ميرا احمد

توقفت لحظة.
—بس بابايا راح السما… وماما قالت يمكن الأفضل أقعد في البيت.
أغمضت مريم عينيها.
علمت لاحقًا أن زوجها أحمد توفي منذ ثمانية أشهر إثر أزمة قلبية، وكان عمره أربعة وثلاثين عامًا فقط.
وفي تلك الليلة، ظلت سلمى واقفة أمام نافذة شقتهما، تحمل رسمة رسمتها لوالدها، تنتظر رجلًا لن يعود أبدًا.
نظرت إلى الطفلة.
—وإنتِ اخترتيني أنا؟
هزت سلمى رأسها.
—أيوه.
ثم نظرت إليّ بجدية شديدة.
—إنت شكلك بتعرف تتحكم في الناس.
وضعت مريم يدها على فمها، وهي تحاول منع دموعها.
لكن سلمى لم تتوقف.
—هنروح الحضانة الأول.
ثم بدأت تعد على أصابعها.
—وبعدين نروح الملاهي، وإنت تزقني على المرجيحة لحد ما ألمس السما.
رفعت إصبعًا آخر.
—وبعدين آيس كريم فراولة.
ثم أضافت بحزن:
—ماما قالت معانا فلوس الأكل بالعافية الأسبوع ده… بس يمكن إنت معاك فلوس كتير.
لقد واجهت رجالًا يسيطرون على موانئ ونقابات وكازينوهات وأحياء كاملة دون أن يرف لي جفن.
لكن هذه الطفلة…
تركتني عاجزًا عن الكلام.
—يوم واحد؟
هزت رأسها بحماس.
—الحضانة، والمرجيحة، وآيس كريم الفراولة؟
—أيوه.
ثم أشارت إليّ بإصبعها.
—بس لازم تلبس هدوم عادية.
نظرت إليها باستغراب.
—ليه؟
—عشان باقي الآباء مش بيلبسوا بدل سودا زي بتاعت الجنازات.
كدت أبتسم.
ثم قلت:
—محمود.
انفتح الباب فورًا، ودخل محمود وهو يحمل دفتر ملاحظاته.
—أيوه يا باشا؟
قلت بهدوء:
—فضّي بكرة كله.
تجمد القلم في يده.
—كله؟
—كله.
ولأول مرة خلال عشر سنوات، رأيت محمود يتساءل بعينيه عن أمر قبل أن يكتبه.
في تلك اللحظة، قفزت سلمى من الكرسي وركضت نحو أمها، ثم أحاطت ساقيها بذراعيها الصغيرتين.
نظرت مريم إليّ والدموع تلمع في عينيها.
—حضرتك مش لازم تعمل كل ده…
لكنني لم أكن أنظر إليها.
كنت أنظر إلى محمود.
كان يبتسم لمريم.
لم تكن ابتسامة مجاملة.
ولا ابتسامة عابرة.
كانت ابتسامة هادئة لرجل ينظر إلى شيء قرر بالفعل أنه سيكون له.
ثم لاحظ محمود أنني أحدق فيه.
فأنزل عينيه فورًا.
شعرت بشيء بارد يتحرك داخل صدري.
لقد وثقت بهذا الرجل بحياتي لمدة عشر سنوات.
لكنني فجأة تذكرت النظرة السريعة التي ألقاها على سلمى قبل أن يغادر الغرفة.
وتساءلت…
هل كانت هذه حقًا أول مرة يرى فيها مريم عبدالسلام؟
—محمود.
توقف عند الباب.
—قبل ما تخرج، عايز أعرف حاجة.





