زوجة أخي الاخير سهام صادق

الــفــصــل الــرابــع والــعــشــرون

​شعرت بثقل يجتاح لسانها بعدما أخبرته بقرارها الذي قتل آخر أمل لديها، وكيف كان سيوجد أمل وهي قد رأته يُقبل زوجته ويحتضنها بين ذراعيه بعشق لم تظن بأنه سيمنحه لواحدة غيرها.
وتنفست بقوة وهي تُتمتم: “حكايتكم خلاص انتهت وماتت من زمان يامريم، كنتِ فاكرة هيفضل يحبك طول عمره..”
وصارت نحو لا شيء وهي تضحك على غبائها؛ فيوم زواج أخيها قد شعرت بأن شريف مازال يحمل لها حباً حتى بعد زواجه، ظنت بأنه فعل ذلك من أجل أن يحرقها بنار الغيرة ليس أكثر.
………………………………………………………….
ابتعدت عنه زهرة بخجل بعدما انتهى من تقبيلها، لتضع رأسها على صدره.. فضمها هو إليه أكثر ووضع بذقنه على رأسها وهو مغمض العينين، مُتذكراً نظرة مريم إليه بعدما فتحت الباب ورأته هكذا.. فتنهد بارتياح بعد أن تأكد بأنه حقاً قد نسي حبها، وأن قلبه أصبح لا ينبض سوى لزوجته التي أصبح يرى فيها كل النساء.. وأنه قد قطع الأمل لديها بعد مارأته حتى لا تعيش في وهم الماضي الذي من المفترض أن تكون نسيته.. فهي من تركته واستجابت لرغبة والديها ووافقت على العريس الثري في نظرهم.
ورفع وجه زهرة بأنامله وهو يهمس بدفء: “مش عايزك تفكري في أي حاجة تزعلك، مفهوم ياحبيبتي؟”
فحركت زهرة رأسها له في صمت.. ثم نهض وأنهضها معه وهو يعبث بحديثه: “كل أما تزعلي فكريني أبوسك.”
فوكظته زهرة على أحد ذراعيه ليبتسم هو.. ويحتضنها من خصرها قائلاً بهمس: “يلا بينا لا فارس يجي ونتفضح هنا.”
………………………………………………………….
تنهد منصور بتعب وهو يجلس بجانب زوجته.. ثم نظر إلى معالم وجهها فوجدها شاردة تضع بيدها أسفل ذقنها وباليد الأخرى تضرب على فخذها..
لتُتمتم فجأة: “البت اتطلقت قبل ماتدخل، نقول للناس إيه.. بقيت مطلقة.”
ليتنفس منصور بقوة وقد فاض ما به بسبب عويل زوجته: “انتي جاية دلوقتي تندبي حظ بنتك.. مش انتي السبب؟”
فالتفتت إليه هي بصدمة وهي تتساءل بوهن: “أنا يامنصور السبب؟”
فعاتبها هو بجمود: “قولتلك من وهما صغيرين بلاش تقولي البت لابن خالتها، أه علقتيهم ببعض من هما صغيرين.. لحد ما كل واحد اكتشف بعدين إنه مكنش حب.. بنتك لو كانت بتحب حازم فعلاً مكنتش سابته ولا اتخلت عنه.
بنتك كارهة يانعمة.. بنتي وأنا عارفها مابتتخلاش عن حاجة عايزاها بسهولة.. والراحة اللي أنا شايفها في عينها النهارده أكدتلي إنه كان حمل على قلبها.”
لتضرب هي يديها على رأسها قائلة: “أنت اللي دلعتها، قولتلك بلاش ندلعهم.”
لينهض هو من جانبها بعدما طفح الكيل قائلاً: “دلوقتي أنا السبب، أنا سايبهالك وماشي.”
فطالعت هي خطواته قائلة بتوعد: “أما أشوف يابنت بطني أخرتها معاكي إيه، ومين الراجل اللي ضحك عليكي وغواكي ياجميلة عشان تسيبي ابن خالتك!”
………………………………………………………….
نظرت فرحة لوجه حازم الحزين وقد تغيرت ملامحه من يوم وليلة.. لتضع الرسومات التي كانت تُناقشه فيها جانباً وهي تتنحنح حرجاً قائلة:
“شكلك تعبان، مش مهم نتناقش في المشروع النهارده.”
ليتأملها حازم للحظات ثم وضع وجهه بين راحتي كفيه وهو يتنهد بتعب.. مُتخيلاً اللحظات الأخيرة التي جمعته بجميلة، ولأول مرة يرى أنه كان مخدوعاً بها وبشدة.. ليتساءل داخله:
“لدرجادي ياجميلة كنتِ بايعة حبنا؟”
وخرجت آه منه لا إرادياً وهو يُحاول يجمع شتات عقله وقلبه المُحطم.. فتشعر به فرحة، وتضع بيدها على يده برفق قائلة: “مالك يابشمهندس؟”
وعندما رفع وجهه نحوها ونظر إلى يدها التي تربت على يده بحنو، سحبتها سريعاً وهي تُتمتم بخجل: “أنا آسفة.”
فتأملها حازم بشرود.. ونهض من على كرسيه ليحمل سترته في يده.. ويترك المكتب دون أن ينطق بكلمة.
فطالعته فرحة وهو يُغادر.. شاعرة بالحزن نحوه، ووضعت بيدها على قلبها وهي تُتمتم بخفوت: “أنت مالك بتدق بوجع عشانه كده ليه، فوق أنت جربت الحب ومت، عايز تموت تاني لما تتفارق!”
………………………………………………………….
ضمت زهرة الطفلة إلى حضنها، وأخذت تسير بها بعد أن أطعمتها اللبن الذي خصصه لها الطبيب وظلت تُدندن لها كي تنام بعد بكائها المُتواصل.. ليردف إليها شريف قائلاً بصوت منخفض: “نامت؟”
لتُحرك زهرة له رأسها بالنفي.. وأكملت سيرها بالطفلة.
فنظر إليها شريف بحب ثم همس: “أنا طالع شقتنا أكلم رامز، ابقي حصليني لما تنام.”
فحركت له رأسها بالموافقة، وصار هو مغادراً شقة والدته.
ليقابله هشام عندما فتح باب شقتهم قائلاً بإرهاق: “أنت هنا ياشريف!”
فابتسم شريف إليه بحنان وهو يُتمتم: “حمد لله على السلامة، رجعت في نفس اليوم يعني؟”
ليتنهد هشام بإرهاق بسبب سفره وعودته في نفس اليوم: “مقدرش أبعد عن نهى.”
وتنهد بإرهاق وألقى بمفاتيحها جانباً وتمتم: “خلصت كل أوراق الأسهم المشتركة مع محامي حمايا.. وروحت أطمأن عليه، ووعدته إنه هيشوف البنت في الوقت اللي هو عايزه.. بس أكمل حياتي وأفضل هناك خلاص.”
فربت شريف على كتف أخيه قائلاً: “اعمل اللي تشوفه ديماً يريحك ياهشام.. وافتكر إني ديماً معاك وعايز أشوفك علطول مبسوط.. وحاول تجمد عشان بنتك وماما حتى.”
فابتسم هشام إليه بأسى وهو يُحرك رأسه قائلاً: “ربنا يخليك ليا ياشريف..”
وتابع حديثه: “آه صحيح أنا رايح بكره أتابع الشغل في الفندق، وهطلع على الشركة أشوف الشغل وأحاول أفهم الدنيا ماشية إزاي.. هحاول أكون شريك ناجح.”
فابتسم إليه شريف بدفء وهو يربت على أحد كتفيه قائلاً: “أنا واثق ديماً في نجاحك ياهشام..”
ويرن هاتفه.. فنظر إلى رقم المتصل ليجده رامز، فتابع قائلاً: “أنا طالع شقتي أكلم رامز.”
وانصرف سريعاً من أمامه.. كي يُتابع بعض الأعمال مع صديقه.
لينظر هو حوله فيجد الهدوء يعم المكان، وقد أيقن بأن والدته قد غفت وأن أخته هبطت إلى شقتها بطفلها، فالساعة قاربت على منتصف الليل.
وخلع سترته ورابطة عنقه بإرهاق وفتح أزرار قميصه.. وصار ناحية حجرة طفلته كي يطمئن عليها.
وعندما فتح الباب فجأة وجدها منحنية بجسدها.. تضع الصغيرة على فراشها بعد أن غفت، والتفتت سريعاً وقد ظنت أنه شريف.. ولكن الصدمة ألجمتها لتُتمتم حرجاً بعد أن لمست رأسها لتطمئن على وضع حجابها بشكل صحيح.
وتمتمت بخفوت: “أنا أكلتها ونامت..” وصارت نحو الباب كي تُغادر الحجرة.. مُكملة حديثها: “تصبح على خير.”
ليقف هشام أمامها ثم أغلق باب الحجرة.. وهو يُطالعها بنظرة لم تفهمها.. فارتجفت زهرة من نظراته وهيئته فقميصه مفتوح نصفه..
وتمتمت بخفوت وهي خافضة برأسها للأسفل: “افتح الباب لو سمحت.”
ليُطالعها هشام بنظرات مُتفحصة وقد دار في عقله بعض الأحداث الأخيرة.. فقد تذكر الرسالة التي بعثتها قبل وفاة نهى تخبره فيها بأنها مازالت تحبه.. وأيضاً اهتمامها الشديد بابنته.
فقلبه المُشوش يخبره بأنها مازالت تحبه.. ولكن عقله يوبخه على حماقته.. كل هذا جعله يقف أمامها وهو يضع بيده على رأسه ليقول بشرود: “انتي بتعملي كده ليه، بتهتمي ببنتي ليه؟”
لتنصدم زهرة من سؤاله.. فاهتمامها بطفلته قد جعله يشك بأنها مازالت تحبه رغم أن ما تفعله مع ابنته حب للطفلة وإشفاق عليها ليس أكثر.
وطالعته بتوحش قائلة: “افتح الباب لو سمحت، مينفعش كده.”
لتتهكم معالم وجهه ليقول بشك: “بعتيلي رسالة ليه يازهره؟”
فتشهق زهرة قائلة: “أنا بعتلك الرسالة؟ حرام عليك، أنت ليه مصمم تدمرلي حياتي..”
وهبطت دموعها وهي تخبره بقوة: “افتح الباب، بدل ما يحصلش كويس وأقول لشريف كل حاجة.”
فيُطالعها هشام وهو يرى ارتجاف يديها وصوتها المُرتعش، لتخبره بندم: “هو ده جزاء رعايتي لبنتك؟”
فشعر هشام بالخجل وتمتم بخفوت: “صدقيني يازهره أنا مش عايز حاجة منك ولا عايز أخربلك حياتك، ولو كنت في يوم فكرت فكده فدلوقتي لأ وألف لأ، أنا بقي عندي بنت.. غير إنك مرات أخويا، عارفة يعني إيه.. أنا ممكن أموت لو في يوم شريف كرهني..”
ونظر إليها ليجدها تبكي وهي تُتمتم: “طب افتحلي الباب.”
فنظر إليها بأسى، ثم تحرك جانباً.. كي يفتح لها الباب وهو يهمس بضعف: “آسف يازهره.”
لتُغادر هي شقة حماتها سريعاً وهي تحمد ربها بأن حماتها مازالت نائمة وأن شريف لم يهبط إلى شقة والدته ثانية.. ووقفت على السلم تُجفف دموعها وتُهدأ من دقات قلبها السريعة..
وعندما أردفت لدخول الشقة وجدت شريف جالساً أمام حاسوبه يُحادث رامز عن بعض الصفقات، فسحبت نفسها سريعاً لغرفتها كي تستجمع قواها.
………………………………………………………….
اتجه شريف نحو فراشهما بعدما أنهى مُحادثته الطويلة مع رامز في العمل ليجدها نائمة.. فجلس بجانبها وهو يُتمتم بخفوت: “زهرة انتي نمتي!”
لتفتح زهرة عينيها وتلتفت إليه بوجه مُتعب.. فيضع يده على وجهها قائلاً بخوف: “مالك يازهره، شكلك تعبان.”
لتهمس بضعف: “مش تعبانة ولا حاجة، أنت اللي بيتهيألك ياشريف، أنا مرهقة مش أكتر.”
فتسطح جانبها وضمها إليه وهو يمسح على شعرها قائلاً: “أنا عارف إنك من ساعة ما نزلنا مصر في الظروف دي.. وانتي ديماً مع ماما أو مع نهى..”
ورفع كفها نحو شفتيه ليقبله قائلاً بدفء: “ربنا يخليكي ليا يارب ياحبيبتي.”
فنظرت إليه زهرة بحب ووجع من تذكرها لاتهام هشام لها، واقتربت منه أكثر وهمست بخوف: “احضني جامد ياشريف.”
فضمها إليه شريف أكثر.. ثم مال على أذنيها وهمس: “على فكرة ده مكانك ديماً، كل ما تحسي إنك تعبانة تعالي اترمي هنا.”
وأشار إلى صدره.. فابتسمت إليه وهي تشعر حقاً بأنه موطنها.. ورفعت وجهها نحوه لتجد نفسها تقبله بعشق.
………………………………………………………….
نظرت جميلة إلى هاتفها الذي ينير ويطفئ برقم والدتها.. فنفخت دُخان سيجارتها سريعاً وأطفأتها في المطفأة ونهضت من فوق الأريكة الجالسة عليها ونظرت لصديقتها قائلة: “هوس.. بطلي ضحك يابنتي لا ماما متفتكرش إني لسه في الشغل.”
فضحكت منه على أفعال صديقتها التي أخيراً قد أصبحت مثلها وحققت انتقامها منها بسبب غرورها وعجرفتها، وأكملت هي التدخين باستمتاع.
لتفتح جميلة الهاتف وهي تُتمتم بإرهاق: “أيوه ياماما، أه لسه في الشغل.. أصل النهارده كان ورايا شغل كتير..”
فأتاها صوت والدتها وهي توبخها: “ليكي نفس تشتغلي بعد ما اتطلقتي وسيبتي ابن خالتك؟”
فخفضت جميلة صوتها وهي تُحاول أن تشعر والدتها بحزنها قائلة: “ياماما الله يخليكي كفاية بقى، أنا ساعة وراجعة.. متقلقيش ولما أجي أما اديني الأسطوانة اللي أنا عارفاها هفضل سامعاها كل يوم.”
وأغلقت هاتفها بحنق.. لتذهب إلى صديقتها.. وتجلس بجانبها تتأفف بضيق من موشح والدتها منذ أن علمت بانفصالها هي وحازم.
فسألتها منه بهدوء: “مالك ياجميلة، هو موشح كل يوم ولا إيه؟”
لتتغير ملامح جميلة وهي تُخبرها بضيق: “أيوه ياستي.”
وأخرجت سيجارة من علبة سجائرها.. وأخذت تُدخن بضيق.. لتهتف منه ضاحكة: “أوعي تنسي تدخلي تغسلي سنانك، وتأكلي اللبان.”
فشعرت جميلة باستهزاء صديقتها وطالعتها بتأفف: “بتتريقي حضرتك.. ماانتي صحيح معندكيش أهل واقفلك في الرايحة والجاية.. مش أنا اللي خطواتي محسوبة وكنتي فين ورحتي فين ومخلصتيش الشغل بدري ليه..”
وأخذت تتنفس دخان سيجارتها.. ونظرات منه تقتحمها وهي توقف تأنيب ضميرها نحوها، فهاهي تُعايرها بوحدتها التي لا ذنب لها فيه.. بسبب انفصال والديها.
………………………………………………………….
ذهبت زهرة إلى والديها لتجلس معهم اليوم وتودعهم قبل رحلة سفرها التي ستكون غداً.. وفجأة وجدت جميلة أختها تخبرها بأنها تُريدها في حجرتهما.
لتجلس زهرة على الفراش وجميلة على الفراش المُقابل لها منتظرة منها أن تبدأ الحديث.
فطالعتها جميلة طويلاً قبل أن تصدمها بما قالت..
لتهتف جميلة بخبث: “علاقتك بهشام لسه مستمرة يازهره، ولا شريف نساكي حب أخوه القديم؟”
فوضعت زهرة يدها على فمها كي لا تعلو صوت شهقاتها.. وهي لا تُصدق بأن أختها علمت بأن هشام هو من كان حبيبها القديم.
وهمست برجاء: “جميلة أرجوكي انسي هشام.. واقفلي الصفحة دي من حياتي.”
ونهضت زهرة من فوق الفراش الجالسة عليه واقتربت منها لتجلس بجانبها قائلة: “انتي أختي ياجميلة وأكيد عمرك ماهترضيلي بيتي يتخرب.”
فضحكت جميلة على سذاجة أختها وضعفها، ونظرت إليها قائلة: “بشرط!”
فلم تُصدق زهرة بأن أختها تضع حياتها مُقابل شرط.
لتُخبرها جميلة شرطها ببرود: “متسافريش مع جوزك، وتساعديني أشتغل في الشركة اللي هشام هيبقى ماسكها وتقربيني منه لحد أما أتجوزه.”
فوقفت زهرة مصدومة مما سمعت.. لتنهض جميلة هي الأخرى قائلة بنبرة أكثر بروداً: “قولتي إيه…!؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *