العقرب 🕷ومايا بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

كان طارق مستمعاً بارعاً، يبث الأمان بنبرته المتزنة، ويتحين الفرص ليدخل البهجة إلى يومها المشحون بالعمل.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت مايا أنها تتعامل مع شخص طبيعي؛ شخص لا يملك في عينيه نظرات التملك الطاغية، ولا تفوح منه رائحة البارود والتهديد، بل فقط رغبة صادقة ونقية في الاقتراب.
بعد مرور ستة أشهر من الزمالة التي تحولت إلى إعجاب متبادل غير معلن، جمع طارق شجاعته بعد انتهاء يوم عمل شاق.
وقف أمام مكتبها، وبنبرة حملت مزيجاً من الاحترام والتردد المحبب، قال:
”آنسة مايا.. أعتقد إننا بره الشغل بقينا أصحاب، ويشرفني جداً لو قبلتي عزومتي على العشا النهاردة.. حابب نتكلم في موضوع يهمني جداً، وبره حدود الشركة.”
نظرت مايا في عينيه اللتين تشعان صدقاً، ولأول مرة منذ أن غادرت العقرب، شعرت بأنها مستعدة لفتح صفحة جديدة، فنطقت بابتسامة هادئة:
”موافقة يا طارق.”
في ذلك المساء، كان المطعم المطل على النيل هادئاً، ينساب منه صوت الموسيقى الكلاسيكية ليمتزج مع حركة المياه.
جلست مايا بفستانها البسيط والأنيق، بينما كان طارق يتأملها بنظرات تجمع بين الإعجاب الشديد والاحترام المعهود فيه.
لم يشأ طارق أن يطيل لغة العيون أكثر، فوضع فنجان قهوته ببطء، ونظر إليها بجدية تامة ونبرة صوت دافئة:
”مايا.. أنا مش من نوع الشباب اللي بيلف ويدور، ولا جاي أضيع وقتك ووقتي.
أنا بقالي شهور بدرسك في الشغل، وبشوف فيكي كل المواصفات اللي بتمناها في شريكة حياتي.. قوتك، رقتك، وكرامتك. أنا عايز أدخل البيوت من أبوابها، وحابب أتقدم لك رسمي.”
كلماته لمست وتراً حساساً في قلبها. لأول مرة، تُعرض عليها كلمة “سند” و”بيت” دون أن تكون مشروطة بالخوف، أو محاطة بجدران من حديد ونار مثلما كان يفعل صخر. حست بنشوة انتصار حقيقية على ماضيها، وظنت أن الحياة أخيراً تبتسم لها وتعوضها.
ابتسمت مايا بنعومة، وظهرت لمعة صادقة في عينيها غابت لسنوات، وقالت بثقة واعتزاز:
”أنا معنديش عيلة يا طارق.. عيلتي توفت من زمان.
بس أنا ليا ظهر وراجل كبير في الدنيا دي.. لو عايز تطلب إيدي، تروح تطلبني من أستاذ هاني المسيري.
هو مش بس صاحب الشغل، هو في مقام والدي بالظبط، وكلمته هي كلمتي.”
طارق شعر بـفرحة عارمة واحترم رغبتها جداً، واعتبر أن هذا الترتيب يزيدها رفعة. وبالفعل، في اليوم التالي، طلب طارق مقابلة هاني المسيري في مكتبه، وتحدث معه بـمنتهى الأدب عن رغبته في الزواج من مايا.
هاني المسيري استقبل طارق بترحاب شديد، ودقّق في شخصيته وأصله، ولما وجده شاباً كفئاً ومحترماً، شعر بـسعادة غامرة كأي أب يطمئن على ابنته. ربت على كتف طارق وقال بنبرة أبوية حازمة:





