
ليتنهد شريف قائلاً بلامبالاة: خلينا نشوف شغلنا يا رامز.
………………………………………………….
هبطت إلى مكتبها سريعاً.. كي تترك لدموعها العنان، ووضعت يدها على قلبها وهي تهدئ من حالته قائلة: هتفضل تتوجع لحد أمتى من غير ما تتكلم..؟
وفجأة وجدت إحدى صديقاتها التي تعرفت عليها مؤخراً وقد كانت فتاة تونسية..
زينب: زهرة أنا حجزتلك عند دكتورة كويسة عشان تطمني على البيبي.
لتمسح زهرة دموعها سريعاً.. فتقترب منها زينب قائلة بتساءل: مالك يا زهرة أنتي بتعيطي يا حبيبتي؟
فحركت زهرة رأسها بفتور وهي تمسح دموعها قائلة: مافيش حاجة يا زينب.. ميعاد الدكتورة أمتى؟
فطالعت زينب ساعتها قائلة: بعد ساعة.. نستأذن ونخرج.
فابتسمت إليها زهرة بابتسامة ممتنة قائلة: طب يلا.
……………………………………………………..
وقفت فرحة بجانبه تتأمل شبكتهما وهو ينتقيها.. فمر شريط ذكرياتها مع مصطفى منذ اعترافه بحبه لها.. إلى فرحتها عندما جاء يطلب من والدها.. حتى يوم شبكتهما وعقد قرانهما.
لتنحدر دمعة من عينيها.. مسحتها سريعاً وهي تُشاهد حازم ينتقي هو أيضاً دبلته الفضية، وأقتربت منه وهي تنظر إلى دبلتها التي تلمع في بنصرها، داعية من قلبها وبصوت خفيض: يارب ديمها نعمة في حياتي.
…………………………………………………………
وقفت زهرة مذهولة.. وهي تراه أخيراً يتحدث معها، ورغم أن نبرة حديثه كانت قوية.. إلا أنها شعرت بالسعادة بأنه أصبح يشعر بوجودها.
لتجده يسألها بجمود: كنتي فين، السواق قالي إنك مروحتش معاه.. مع إنه استناكي في ميعاد الانصراف.
فتذكرت زهرة أمر السائق الذي يصطحبها صباحاً بعدما يُغادر هو ذاهباً بمفرده.. ويأتي عند انتهاء دوام عملها ليصطحبها… حتى تجاهله كان في هذا أيضاً.
لتُمتم زهرة بخفوت: روحت مشوار مع زينب صاحبتي.
فأقترب منها شريف بجمود وهو يهتف بها بغضب: والهانم مقلتش ليه قبل ما تخرج، ولا خلاص فاكرة نفسك مش متجوزة؟
فابتلعت كلمته بوجع.. فهي بالفعل أصبحت لا تشعر بأنها امرأة متزوجة.. هي الآن تشعر بالوحدة والمرارة.
وتنهدت بألم: لما طلعتلك الشركة.. كنت جاية أقولك، بس أنت قولت وراك شغل وما سألتنيش حتى أنا هنا ليه.
فطالعها بصمت.. وهو يعلم بخطئه وتساءل ببرود: وروحتي فين بقي؟
ظلت تتأمله للحظات وهي لا تعلم أ تخبره أنها ذهبت لتطمئن على طفلهما أم تظل صامتة.. وهتفت بتنهد: زينب كانت تعبانة شوية فروحت معاها للدكتور.
فتأملها قليلاً.. وهو يحرك رأسه بصمت إلى أن قال: كتب كتاب هشام كان النهارده!
………………………………………………………..
أحياناً نظن بأن الحياة ستظل دوماً هادئة دون عواقب، رغم أن الكون ليس كذلك.. فالبحار رغم صفائها لها أمواج تقتلع كل ما حولها.. والسماء رغم جمالها يأتي الرعد ليجعلها كالصاعقة، وأيضاً الجبال رغم سكونها تتهاوى قممها أحياناً.
كان لا يعلم لماذا يعاقبها.. أيعاقبها على ماضٍ لا ذنب لها فيه؟
فهي أحبت مثلما أحب هو.. فماذا يفرق الآن؟ هل لأن أخاه هو حبيبها السابق أم ماذا.. أم يعاقبها على خوفها منه وعدم إخبارها له بهوية حبيبها في البداية…
ليردف إلى حيث يجدها دوماً، فقد كانت تقف تنظف المطبخ الذي يلمع من كثرة تنظيفه، ووقف مصدوماً عندما وجدها تسحب منامتها الواسعة للخلف كي تضيقها على خصرها وأسفل بطنها، ولولا وقوفها بزاوية ما كان شاهد بروز بطنها الصغير.
ليسمعها تهمس بحب وهي تضع يدها على بطنها: تفتكر بابا هيعرف بوجودك أمتى؟…
وفرت دمعة هاربة منها تتذكر فيها تجاهله إليها منذ 4 أشهر عندما قررت أن تخبره بكل شيء بعدما علمت بزواج هشام من أخرى والتي لم تكن أختها بل صديقتها “منه”.
ليُصعق هو مما سمع؛ فزوجته -بالتخمين- حامل منذ 6 أشهر، وتسأل طفلها متى ستخبر والده بحقه فيه.. ليفهم الآن سبب طلبها من عمران أن تعمل في البيت منذ شهر ونص، وأيضاً ارتدائها دوماً ملابس واسعة أمامه، غير هروبها منه بعدما تسأله عن أي شيء يُريد أن تفعله له.
كل ذلك التخبط كان يدور بعقله.. ليجد نفسه يقترب منها أكثر حتى همس بضعف: يا مجنونة لسة بتفكري تقولي لي؟
لتشهق زهرة فزعاً.. وهي تراه أمامها.. لتجد نفسها ما زالت تقبض على ثوبها.. فتركته سريعاً.
ليُتابع هو حديثه: عايزة تقولي لي يوم ما تروحي تولديه..؟
لتنظر إليه زهرة بأعين دامعة قائلة: كل مرة بفكر آجي أقولك فيها.. كنت بتتجاهلني.
وتعالى صوت نحيبها وهي تُتمتم: أنت عملتني وحش أوي يا شريف، أنا ما كنتش مصدقة إنك أنت.
فابتسم إليها بدفء.. فهو حتى لو لم يعلم بحملها.. كان سينهي تلك المهزلة.. فأخوه قد تزوج وأصبح له حياة.. وهي وحدها من تحملت الذنب.. وأخرج فيها غضبه.. وعاقبها شهوراً.
فضمها إليه بندم: بعدي عنك كان تعبني أكتر منك يا زهرة، بس كان لازم ده يحصل عشان أعرف آخد قرار.
فارتجف قلبها من قراره.. وظنت بأنه سيتركها.
ليبتسم قائلاً: مقدرش أبعد عنك يا مجنونة، أنتي حياتي كلها يا زهرة.
وعندما تعلقت نظرات أعينهم.. أخفض بيده نحو بطنها كي يتحسس جنينهما بحب، ليجدها تبتعد عنه قائلة بتذمر: أنا كمان لازم أعاقبك وآخد حقي منك.
فعادت الضحكة تظهر في ملامحه ثانية ليهتف بدعابة: هنقضيها بقي عقاب.. ونضيع حياتنا؟
لتُتمتم هي بغضب مصطنع: أنت اللي بتعاقب بس، اشمعنا أنا؟
ليُلامس وجهها بأنامله وهو يتساءل كي يُغير حديثهما هذا: ولد ولا بنت؟
فرسمت ابتسامة صافية على ملامحها ونظرت للأسفل نحو بطنها قائلة: ولد.
ليجذب خصلات شعرها برفق قائلاً بوعيد: هنتقم منك لما تولدي يا مجنونة!




