زوجة أخي الاخير سهام صادق

الفــصــل الــســابع والــعشــرون
​كان سؤاله كفيلًا أن يجعلها صامتة، فكيف ستخبره بسبب بقائها هنا؟ هل ستقول له بأنه السبب، وإن لولا رغبة أختها به لما كانت هنا بعيدة عن زوجها وحبيبها الذي اشتاقت إليه؟
ليشعر هشام بتخبطها وبوجود أمرٍ ما، قائلًا بتنهد:
انتي وشريف تستاهلوا بعض أوي يا زهرة.. انتوا بتكملوا بعض في كل حاجة.. أخويا بعقله وانتي بعاطفتك.
ونظر بطرف عينيه نحوها ليجدها تُركز في حديثه ليسألها بتخمين: جميلة أختك عارفة إني أنا كنت حبيبك الأولاني، مش كده؟
لتشعر زهرة بالاختناق، وأدارت بجسدها نحوه وهي تسأله بارتباك: انت عرفت منين!
فضحك هشام على سذاجتها التي مازالت بها، والتي دومًا يستغلونها فيها قائلًا: امتى بقى هتبطلي سذاجتك ديه يا زهرة؟
وأصدرت سيارته صريرًا عاليًا عندما وقف عند مدخل المشفى ليهتف بضيق منها: سذاجتك ديه هي اللي ضيعتك زمان وخلتني أستغلك.
وتذكر أنه رغم نيته الدنيئة تجاهها في البداية إلا أنه شعر بمشاعر نقية نحوها لم يظن أنها فيه، فهو بالفعل أحبها.
نعم لم يحبها بالحب الذي تستحقه ولكن أحبها بأنانية.
وكاد أن يمدّ يده كي يمسح دموعها التي تغرق وجهها، إلا أن بكاء صغيرته أفاقته على ما كان سيفعله.
وترجل من السيارة سريعًا كي يحمل منها الصغيرة وهو يتنهد بحرقة من شعوره باحتوائها، وصار دون أن ينظر إليها، لعله يُسيطر على مشاعره وهو يُتمتم: كلامنا لسا مخلصش يا زهرة.
………………………………………………………….
أنهت منه المُقابلة الشخصية وهي تشعر بالرضى من انبهار من أجرى معها المُقابلة، فهي فرصة لأي شركة من خبرة ومهارة.
وصارت في الرواق الذي يؤدي إلى مكتب صديقتها كي تراها، لتجدها جالسة في مكتب خاص بها وحدها، فأردفت قائلة بابتسامة: ومكتب كمان لوحدك.. لأ ده انتي طلعتي جامدة أوي هنا يا جميلة.
لتقف جميلة بضيق من مجيء منه إليها في مقر عملها الجديد، فلاحظت منه ذلك ولكن تلاشته سريعًا وهي ترسم ابتسامتها ثانية على وجهها بعدما جلست على الكرسي المُقابل لها قائلة: إيه يا جميلة مش هتضيفيني حاجة؟
لتُطالعها جميلة بهدوء قائلة: إيه اللي جابك هنا يا منه..
فنظرت إليها منه ببرود قائلة وهي تخفي سبب وجودها الأساسي هنا: كنت قريبة من هنا قولت أدخل أشوفك يا جميلة، مالك مضايقة من وجودي كده؟
لتُطالعها جميلة بنظراتها وهي تتنهد بضيق، قائلة دون شعور منها: انتي مش شايفة لبسك ومنظرك إزاي، لما حد يعرف إنك صاحبتي هيقول إني زيك.. أوف كويس إن هشام مش هنا كان زمانه افتكر إني زيك.
فنظر إليها منه بنظرات كره أخفتها سريعًا، وطالعتها ببرود: ماله لبسي يا جميلة.. ما طول عمره كده، وفي إيه لما أكون صاحبتك أنا مهندسة زي زيك.
لتُطالعها جميلة قليلًا وقد شعرت بضيقها، فحاولت تهدئتها حتى لا تثير لها المشاكل وكل خططها وحياتها التي تعرفها هي وحدها:
خلاص يا منه أنا مقصدش.. متزعليش يا ستي، ها أطلبلك إيه!
فنهضت منه بعدما حملت حقيبتها وحاولت أن تكون طبيعية أمامها كي لا تخسرها الآن وتنهدت قائلة: افتكرت عندي ميعاد مهم.. يلا باي.
وانصرفت سريعًا من مكتبها حتى وصلت إلى باب الخروج ودموع وجعها تتساقط، فكلما جعلها الندم تكره حالها وتُقرر ألا تجعل صديقتها مثلها وإلا تكرهها، تجرحها هي بكلماتها اللعينة دون شعور منها بأن التي أمامها بشر مثلها.
واصطدمت بجسد صلب لترفع وجهها، لينظر إليها هو بأسف: أسف معلش.
ونظر إلى أعينها الباكية، فأخرج من جيبه منديلاً مُعطرًا ليعطيه إليها، ثم انصرف من أمامها سريعًا.
فابتسمت وهي تمسح دموعها، وهي تقف تُطالع ذلك الغريب الذي عاملها بلطف رغم حزنه هو الآخر.
………………………………………………………….
ركضت نحو شقتها بعدما اطمأنت على حماتها والصغيرة، مُتذكرة حديث هشام معها وهو يُخبرها:
“شريف بيحبك يا زهرة ومتحاوليش تخسريه، وانتي دلوقتي مرات أخويا وزي نسرين أختي فعمري ما هبصلك غير كده صدقيني ومتخافيش مني أبدًا أنا بقى عندي بنت يا زهرة.”
ورغم كرهها له وظنها بأنه سيخرب لها حياتها إلا أن كلماته اليوم معها جعلتها تنظر إليه بنظرة أخرى.
ففتحت باب شقتها، وذهبت لغرفة نومها لترتدي إحدى الملابس التي جلبها لها وبالأخص ذلك الفستان الذي أصر عليها أن ترتديه ولكنها رفضت بسبب عُريّه.
وبعثت إليه برسالة قبل أن تتجهز، لتخبره فيها بأنها تُريد محادثته صوت وصورة في أمر هام وخطير.
لتجده يُهاتفها بقلق وهو يتساءل: مالك يا زهرة في إيه، خضتيني.. ماما تعبانة طب انتي فيكي حاجة وباباكي ومامتك طيب كويسين؟
فضحكت بدلال وهي تستمع لكلماته المُتلهفة، فتنهد بضيق بعدما فهم فعلتها قائلًا ببرود: طب اقفلي يا زهرة!
لتهتف به سريعًا قبل أن يغلق الهاتف: أهون عليك يا شريف تقفل السكة في وشي؟
فظفر أنفاسه باشتياق قائلًا بحنين: ما أنا هونت عليكي يا زهرة وسيباني هنا لوحدي.. مفكرتيش فيا أنا عامل إزاي من غيرك.. الأسبوعين بقوا داخلين على شهر يا زهرة.
فتنفست بعمق قائلة: دول خمسة وعشرين يوم بس يا حبيبي.. وانت بقالك أكتر من أسبوع مش بتسأل عني ولا بترد عليا.. ده عقابك ليا.
فتنهد قائلًا: لو قولتلك إني مش عارف أنام ولا أكمل يومي من غيرك هتصدقيني؟
فضحكت دون تصديق قائلة: بصراحة لأ مش مصدقة، ما انت عشت سنين طويلة بعيد ولوحدك اشمعنا دلوقتي؟
ليهتف بها بشوق: أنا لما اتغربت مكنش معايا حد واتأقلمت على الحياة لوحدي.. بس أنا دلوقتي غير زمان في جزء ناقص مني.
وتابع بتنهد: أنا كل يوم بتخيلك وانتي في حضني وبتخيل كل لحظاتنا مع بعض..
ثم أكمل بنبرة جامدة: وتقوليلي بتعاقبني ليه، اقفلي يا زهرة انتي مش هتفهمي حاجة.
لتبتسم زهرة وهي تشعر بمشاعره تلك، فهي أيضًا أصبحت تشعر بالاختناق لابتعادها عنه، فأجمل لحظات عمرها قد عاشتها معه وأسر قلبها وجسدها كله.
وتابعت برجاء: أنا أسفة والله يا حبيبي.. خلاص أنا هطمن على بابا وماما وأجي لأن ماما الأيام ديه تعبانة شوية وجميلة مشغولة في شغلها.
وأكملت بفرحة: ده غير خطوبة ريم.. اللي نفسي أحضرها أوي.
ليصغي هو إليها سريعًا، ويشعر بأنه قد زادها معه حقًا، فهو بالنهاية أخذها من عالمها كله لتذهب لعالمه هو وحده.
وتنفس بهدوء وهو ينظر إلى الأوراق التي أمامه:
ساعتين وهروح البيت.. وهبقى أكلمك فيديو.
فابتسمت بسعادة، وقد تنظر إلى الفستان الذي بيدها وسترتديه عندما تُحادثه كي تظل في عينه جميلة دومًا حتى لو كانت بعيدة عنه.
………………………………………………………….
طرقت مكتبه بخفة، ثم أردفت إليه بنبرة تملؤها الرقة:
مش كفاية شغل كده يا هشام؟
ليرفع هشام وجهه إليها.. عندما نطقت اسمه بدلال، فهو لا يعلم لماذا يشعر نحوها بالاشمئزاز حتى في نطق اسمه يكرهه منها.
لتقترب جميلة قائلة برقة: نهى عاملة إيه، أخدتها للتطعيم؟
ليخفض هو رأسه إلى حاسوبه ثانية قائلًا ببرود: أيوه.
لتشعر بنبرة بروده ولكنها تلاشتها سريعًا حتى لا تشعر بإهانته إليها، ليُتابع هو حديثه: في حاجة يا بشمهندسة؟
لتُطالعه جميلة بحرج، وهي لا تعلم كيف ستُجيب عليه فلا يوجد أمر يستدعيها لوجودها هنا.
وهمست بحرج: ها، لا أبدًا أنا بس جيت أطمن على نهى.
وتابعت حديثها بمغزى: هو مين راح معاك التطعيم؟
ليعلم هو مغزى سؤالها ليقول بهدوء بعد أن نهض عن كرسيه: بشمهندسة جميلة أنا مبحبش الأسئلة الكتير.. وأتمنى إن القرابة اللي بينا متسمحش بتخطي حدود بين الموظفة والمدير.
فنظر إليه دون تصديق وهي تستمع إلى إهانته في عدم تخطيها لحدودها معه.
فشعر هو باضطرابها، ليقترب منها أكثر قائلًا ببرود: عندي شغل معلش مش فاضي.
فطالعته بصمت وهي لا تعلم بما تُجيب، فهو يطردها من غرفة مكتبه بالذوق كما يقولون.
وصارت في الرواق الذي يؤدي إلى غرفتها سريعًا، لتجلب حقيبتها وهي تبحث عن رقم أختها وضغطت على زر الاتصال، ولكن الخط كان مغلقًا.
فتمتمت بغضب: ماشي يا زهرة أما وريتك، وألقت بهاتفها في حقيبتها وهي تتنفس بتوعد: طول عمرك غبية ومبيجيش منك فايدة!
………………………………………………………….
نظرت إليه فرحة بقلق وهي تتساءل بعدما تركتهم أختها وانصرفت: خير يا فارس!
ليُطالعها فارس بحب أخوي، فهو يُحبها كشقيقته قائلًا بهدوء: إيه بينك وبين حازم يا فرحة؟
فابتعدت فرحة بأعينها عن نظراته وهي تُنهر نفسها على أفعالها التي أدت بأن تجعل زوج أختها يتساءل عن قربها من صديقه.
ليتنهد هو قائلًا بحيرة: بصيلي يا فرحة.
فرفعت فرحة بوجهها نحوه، ليُتابع حديثه بهدوء:
أنا بتكلم معاكي دلوقتي.. لأنك أختي الصغيرة يا فرحة.
أختي اللي مش هتخبي عني حاجة واللي عارف ومتأكد إن عمرها ما هتعمل حاجة غلط.
وتابع بثقة وهو يُشير إليها: فرحة عمرها ما خافت ولا اتهربت من حاجة بتعملها.. بس فرحة اللي شايفها النهارده غير كده خالص للأسف.
لتلمس كلماته وترًا حساسًا بها، فطالعته بشرود وهي تتذكر اعترافها أمس بحبها لحازم رغم لومها لنفسها بخيانتها لمصطفى، فهبطت دموعها وهي تهمس: أنا خاينة يا فارس، أنا خونت مصطفى وحبيت غيره.
وظلت تبكي بقهرة، لتأتي أختها على صوت بكائها بقلق وقبل أن تتساءل عن ما بها، أشار إليها هو بالانصراف.
لتتركهم دون أن تتفوه بكلمة.
وتنهد هو بدفء بعدما غادرت زوجته المكان قائلًا بحنان: مصطفى مات يا فرحة، ديه الحقيقة اللي لازم تواجهي نفسك بيها كل يوم.
لتتنهد هي بوجع بعدما مسحت دموعها: ما أنا كل يوم بواجه نفسي بالحقيقة ديه.. وكانت النتيجة إني حبيت حازم.
ليتأملها فارس ضاحكًا وهو يُتمتم: يعني أفهم إيه دلوقتي؟
لتُحرك رأسها بتخبط قائلة: متفهمش حاجة لأن أنا مش فاهمة حاجة.
فابتسم إليها وهو يهتف بمغزى: هو الحب بيخوف كده؟
لتُطالعه بألم وهي تتذكر لحظة إخبارها بوفاة مصطفى، وتمتمت بوجع: للأسف أه.. مع اللي زي واللي جرب يعني إيه حد يفارقك ويفارق الدنيا كلها.
ليحتويها بنظراته الحنونة ليهمس لها بدفء:
انتي بتحبي حازم يا فرحة، وهو كمان بيحبك.
فلمعت عيناها وهي لا تُصدق بما يتفوه به لتهمس بأسى:
حازم لسا موجوع من خطيبته يا فارس، بحسه إنه شايفني فيها.
ليبتسم إليها وهو مُشفق على حال صديقه: اللي بيحب حد ميضيعوش من إيده يا فرحة..!
………………………………………………………….
كانت جالسة أمامه كالملاك، ليهمس بشوق: انتي عايزة تموتيني يا زهرة؟
لتضحك هي بدلال بعدما أزاحت تلك الخصلة التي سقطت على خدها.
ليُطالعها هو بضيق، قائلًا: أكسر أنا شاشة اللاب دلوقتي؟
لتهتف به سريعًا: خلاص مش هضحك، وهقعد مؤدبة.
ليُطالع هو فستانها الذي يبرز مفاتنها قائلًا بدعابة:
يا مفترية ليه حرمانى من الحاجات ديه وانتي معايا؟
أنا بقول إنك ناوية تموتيني.
لتهمس هي بصوت مُضطرب من الخجل: بعد الشر عنك يا حبيبي.
ليقف هو من على الكرسي الذي يجلس عليه، وظل يدور أمامها، إلى أن لم تجد له أثر، رغم اتصال المُحادثة، ورؤيتها لشقتها، إلى أن وجدته يجلس ثانية أمامها ووجهه يقطر ماءً ليتنهد قائلًا: أنا بقول نقفل أحسن دلوقتي.. عشان ممكن أتهور وأنزل أجيبك من قفاكي وأرنك علقة وأخدك على الطيارة عدل.
لتضحك من تعبيراته بقوة، إلا أن همست بشوق:
يا مجنون، أنا مش عارفة انت اتجننت امتى؟
فيُطالعها بدفء وهو يهمس: من يوم ما حبيتك يا زهرة، أنا حاسس إني كنت عطشان وارتويت.
عارفة دلوقتي نفسي في إيه..
لتبتسم إليه وهي تهمس بتساؤل بعدما وضعت بإحدى يديها أسفل ذقنها: نفسك في إيه يا حبيبي؟
ليتنهد بدفء قائلًا: نفسي أخدك في حضني ومخرجكيش منه أبدًا.
ثم تابع بخبث كي يخجلها ويرد إليها أفعالها التي زادته تلهفًا إليها: وحاجات تانية انتي طبعًا عارفاها.
ثم غمز إليها، ليجدها قد أدارت وجهها عنه وظلت تهذي ببعض الكلمات، حتى ضحك بعمق قائلًا:
هو انتي طلعتي بتتكسفي يا حبيبتي.. أنا بعد الفستان ده قولت خلاص.
لتخفض زهرة عينيها أرضًا وهمست بخجل: أنا بقول أقفل عشان ألحق أروح.. لبابا وماما يقلقوا عليا.
ليضحك بمشاكسة: ومين قالك إني هخليكي تقفلي.. لأ ده أنا ناوي أطلع عليكي مُدة العقوبة.
وهمس بصوت مُداعب: ما تقومي ترقصي يا زهرة.. وآه حتى تبقى رقصة من خلف الشاشات.
لتلمع عيناها من الصدمة وهي تستمع لطلبه، وهمست باضطراب: شريف!
ليحك هو ذقنه التي نمت قليلًا وقد أعطته مظهرًا أكثر جاذبية، قائلًا بمشاكسة تخلقها هي دومًا به: عيون شريف من جوه..
وعندما وجدها قد هدأ ارتباكها بعد أن ظنته نسي أمر الرقصة، همس بخبث تتخلله الدعابة:
ارقصيلي على واحدة ونص يا زهرة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *