قلب خارج القسمة تفتَّحت عيناها رغماً عنها على جلبة الصغار المعتادة؛ صراخٌ حاد، وخطواتٌ غير مكترثة تدوس أطراف غطائها، ودفشاتٌ عشوائية من أقدام إخوتها غير الأشقاء وهم يتخطون جسدها النحيل. كانت ترقد هناك.. في ذلك الشق الضيق والفاصل بين السريرين. البقعة التي غدت ملاذها ومضجعها الإجباري كلما جاءت لتقضي يومي الزيارة المفروضين لوالدها. رجلٌ طلق أمها قبل سنوات، ومضى يؤسس عائلة جديدة حافلة بالأبناء، تماماً كما فعلت أمها التي تزوجت هي الأخرى وأنجبت من غيره. أما سلوى، فكانت تلك النبتة التي نبتت في الهامش، تعيش في كنف جدها وجدتها العجوزين، وتتقاسم الأيام بين زيارات مشروطة. في هذا البيت، كانت تتجرع في كل ثانية إحساساً مهيناً بأنها كائنٌ فائض عن الحاجة، فردٌ غير مرغوب فيه، ومع ذلك تظل مجبرة على المجيء. والمفارقة المريرة أن أمها أيضاً تزورها في بيت جدها كالغرباء، تمر عليها متخففة من قيد الأمومة، تماماً كخالاتها. أيقنت سلوى، منذ أن وعيت على الدنيا، المعادلة القاسية: إخوتها من أمها لديهم أب وأم يرعيانهم، وإخوتها من أبيها لديهم أب وأم يحيطانهم بالدفء؛ أما هي، فمجرد رقم زائد خارج قسمة القلوب، لا تنال إلا الفتات. وعليها أن ترضى بهذا الفتات صاغرة، وإلا خسرت الجميع ولم تجد من يمنحها قرشاً واحداً. قرشٌ تعلمت مبكراً أنها لا تأخذه منةً، بل تدفع ثمنه مقدماً من صحتها وجهدها في خدمة البيت.. تماماً كما يوشك أن يحدث الآن. انقطع حبل أفكارها الكئيبة حين اخترق مسامعها صوت زوجة أبيها، بنبرتها التي تقطر طيبةً زائفة، تخفي خلفها قائمة لا تنتهي من أعمال المنزل الشاقة: ـ يا سلوى.. إنتي يا سلوى! قومي يا بنتي عشان تفطري معانا. كان لا بد لسلوى أن تطيع النداء وتنهض فوراً؛ فالعصيان هنا تكلفتُه باهظة. وحتى لو كان جسدها النحيل يتوق لجرعة إضافية من النوم، فما نفع البقاء في مضجعٍ لا يعرف للراحة سبيلاً؟ مضجعٌ يترك عظامها كل صباح محملة بآلام الرطوبة وقسوة الأرض. نهضت بتثاقل، ولملمت ملاءتها وغطاءها المتواضع، طوتهما بعناية لتسندهما عند طرف سرير أحد اشقاءها. وفي تلك اللحظة، التفتت لتجد ما لم تعتده؛ رأت خارج الغرفة هدى شقيقتها من ابيها تمر من امامها وقد استيقظت وغادرت فراشها! مفاجأة غريبة، فهي اعتادت أن تغط في نومٍ عميق حتى آذان الظهر، تتركها والدتها تنعم بالراحة والدلال، ما دام هناك بديلٌ جاهز يسد الفجوة، ويحمل عن كاهلها عبء البيت بأكمله. رفعت سلوى يديها، ولمت خصلات شعرها المتمردة برابطة بسيطة، ثم تحركت بخطى وئيدة تغادر الغرفة. كانت الردهة قد خلت حتى من الصغار؛ إذ هرعوا جميعاً يسبقونها إلى المائدة، ليتلقفوا أطباق الطعام المتراصة فوق السفرة الخشبية القديمة، يلتهمون ما عليها بنهم، قبل أن تطأ قدمها المكان ....................... ساد في البيت جو غريب مشحون بالسرية منذ الصباح. استشعرت سلوى ذلك الشيء الخفي منذ أن استيقظت وتناولت وجبة الإفطار على عجل بحضور والدها قبل أن يغادر إلى عمله. كانت الأجواء مريبة؛ فزوجة أبيها لا تكف عن الاختلاء بابنتها "هدى" في كل لحظة، وفي كل مرة تباغتهما سلوى في غفلة منهما، تجدهما تتهامسان بكلمات مقتضبة تتلاشى فور اقترابها. كانت تراقب الأمر بحرص وفضول ينهش رأسها، وهي تتنقل بين أرجاء البيت؛ تارة وهي ترفع السجاد لتنظيف الصالة، وتارة أثناء جلي الأواني، أو إعداد الطعام كما تفعل الآن. لم يكن الهمس وحده مريباً، بل كانت هدى تتزين بشكل مبالغ فيه على غير العادة؛ وأمها تشرف عليها بملامح يملؤها الزهو، وتتفحصها بنظراتها كل لحظة وكأنها قطعة ثمينة تُعرض في واجهة. انقطع تأمل سلوى المشوب بالشك حين اقتربت منها زوجة أبيها، بابتسامتها اللزجة ولسانها المعسول كالعادة، لتقول بنبرة آمرة مغلفة بالود: ـ تسلم إيدك يا سلوى يا بنتي.. معلش همتك معانا بأيدك الحلوة دي تعملي عصير يسقع في الثلاجة، وياريت كمان لو تعملي صينية بسبوسة من اللي قلبك يحبها عشان شكله كدة جالنا ضيوف على غفلة . تركتها وزحفت عائدة نحو غرفتها لتكمل الإشراف على ابنتها، بينما بقيت هدى غارقة في مبالغتها بالزينة، لا تكف عن إجراء المكالمات الهاتفية المتتالية مع صديقاتها، تضحك بهمس وتتحدث بنبرة مليئة بالغموض والإثارة. غادرت زوجة أبيها الغرفة، لكنها لم تلبث أن عادت وقربت تطل على سلوى التي كانت مندمجة في تقليب الأرز. وقفت عند عتبة المطبخ، وتأملتها بنظرات فاحصة قبل أن تخاطبها بذوق مستفز ونبرة تقطر لؤماً: ـ يوه! إنتي لسة قاعدة في المطبخ يا سلوى؟ تعبينك معانا قوي يا حبيبتي.. معلش كله بثوابه بقى. لو كانت سلوى تملك ذرة واحدة من الجرأة، لكانت صرخت في وجهها وصبت كل ما يغلي في صدرها من قهر. لكانت واجهت هذه المرأة المستغلة التي تتعمد هد حيلها واستنزاف طاقتها في هذين اليومين اللذين تقضيهما في زيارة والدها، وكأنها ما جاءت إلا لتكون خادمة بلا أجر. لكن العجز كان أقوى، والحاجة إلى السلام تجعلها تبتلع مرارتها. التفتت إليها، وضغطت على شفتيها لتجبر نفسها على رسم ابتسامة باهتة ومجاملة فرضتها عليها الظروف، وقالت بصوت خفيض تحاول جاهدة ألا يرتجف: ـ ولا تعب ولا حاجة يا طنط.. عادي، زمان الرز يستوي والكل يكون جاهز. ...................... ارتسمت ابتسامة رضا لزجة على شفتي زوجة أبيها، وهي تتقدم نحوها بخطوات ناعمة، ثم ربتت على كتفها قائلة بنبرة تحمل شفقة مصطنعة: ـ خلاص يا حبيبتي، روحي أنتِ ارتاحي شواية وغيري هدومك، وأنا هكمل بقية الطبيخ بدالك. نظرت إليها سلوى بذهول مكتوم؛ فالطعام لم يتبقَّ على نضوجه سوى دقائق معدودة، ومرحلة "آخر تسوية" هي كل ما تحتاجه القدر قبل أن يُصب في الأطباق. كانت سلوى تعرف هذه اللعبة جيداً؛ تمثيلية مكشوفة تمارسها زوجة أبيها ببراعة، لتظهر أمام الأب والضيوف بمظهر الأم المدبرة والزوجة الصالحة التي وقفت في المطبخ وصنعت الطعام بيديها، بينما يضيع جهد سلوى وتعبها في الفراغ. حاولت سلوى أن تمنعها، وتمسكت بحقها في إكمال ما بدأته، وقالت بمقاومة يائسة: ـ لا يا طنط ارتاحي أنتِ، خلاص مش باقي غير حاجات بسيطة وأغرف الأكل، أنا هكمله. لكن الأخرى أصرت بصلابة مغلفة بالود، ومدت يدها لملعقة التقليب قائلة بحسم: ـ قولتلك روحي ارتاحي يا بنتي.. اسمعي الكلام بقا، متبقاش راسك ناشفة! أمام هذا الإصرار الفج، شعرت سلوى بالغثيان من هذا النفاق، واضطرت للرضوخ كالعادة. تركت لها المطبخ والأكل وهي تشعر بغصة حارقة في حلقها؛ غصة من يرى مجهوده يُسرق أمامه علانية ولا يملك حتى حق الاعتراض. جرّت سلوى جسدها المنهك وخطواتها الثقيلة، واتجهت بحيلها المهدود نحو غرفة أختها هدى. فتحت الباب لتجد هدى واقفة أمام المرآة، وقد انتهت تماماً من ارتداء ثيابها والتزين، وبدأت بنثر رذاذ الـ "بودي سبلاش" بعطر نفاذ ملأ أركان الغرفة. دلفت سلوى بخطى خافتة، ووقفت تتأملها بذهول ممزوج بالمرارة؛ كل هذا البريق والدلال لا يمكن أن يكون عبثاً. لم تطق صبراً، وغلغل الفضول في صدرها ليدفعها نحو السؤال علّها تفك لغز هذا اليوم: ـ إيه الحلاوة دي يا هدى؟ أنتِ خارجة ولا عندك مشوار مهم؟ التفتت إليها هدى، ورمقتها بنظرة متعالية باردة، ثم عادت لتتفحص زينتها في المرآة وهي تجيب باقتضاب وبرود: ـ لا مش خارجة.. النهاردة جايلنا ضيوف تبع اهل ماما، وبس. قالت جملتها الأخيرة بنبرة قاطعة وضعت حداً للحديث، ولم تكلف نفسها عناء زيادة حرف واحد . وأمام هذا التجاهل المتعمد والصد الجاف، شعرت سلوى باليأس؛ فانسحبت بهدوء وجلست على طرف الفراش، ممسكةً بهاتفها المحمول القديم لتقلب في رسائله القديمة علّها تشغل عقلها عن التفكير ومشاعر القهر التي تحاصرها. لكن الاستراحة لم تدم لدقائق؛ إذ انفتح الباب فجأة ودلفت زوجة أبيها بملامحها المتلونة، واقتربت من سلوى قائلة بنبرة تمثيلية تفيض بالمسكنة والرجاء: ـ معلش يا سلوى يا حبيبتي.. عارفة إنك تعبتي، الشقة لازم تبقا فلة قبل ما الناس يوصلوا. اطلعي يا بنتي انشري السجادة الكبيرة دي ع السطح عشان تتهوى، وبالمرة وأنتِ فوق أملي الطواجن وأكّلي الطيور عشان منسية من الصبح. اضطرت سلوى للرضوخ كالعادة، وحملت جسدها المنهك وصعدت درجات السلم نحو السطح. بذلت كل ما تبقى من طاقتها لتنشر تلك السجادة الثقيلة التي كادت تقصم ظهرها، ثم اتجهت نحو الطيور، تملأ الأواني بالماء وتضع لها الطعام وسط الغبار المتطاير الذي تغلغل في ثيابها وشعرها. ما إن انتهت من مهمتها الشاقة وبدأت بالهبوط، حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ لقد وصل الضيوف! كانوا يدلفون من باب البيت، بينما والدها وزوجته يستقبلونهم بحفاوة بالغة وتراحيب حارة عند المدخل. لزقت سلوى في مكانها فوق درجات السلم، وعجزت عن تحريك قدمها خطوة واحدة إضافية للأسفل. كيف تنزل وتظهر أمامهم الآن؟ كيف تواجه الأغراب بجلبابها المبلل بماء الطيور، وشعرها الأشعث، ومظهرها المزري الذي يفوح تعباً وقهراً؟ غمرتها حسرة حارقة نهشت قلبها، وهي تقارن بين صورتها الحالية وصورة أختها هدى التي تقف في الداخل بكامل زينتها، وعطرها، ودلالها. شعرت بالدموع تغشي عينيها وتحجب عنها الرؤية، فقررت أن تدير ظهرها للموقف كله، وتصعد ثانية إلى السطح لتختبئ هناك حتى ينتهي الكابوس ويرحل هؤلاء الضيوف. ولكن، وكأن الحظ يعاندها حتى النهاية، تعثرت قدمها بجردل الطعام الفاضي الذي كانت تحمله. اهتز الجردل البلاستيكي الثقيل من يدها، وافلت ليتهاوى من فوق درابزين السلم، ويسقط بقوة مرتطماً بالأسفل، وتزامناً مع ارتطامه، دوت في المكان صيحة ألم حادة أطلقها شاب! شهقت سلوى برعب، وضربت على خديها بكفيها معاً، وجرت نحو الدرابزين لتستكشف حجم المصيبة التي ارتكبتها. نظرت للأسفل، فالتقت عيناها بشاب وسيم ومهندم للغاية، كان يمسك بمقدمة رجله التي نزل عليها الجردل مباشرة وهو يتأوه. زاد هذا المشهد من همها وقهرها، وبدافع من الصدمة والخوف، نسيت مظهرها المزري، وتقدمت نحوه بضع درجات تتأسف بعفويتها وتلقائيتها الريفية: ـ أسفة يا أستاذ.. رجلك بتوجعك أوي؟ يا مصيبتك يا سلوى! التقت عيون الشاب بعينيها في تلك اللحظة الصادمة، ولأول وهلة، لم يرَ ثيابها المبتلة أو مظهرها المزري، بل انتبه لملامحها النقيّة؛ وجهٌ قمحيّ تتربع على وجنتيه حمرةٌ طبيعية جذابة، تضاعفت بفعل حرارة السطح والجهد الذي بذلته. وشعرٌ ناعم، رغماً عن كونه غير مصفف، إلا أنه تمرد بصورة غجرية عفوية على وجهها، فأضفى عليها سحراً خاصاً. أما عيناها.. فكانتا بسواد صافٍ عميق، ورغم ضيقهما قليلاً، إلا أن نظرة الرعب والبراءة الشاخصة نحوه كانت جميلة بشكل يأسر العين ويسرق الانتباه. كانت واقفة تتأرجح بين الرغبة في الاختباء وبين لهفتها لتطمئن عليه، بعد أن سقط الجردل بحافته الحادة مباشرة فوق مقدمة رجله. تنفس الشاب الصعداء داخلياً، وحمد الله أنه كان ينتعل حذاءً جلدياً سميكاً، وإلا لكانت الإصابة قد وصلت لكسر مؤكد في إصبعه الكبير على الأقل. هو الذي لم يتأخر عن الدخول مع عائلته سوى دقيقتين اثنتين ليصفّ سيارته بالخارج، بدا وكأنه نال نصيبه وقدره المحتوم في هذه الوقعة، فقط لتقوده الصدفة إلى رؤية هذه الفتاة الجميلة الجذابة، ويلمح في عينيها ذلك الخوف الصادق عليه.. خوفٌ من الواضح أنها هي السبب فيه. نسي ألم رجله لثوانٍ، وظل مأخوذاً بتلك العفوية الطاغية، ونبرتها الخائفة التي رنت في أذنيه: "يا مصيبتك يا سلوى!"، قبل أن يستجمع نفسه ويجيبها بنبرة هادئة حملت ابتسامة خفيفة حاول مداراتها: ـ الحمد لله.. جت سليمة، الجزمة جامدة وشديدة حمت الرجل والوجع بسيط.. متخافيش. ارتبكت سلوى بشدة أمام نظراته المتفحصة التي كانت موجهة إليها بتمعن. في تلك اللحظة بالذات، ضربتها حقيقة مظهرها؛ تذكرت العباءة البالية المبهدلة التي ترتديها، فابتلعت ريقها وتحشرجت الكلمات في حلقها وهي تحاول أن تخرج صوتها بنبرة طبيعية تخفي خجلها: ـ بص يا أستاذ.. حاول تدوس عليها معلش عشان أطمن، أو لو تحب أنزل بيك عند صيدلية الدكتورة جورجيت تحت في العمارة، دي شاطرة أوي ولهلوبة وهتتصرف. ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرحة، وكرر كلمتها بذاك الإعجاب الفطري الذي تملك قلبه: ـ شاطرة ولهلوبة؟! ثم عاد يوجه إليها سؤاله من جديد، متشبثاً بمعرفة هويتها قبل أي شيء: ـ طب اعرف أنتِ مين الأول؟ العمارة دي مفيهاش غير بيت واحد.. بيت الأستاذ عباس. أجابت بعفوية ودون تفكير: ـ أيوة.. ما أنا بنته. ـ بنته! ردد الكلمة خلفها وعيونه تبرق بلمعة مباغتة. دارت في عقله الأسئلة كالعاصفة؛ يتساءل في سره بدهشة وفرحة لم يحسب لها حساباً: "معقولة؟ معقولة دي العروسة؟! ما هي فعلاً في نفس السن اللي اتوصفلي، ما بين تمنتاشر لعشرين سنة، والباقي إخواتها ولاد صغار.. يا فرج الله! العسل دي تبقى العروسة اللي جاي أشوفها مع والدتي؟!" ثم عاد يتأملها وعقله يحاول الربط بين مظهرها ومناسبتهم: "بس مالها مبهدلة كدة؟ أكيد مكانتش تعرف بزيارتنا، أو لسة ما استعدتش.. بس هي كدة أصلاً عسل ومش محتاجة حاجة!" انتبهت سلوى لشروده ونظراته الشاخصة نحوها دون حراك، فضيقت عينيها وقالت بنبرة حملت بعض الضيق: ـ مالك يا أستاذ تنحت كدة ليه؟ رجلك بتوجعك ولا لأ؟ أجابها وعيناه تفيضان بغزل صريح غير آبه بالوجع: ـ مش رجلي يا قمر.. دا قلبي هو اللي بيوجعني! شهقت سلوى داخلها بخضة من تحوله السريع وغزله المفاجئ. في ثانية واحدة، تبخر الخوف واللهفة وحل محلهما غيظ شديد وغضب من جراءته، فصاحت به بنبرة حادة ووجه محتقن بالدم: ـ سلامة قلبك! وأنا اللي كنت خايفة عليك ونازلة جرى.. الله يسهلك يا أستاذ! استدارت مغضبة، ودفعت باب الشقة الخشبي لتدخل بسرعة، مستغلة تأكدها من أن الضيوف قد استقروا الآن في غرفة الجلوس بعيداً عن الممر، ولن يلمحها أحد منهم بمظهرها هذا. دخلت سلوى وهي غافلة تماماً عن أنها تركت خلفها العضو الأهم في تلك الزيارة؛ سليم، الذي ظل واقفاً في مكانه لدرجات، يراقب أثر خطوتها وعينيها الثائرتين حتى اختفت خلف الباب.. المنزل الذي قصده اليوم مخصوصاً مع أهله ليرى العروسة، يبدو أنه وقع في حبها من قبل أن يطأ عتبته ................................. بعد لحظات كان سليم يجلس مستنداً إلى مقعده الخشبي، يرتشف من عصير المانجو ببرود مصطنع، بينما يندمج في حديث التعارف التقليدي مع الأستاذ عباس وزوجته، تحيط به والدته وعمته—التي تولت دور "الخاطبة" وجاءت تسعى لتوفيق رأسين في الحلال. وطوال هذا الوقت، كان الحماس يضرب في صدره بعنف، وعقله شارد تماماً مع تلك الفتاة "المنعكشة" التي رآها على السلم منذ دقائق؛ يرتجف شوقاً ليرى كيف سيتحول هذا السحر العفوي القمحي عندما تتزين وتدخل بكامل دلالها. انقطع حبل أفكاره الوردية على صوت عمته وهي ترحب بحفاوة بالغة بالعروس المقبِلة: ـ بسم الله ما شاء الله.. قمر يا حبيبتي، تعالي يا هدى يا بنتي سلمي. التفت رأس سليم بلهفة عارمة صرخت بها ملامحه، لكن تلك اللهفة خبت فجأة، وانطفأت في عينيه اللمعة لتبلغ حد الصدمة والجفاف، وهو ينظر إلى فتاة أخرى تماماً! فتاة بيضاء، مفرطة في مساحيق التجميل، تبث عطراً نفاذاً وتتقدم بخطى مدروسة وهي تحمل صينية البسبوسة. لم يستطع السيطرة على ذهوله، فخرجت الكلمة منه مقتضبة، جافة، كأنها صفعة في هدوء الغرفة: ـ مين الآنسة؟ التفتت والدته إليه بقرصة خفيفة في فخذه، ورمقته بنظرة عتاب هامسة: "جرى إيه يا سليم؟ دي هدى العروسة!"، بينما تجمدت ابتسامة زوجة الأب التي كانت تترقب ملامح إعجابه، وتحشرج صوت الأستاذ عباس وهو يعتدل في جلسته قائلاً بدهشة: ـ دي هدى بنتي يا سليم يا ابني.. العروسة. وقع الكلمة على سليم كان كالمياه الباردة. تراجع بظهره إلى الخلف، ودارت عيناه في أرجاء الصالة القديمة يبحث عن ملامح تلك القمحية، وأدرك في ثانية واحدة أن هناك شيىا ما غير مفهوم، او ربما حيلة لم يحسب لها أحد حساباً. نظر إلى هدى بنظرة باردة لم يعتدها أحد منه، وقال بصوت هادئ يحمل وراءه عاصفة: ـ أهلاً وسهلاً يا آنسة هدى.. تشرفنا. بس أنا كان يتهيأ لي إن بنت الأستاذ عباس...... مش هي دي! الفصل الثاني ـ أهلاً وسهلاً يا آنسة هدى.. تشرفنا. بس أنا كان يتهيأ لي إن بنت الأستاذ عباس...... مش هي دي! وقعت كلمات سليم كالصاعقة فوق رؤوس الجميع. ساد صمتٌ ثقيل ومفاجئ، واحتلت الصدمة الوجوه؛ فالعريس الذي لم يمر على دخوله سوى دقائق، ينسف المقابلة قبل أن تبدأ. لم يكن سليم مستوعباً أن الفتاة الواقفة أمامه بكامل زينتها وتصنعها، هي ذاتها الابنة التي وُصفت له، عقله كان يرفض الفكرة تماماً وهو يتذكر ملامح القمحية "اللهلوبة" التي تركت قلبه يرتجف على درجات السلم. انتبهت "رضا" زوجة الأب إلى جمود ابنتها هدى وتصلب ملامحها إثر هذا الرد الصادم؛ فتقدمت بسرعة محسوبة، وتناولت منها صينية الحلويات تضعها على الطاولة، ثم أجلستها وهي تحاول تدارك الموقف بابتسامة متوترة. وفي تلك الأثناء، التفتت والدة سليم بنظرة حادة ومستفسرة نحو "عزيزة" عمة سليم، وكأنها تحاسبها بصمت على سوء التفاهم. شعرت العمة عزيزة بالحرج الشديد، فتنحنحت وحاولت توبيخ ابن أخيها بطريقة غير مباشرة ليعود إلى رشده، فقالت بنبرة عاتبة غلفتها بالمزاح لتخفيف حدة التوتر: ـ جرى إيه يا ابن أخويا؟ أنت شكلك اتمشيت في الشمس كتير واتوترت ولا إيجه؟ هي دي العروسة يا سليم يا حبيبي اللي أنا قايلالك عليها.. بدر منور بسم الله ما شاء الله، شكل حلاوة البنت برجلتلك ومبقتش مجمع! انطلقت ضحكات مرتبكة ومجاملة من الأب وزوجته لتمرير الموقف، لكن الضحكة لم تجد طريقاً لوجه هدى؛ التي غرق صدرها في غضب عارم وهي تلاحظ تحديقات سليم الباردة نحوها، نظراتٌ تنفي أي لمحة إعجاب وتكاد تخترقها لتبحث عن شيء آخر. لم يشأ سليم أن يتركهم في غيبوبة المجاملات، ولم يكن من الرجال الذين يسهل قيادهم؛ بل قرر أن يضع النقاط على الحروف وينهي هذا اللبس فوراً، فاعتدل في جلسته، ونظر إلى الأستاذ عباس مباشرة وقال بنبرة واضحة ومحددة: ـ العفو يا عمتي، الآنسة هدى زي الفل ومفيش كلام.. بس أنا مبترجلتش. أنا سألت الأستاذ عباس لأني لسة شايف بنته برة على السلم من دقايق، وكنت فاكر إنها هي دي الآنسة اللي إحنا جايين عشانها ـ بنت مين؟ خرج السؤال من عمته باستفسار حاد خطف انتباه الجميع، وتعلقت العيون كلها بسليم الذي اعتدل في جلسته وشرح الأمر بوضوح أكبر: ـ بنت جميلة شوفتها قبل ما أدخل هنا وأقعد معاكم، كانت ماسكة جردل قديم ونازلة بيه من السطح، وقع منها ونزل على صباع رجلي الكبير كان هيكسره! شهقت والدته بخضة، وضربت على صدرها بكفها قائلة بهلع: ـ يا مصيبتي السودة! ده امتى ده حصل يا سليم يا ابني ولسة ما قولتش؟ طب أنت كويس دلوقتي؟ رجلك بتوجعك؟ سارع سليم يطمئنها ملوح بيده: ـ يا ماما كويس والله، الحمد لله جت سليمة.. هو بس وجعني ساعتها، والبنت اللي بكلمكم عنها اتأسفت لي وعرفت منها إنها بنت الأستاذ عباس، دي حتى دخلت قدامي وفتحت الباب بمفتاحها ودخلت.. معقول يكون بيتهيأ لي؟! في هذه اللحظة، احتدت ملامح "رضا" واشتعل وجهها غيظاً بعدما استدركت قصده وعرفت أن "سلوى" ابنة زوجها هي من سرقت لُب العريس من على عتبة البيت. ورغم النيران التي استعرت في صدرها، فضلت الصمت مكرهة أمام نظرات الاستفسار الحائرة من والدة سليم وعمته. لكن التدخل الحاسم جاء من زوجها الأستاذ عباس، الذي بدأت الصورة تتضح في عقله، فعقد حاجبيه يسأل سليم ليوضح أكثر: ـ هي مواصفاتها إيه البنت دي يا سليم يا ابني؟ رد سليم بحماس لم يستطع مداراته، وعيناه تلمعان بذات الأثر: ـ قمحية يا عمي.. كانت لابسها عباية عادية ومتبهدلة شوية، عيونها سواد صافي وشعرها لونه عسلي، عمرها ما يجيبش العشرين، قريبة في السن من الآنسة. وشاور في جملته الأخيرة على "هدى" التي امتقعت ملامحها تماماً، واهتزت فوق مقعدها من شدة الغل تجاه أختها غير الشقيقة التي سحبت البساط من تحت قدميها دون أن تنطق بكلمة واحدة. وزاد غضب هدى وأمها اشتعالاً، حين نطق الأستاذ عباس بالاسم الفارق، والتفت إلى سليم مؤكداً باستفهام وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه: ـ قمحية وشعرها لونه عسلي؟ أنت قصدك على سلوى.. بنتي التانية؟! بنتك بجد؟! يعني أنا مش بيتهيأ لي! قالها سليم بمزيجٍ من الارتياح واللهفة التي بدت جلية في نبرة صوته، وهو يتبادل النظرات السريعة ناحية والدته وعمته. فالتفتت العمة "عزيزة" نحو زوجة الأب، وعبرت عن دهشتها واستنكارها قائلة: ـ بس أنا اللي أعرفه، والست رضا قالتهولي لمّا جيت سألتها، هو إن عندها بنت واحدة بس وولدين! هنا، لم تطق "رضا" صبراً، واندفعت ترد بحدة ولؤم حاولت مداراته خلف قناع الكبرياء: ـ وأنا مكدبتش عليكي يا حبيبتي.. أنا فعلاً معنديش غير هدى وإخواتها الولدين! سلوى مش بنتي أنا. رجع التشتت والارتباك يصيب الجميع في الغرفة مرة ثانية، وبدت علامات الإحراج على وجه والدة سليم. إلا أن الأستاذ عباس حسم الأمر بملامح جامدة ونبرة جافة، قاطعاً محاولة زوجته لتهميش ابنته، وقال: ـ سلوى تبقى بنتي من طليقتي.. هي ساكنة مع جدها وجدتها ، وبتيجي عندي هنا كل فترة تقعد لها يومين زيارة. ـ المهم إنها بنتك.. ومروحناش بعيد! صرخ سليم بالجملة بقوة وعفوية، ليقطع حبل الحيرة الممتد في الصالون، ويضع الجميع أمام الأمر الواقع. وبملامح يملؤها الحماس والإصرار، واصل حديثه موجهاً كلامه للأب مباشرة: ـ كدة بقى نتكلم في التمام! ممكن يا عمي تنده لها بقى عشان تشوفها الست الوالدة وتتعرف عليها؟ تابع سليم حديثه بنبرة حاول أن يشوبها بعض الاعتذار، حتى لا يظهر بمظهر فاقد الذوق أمام الأب: ـ يعني.. لو مفيهاش إحراج للآنسة هدى، دا في النهاية مجرد تعارف. بالطبع لم تكن نبرة الاعتذار هذه تعكس حقيقة ما في قلبه، و"رضا" عرفت ذلك بذكائها ومكرها. في تلك اللحظة، اسودّ وجهها بلون الطرحة التي تلفها حول رأسها؛ النيران تأكل جوفها وهي ترى فرصة ابنتها الوحيدة تتبخر بسبب ابنة ضرتها! عريس الهنا الذي انتظروه وجهزوا له البيت، اختار الفتاة المنسية على السلم قبل حتى أن يلتفت لابنتها هدى. لم تتحمل هدى هذا الخذلان، فبرقت عيناها نحو سليم بغضب متصاعد، ووقفت فجأة لتغادر الغرفة بأكملها تدب الأرض بقدميها من شدة الغيظ. أما رضا، فالتفتت لتجد الحيرة قد شلت لسان زوجها عباس، فقررت أن تقطع عليه الطريق ومن أولها، مانعةً إياه حتى من مجرد التفكير في مناداة سلوى. ارتدت قناع المسكنة والكرامة الجريحة التي تجيد تمثيلها ببراعة، وقالت بنبرة حادة ممتزجة بالتباكي: ـ ليه يا أستاذ؟ هو أنت داخل محل تنقي اللي على كيفك وترمي اللي ميعجبكش؟! أنت داخل بيت محترم يا ابن الناس، وفيه أصول كان لازم تراعيها وتعملها حساب.. ولا إيه يا ست عزيزة؟ أشارت بجملتها الأخيرة نحو عمته التي تجمدت في مكانها، وتبرجلت صامتة من شدة الإحراج، لا تدري في أي صف تقف. لكن سليم، بسرعته البديهية وثقته، لم يترك لرضا فرصة لتلعب دور الضحية، فرد عليها على الفور بثبات: ـ وأنا اتخطيت الأصول في إيه بس يا ست رضا؟ هو إحنا كنا اتقدمنا للآنسة هدى رسمي وقرينا فاتحة أصلاً؟ إحنا متفقين من الأول إن دي قعدة تعارف.. ولا عمتي قالتلك غير كدة؟ التفتت الأنظار كلها نحو العمة عزيزة التي سارعت بالرد هرباً من النظرات المتهمة: ـ لا والله يا حبيبي ما قولت غير كدة.. هي قعدة تعارف والكل على بر الصلاح ★★★★★★ على النقيض تماماً من تلك الأجواء المشحونة والنقاشات الحامية في الصالون، كان السكون الشديد يفرض هيبته داخل غرفة الأولاد، الذين لم يكونوا متواجدين في البيت في ذلك الوقت. استغلت سلوى غيابهم، ودلفت بجسدها المهدود، ثم رمت بنفسها على فراش أحدهم دون وعي. وفور أن لامس رأسها الفراش، غطت في نوم عميق؛ إذ غلبها شقاء اليوم الطويل وتعب الجسد الذي استُنزف منذ ساعات الصباح الأولى، حتى أن هذا الإرهاق انتصر على فضولها الشديد في معرفة ما يدور في جلسة الضيوف بالخارج. مسكينة سلوى.. لم تكن تدري وهي غارقة في نومها أنها غدت محور التشاحن وبؤرة الصراع الحارق في الخارج، فكانت غافلة تماماً عما يخبئه لها القدر في الدقائق القادمة. فجأة، اندفع باب الغرفة بعنف وارتطم بالحائط، وخطت "هدى" إلى الداخل تشتعل غضباً وعيناها تتطاير منهما الشرار. تقدمت نحو الفراش بخطى سريعة، ومدت قبضتها لتهز كتف سلوى بدفعة عنيفة وقاسية أيقظتها من أعماق نومها، ثم صرخت فيها بنبرة تقطر غلاً وحقداً: ـ أنتِ يا بت! «عاملة نفسك نايمة بعد ما خربتيها وقعدتي على تلها!» استيقظت سلوى مفزوعة من عنف أختها غير المبرر، ونبضات قلبها تتسارع برعب. نظرت إليها بدهشة عارمة، وسألتها بعدم استيعاب وبصوت متهدج من أثر النوم: ـ في إيه يا هدى؟ جرى إيه لكل ده.. أنا عملت إيه؟! قربت هدى وجهها منها، واشتعلت عيناها بغيظ مكتوم وهي تهمس بعنف وضغينة، حريصة على ألا يصل صوتها إلى الصالون في الخارج: ـ أنتِ هتعمليلي فيها بريئة يا بت؟! بعد ما وقفتي ع السلم تستلقي العريس، وأكيد عملتِ حركة من حركات الخدامين عشان تلفتي بيها نظره! وطيتي قدامه يا بت وعملتِ نفسك بتمسحي؟ ما هو مش معقول يعني تعلقي معاه كدة بشكلك المعفن ده ع الفاضي! كانت الكلمات فاحشة، ثقيلة، وقاسية على إدراك سلوى. نزلت الحروف عليها كالأسواط، فرددت بصدمة مذهولة والدموع تتجمع في عينيها: ـ أنا خدامة يا هدى؟! أنتِ ازاي تقوليلي كدة؟ حرام عليكي.. أنا أختك الكبيرة! لوحت هدى ببرود وازدراء: ـ تحرم عليكي عيشتك! دا أنا لسة هقول وأقول... بترت هدى جملتها فجأة حين تناهى إلى مسامعها اقتراب الأصوات من ردهة البيت. جرت نحو الباب، وواربته بفتحة خفيفة لتسترق النظر، فاكتشفت أن الضيوف يستعدون للمغادرة والرحيل بالفعل. أشعل هذا المشهد النار في صدرها؛ فالعريس يغادر دون أن يلتفت إليها، وكل هذا بسبب أختها القابعة أمامها. وتحت تأثير حركة مجنونة واندفاع أعمى، التفتت نحو سلوى، وجذبتها من يدها بعنف وقسوة دون سابق إنذار، ثم فتحت الباب على مصراعيه، وجرتها إلى الردهة أمام الجميع، وصاحت بصوت عالٍ وهي تبتسم ابتسامة صفراء تقطر لؤماً: ـ إيه يا جماعة؟ أنتوا هتمشوا من قبل ما تشوفوا العروسة؟ دا أنا دخلت الأوضة مخصوص عشان أجيبهالكم بنفسي! وبسبابتها كانت تشير نحو تلك المسكينة التي شعرت وكأنها جُرّت من الدار إلى النار؛ بهيئتها المزرية تلك، وعباءتها المتسخة، وشعرها الأشعث، وحتى وجهها لم تتمكن من غسله بعدما غلبها التعب والشقاء في خدمة البيت لتغفو وتنام، ثم تستيقظ وتُجرّ عنوة لتقف أمام امرأتين ترتديان عباءات فاخرة تتفحصانها بتقييم مهين، وهذا الشاب الذي قابلته بالصدفة أمام المنزل وقد احتدت ملامحه واشتد فكه من الغضب، يلقي بنظرة مشتعلة نحو شقيقتها هدى اشتدت حدة نظرات سليم، وصوّب عينيه كالسهم المسموم نحو هدى. كان جوفه يموج بصراعٍ عاصف بين دافعين؛ أولهما يدفعه بقوة ليقذف في وجهها برداً قاسياً يكسر غطرستها ويعرّفها مقامها الصغير، وثانيهما صوت عاقل في عقله يرجوه التريث والتمهل حتى لا يقلب الطاولة ويفسد الأمر كله قبل أن يضمن حق تلك المسكينة. وفي وسط هذا الصمت المشحون، خطفت "رضا" الانتباه بنبرة ممتلئة بالتمثيل، خرجت من بين شفتيها وكأنها توبخ ابنتها، لكنها كانت مبطنة بسمّ شديد الخبث: ـ يوه! دي شكلها صحتها من النوم.. معلش يا سلوى يا بنتي، أختك بقى حبت تعرفك ع الضيوف قبل ما يمشوا، أصلها متعلقة بيكي أوي ومترضاش تداري عنك حاجة! انتقل غضب سليم الصامت في ثانية واحدة نحو الأفعى الكبيرة؛ حيث تأكد الآن، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن خبث الابنة ولؤمها لم يأتيا من فراغ، بل هما نبتة شيطانية زرعتها هذه المرأة. وتلقائياً، دارت عينا سليم نحو الأستاذ عباس، يبحث في وجهه عن حمية الأب أو ثورة الكرامة لإنصاف ابنته، لكن ملامح عباس السلبية، وعينيه الهاربتين في الأرض، أكدتا له أنه رجل مغلوب على أمره، ولا أمل يرتجى منه في هذا البيت.... اما سلوى فكان "الذل" هو الكلمة الوحيدة الوافية لشرح تلك النيران التي أخذت تأكل روحها في هذه اللحظة. شعرتْ ببرودة الصقيع تجتاح أطرافها رغم حرارة الطقس، وهي تجد نفسها ملقاة هكذا بغتةً في مواجهة وجوهٍ غريبة لم ترحم ضعفها. كانت نظرات الجميع تخترقها، تفتش في تفاصيلها بصورة مهينة، وكأنهم يقيمون بضاعة معروضة على عجينة من البؤس. انكمشت سلوى على نفسها وعيناها مثبتتان في الأرض، عاجزة عن رفع جفنيها؛ كيف ترفع أهدابها حتى وهي لا تقوى على مواجهة نظرات تعرفها جيدا. بدت في عين نفسها، وفي قسوة المشهد، كأنها متسولة جُرّت من فراشها عنوة لتُعرض كأضحية، لا أختٌ كبرى تُحترم في بيت أبيها. ارتجفت شفتها السفلى بحسرة مكتومة، والدموع المتحجرة في عينيها أبت أن تسقط أمامهم حتى لا تمنح أختها لذة الانتصار. كانت تسمع دقات قلبها تتسارع كطبول الحرب، وتتمنى لو تنشق الأرض في هذه الثواني وتبتلعها، لتخلصها من نظرات الشفقة في عيون الاغراب، ونظرات الحقد المتطايرة من زوجة أبيها وأختها. لكن الصمت الثقيل الذي لفّ الصالة لم يدم طويلاً، إذ قطعته والدة سليم التي تقدمت خطوة نحوها، وعيناها تتفحصان ملامحها المرتعشة بخوف.. ، وفي حركة مباغتة قلبت كل التوقعات، خطت نحوها وسحبتها بكفيها الرقيقين إلى صدرها فجأة، وهي تنظر إليها بإعجاب شديد قائلة: ـ يعني كل الحلاوة دي وهي لسة صاحية من النوم وشعرها منعكش؟ أمال البت دي حالها بيبقى إيه لما بس تتزوق وتلبس؟! ما شاء الله عليكي يا بنتي.. حلوة وزي القمر! في تلك اللحظة، عجزت الكلمات عن وصف شعور سلوى؛ وهي تجد هذه السيدة الغريبة تضمها بعاطفة صادقة وحنان جارف، متجاهلة تماماً هيئتها المخزية وجلبابها المتسخ. كان الإحساس بالأمان والإنصاف يفوق الوصف، شعرت وكأن الله أرسل لها هذه الضمة لتجبر كسر خاطرها، فلم تتمكن من حبس دموعها التي فرت من عينيها لتسقط دافئة في حضن تلك السيدة الطيب. أما سليم، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة مشبعة بالارتياح والفخر الشديد بوالدته وحكمتها التي أنقذت الموقف. وعلى النقيض تماماً، كان وجه رضا وابنتها هدى قد اسودّ من فرط الحقد والضغينة؛ لما حدث وقلب الموازين لصالح الابنة المنبوذة، لتسرق ما هو حق لهما ، أما عزيزة فكانت تشعر بالتشتت وعدم الفهم.» تفتكروا البومة وبنتها هيسكتو؟ ...يتبع بالفصل الثالث الفصل الثالث وكأنّ الظلم وقع منها لا عليها! كيف تنقلب الأدوار هكذا دون وجه حق؟ صدفةٌ بحتة ليس لها فيها أي ذنب، تُحاسب عليها هذا الحساب العسير، حتى بعدما تعرضت له من إهانة فجة وكسرة نفس مريرة. كان صوت البكاء والصراخ القادم من داخل غرفة هدى يصل إليها بوضوح وهي تقف وحيدة في الصالة؛ أمها رضا تُهدئ من روعها، والأستاذ عباس—الذي يُفترض أنه والدها هي الأخرى، والذي حضر بنفسه ذلك العرض المؤسف والمذل لكرامتها—لم يلتفت إليها مطلقاً، ولا حتى شَغَلَ باله بوجودها، وكأن ما حدث أمر عادٍ لا قيمة له. كان يجلس في الداخل يهدئ من روع ابنته التي كَسرت أختها للتو أمام ناس غرباء، بل ويهوّن عليها الأمر ويطبطب عليها، وكأن ما اقترفته هدى لا يساوي شيئاً مقابل ما فعله سليم في جلسة تعارف متفق عليها من البداية، ويحتمل فيها القبول أو الرفض بعد لحظات ليست بالقليلة، كان البكاء قد هدأ قليلاً، ليخرج عباس من غرفة ابنته متوجهاً إلى غرفة نومه دون أن يلتفت نحو ابنته الثانية، والتي كانت قد نهضت فور رؤيته تناجيه برجائها وصوتها يرتجف: ـ بابا.. أنا ماليش دعوة بالراجل ده، ولا كنت أقصد أساساً أقابله، ده الجردل بس اللي وقع على رجله و... ـ خلاص خلاص عرفت! قاطعها مشيراً بكفه بإشارة آمرة لتكف عن الحديث، دون أن يلتفت إليها أو حتى تلتقي عيناه بعينيها، وكأنها لا تستحق منه مجرد نظرة. طوال عمرها وهي تعلم يقيناً أنه لا يحبها كأولاد رضا؛ رضا التي تزوجها في اليوم التالي مباشرة لطلاقه من أمها، تلك السيدة الطيب التي لم يتحمل العيش معها لأكثر من ثلاثة أشهر لينفصل عنها وهي ما تزال تحمِل في بطنها طفلة منه. لطالما ظنّ الناس أن الأختين من أم واحدة نظراً لتقارب العمر بينهما، إذ لا يفصل بين سلوى وأختها هدى سوى شهور قليلة؛ ولكن هيهات هيهات بين البنت المحبوبة المدللة، والبنت التي تأكل لقمتها بالإهانة والذل، فقط لكي يَمُنَّ عليها بالمصاريف والزاد الذي يمسك رمقها! ذنبها الوحيد انها ابنة المرأة المنفصلة عنه. بعد دقائق، عندما خرجت رضا من عند ابنتها، رمقت سلوى بنظرة يغلي منها الحقد والغل، لكنها كالعادة لزمت الصمت؛ لتظل دائماً في نظر زوجها المغلوبة على أمرها، الزوجة الغلبانة المستضعفة.. هي وابنتها! ★★★★★ في بيت سليم، لم يكن الوضع أقل سخونة أو اشتعالاً؛ فبمجرد أن غادرت العمة عزيزة بعد ذلك المشوار الفاشل، انفتح باب الجدال على مصراعيه، وتصدّر سليم المواجهة أمام والدته، بينما كان والده يجلس مستمعاً للحكاية من بدايتها بكثير من التريث والاهتمام. اندفع سليم يتحدث بنبرة حاسمة يملؤها الإصرار: ـ يا أمي بقولك البنت عجبتني! أنا مالي بقى بأختها الهبلة ولا مرات أبوها الحرباية الساكتة؟ أنا عايز أتجوزها هي.. حتى لو كنت مش طايق أبوها! ردت عليه والدته بملامح حازمة، تلوح بيديها لتعبر عن رفضها القاطع لهذا العناد: ـ وأنا بقولك ما ينفعش يا سليم! بنات الناس على قفا مين يشيل، وأنت ألف مين يتمناك وتتمناه.. اعقل بقى! أنت هتشبط في البنت زي العيال الصغار تابع سليم يوأنبها: ـ حرام عليكي يا أمي.. ده أنا مصدقتش نفسي لما لقيتك احتويتي الموقف الزبالة ده وحضنتيها وهونتي عليها، كان هاين عليا أخش في الحضن معاكم طرف تالت! ـ اختشي يا واد وبطل قلة أدب! قالتها الحاجة صفية بنبرة تحذيرية، ثم تابعت موضحة وجهة نظرها: ـ أنا حضنتها عشان صعبت عليا بعد عملة أختها الزفتة، البت كانت مخضوضة وخطفت قلبي.. بس ده مش معناه أجيب لنفسي الكلام وأجوزهالك! هو إحنا ناقصين وجع راس ومشاكل مع ناس زي دول؟ تنهد سليم بيأس غلب جوارحه، ثم التفت نحو والده يستنجد به وعيونه ترجوه: ـ ما تتدخل بقى يا حج رضوان، أنت يعجبك برضه الكلام ده؟ أمي مش عايزة وجع راس، وأنا بقى البت عششت في دماغي بعبلها كدة.. بشعرها المنعكش! إيه الحل؟ ظل الحج رضوان صامتاً للحظات، يمرر حبات سبحته بين أصابعه بملامح مبهمة لا تفصح عما يدور في عقله، قبل أن يتنحنح ويقول رأيه باتزان وحكمة: ـ أنت عاجباك البت، وأمك شايفه الموضوع ملعبك وعاملة حساب للإحراج مع عمتك.. يبقى شد حيلك وشوف صرفة تحلها! اسأل عن البت كويس واشوف الدنيا، ما هو اكيد يعني الجوازة مش هتقف على أبوها عديم الشخصية، ما دام مطلق أمها والبت عايشة بعيد عنه. ـ ينصر دينك يا حج رضوان! صاح بها سليم بفرحة عارمة بعدما فهم المغزى الذي يرمي إليه أبوه، بينما التفتت عيونه نحو والدته الحاجة صفية، التي مصمصت شفتيها وشاحت بوجهها عنهما، معبرة بوضوح عن عدم رضاها عن هذا الأمر. ............................. ـ طب انا غلطت في ايه يا ستي؟ قوليلي ع الاقل اخفف عن نفسي احساس القهرة اللي حاسة بيها، دا انا كنت بساعد وطالع عيني في توضيب البيت عندهم ، لا حد قالي ولا بلغني أن جاي عندهم ضيوف الا في اخر لحظة، حتى لما قابلت الضيف الغريب مكنتش اعرف انه عريس لهدى، والله ما كنت اعرف ولا اقصد ابان قدامه، دا انا حتى كنت مبهدلة وشكلي زفت والله قالتها سلوى وهي مرتمية في حضن جدتها، والدموع المكتومة منذ الأمس تجد أخيراً مخرجاً آمناً، بينما كانت يد الجدة المرتجفة، والمشققة بفعل السنين، تمر بحنان فوق ظهرها الواهن الباكي. داخل ذلك البيت المحكوم بقانون الإيجار القديم، حيث الأثاث المتهالك والحيطان التي غزتها التشققات ورطوبة الزمن، كانت سلوى تجد واحة راحتها الحقيقية. هذا المكان، رغم ضيق الحال وقلة الحيلة، يضم الشخصين الوحيدين اللذين ينبض قلباهما بحبٍ خالص لها دون شروط أو مصلحة؛ جدها القابع على مقعده الخشبي يتابعها بعينين غائمتين دمعهما عزيز، وجدتها الطيبة. هما السند الحقيقي والوتد الذي يمسك خيمتها بعد فراق والدتها التي أُجبرت على الزواج في بلاد بعيدة عقب طلاقها، لتترك طفلتها في حماية هذين العجوزين، بينما الأب عباس موجود في الدنيا كأنه غير موجود. تخدمهما سلوى برموش عينيها طائعة راضية، وهما من جانبهما يغدقان عليها بحنانٍ يعوض جفاف السنين، أو يهوّنان عليها كسر الخاطر كما يفعلان الآن، وهي تجلس جوار ستها تبثها شكوى ما عانته بالأمس من ذلّ على يد أختها، وعودتها مبكرة من بيت والدها كأنها حملٌ ثقيل انزاح عن كاهلهم، لتقبل على ملاذها الدافئ مستجيرة. ظلت الجدة "عايدة" ملتزمة بالصمت، بقلب مجروح يقطر دماً على ابنة بنتها، وعلى الغلب والشقاء اللذين كُتبا على هذه المسكينة منذ ساعة ولادتها في الدنيا. أما الجد، فقد كان رجلاً حقانياً، صاحب مبدأ، ولا يمكنه الصمت أمام هذا الضيم والكسرة التي رأاها في عيني حفيدته، فتنحنح بقوة ليطرد وهن السنين من حنجرته، وقال بنبرة حاسمة يملؤها الشموخ رغم قلة الحيلة: ـ بس يا بت! متحمليش على نفسك ذنب ميخصكيش.. يغوروا يولعوا كلهم! أبوكي عايزك؟ يبقى يجي يزورك هنا في بيتك معززة مكرمة، مش عايزك؟ براحته! كفاية القرشين اللي بيبعتهم كل أول شهر، أهو قليلين صحيح.. لكن بركة ربنا موجودة ومفيش حد بيموت من الجوع. ★★★ بينما كان الجد يغلق باب عباس نهائياً في وجه سلوى حمايةً لها، كان سليم في الجانب الآخر يبحث عن خيط يوصله لهذا البيت القديم. وبطرقه الخاصة وسؤاله وتقصيه، استطاع أن يعرف كل المعلومات عن سلوى، ابنة عباس من زوجته الأولى. أما سلوى، فقد مر عليها بضعة أيام تحاول فيها التعافي ونسيان ما حدث، حتى كانت ذات مرة تجلس في هدوء، وفجأة طُرق الباب. تحركت لتفتح، وكانت المفاجأة الصادمة حين وجدته هو بنفسه واقفاً في وجهها! برقت عيناها، وسألته بفزعٍ لم يؤثر في ثباته: ـ يا نهار أسود! أنت إيه اللي جابك هنا؟! لم يهتز سليم، بل أخذ يطوف بنظراته عليها من رأسها حتى قدميها. شعرها هذه المرة كان مصففاً ومجموعاً في لفة واحدة من الخلف، وعباءتها نظيفة ومهندمة؛ صورة نمطية مريحة للبنات العاديات في بيوتهن، بجمال طبيعي يسرّ العين ويشرح القلب. حاولت استجماع شجاعتها وقالت بنبرة متوترة: ـ يا أخينا بسألك.. أنت جاي ليه؟ في تلك اللحظة، تناهى صوت الجد من الداخل يتساءل: ـ مين يا سلوى؟ سمع سليم صوت العجوز، فخرج صوته جهوراً، قويّاً، وواثقاً ليدخل إلى أعماق البيت: ـ أنا يا حج.. ابن الحج رضوان تاجر السيراميك، جاي أزورك وأشرب معاك الشاي، ممكن؟! ★★★ بعد لحظات، كانت سلوى تقف خلف حائط المطبخ، تراقب بعينين متسعتين من الدهشة جلسة هذا الضيف الغريب مع جدها؛ إذ سرعان ما ذاب الجليد بينهما، وأخذ الجد عليه، وبات الحوار يدور بينهما بأريحية لا تخلو من ضحك ومزاح.. شيءٌ فعلاً أذهلها! حتى عندما أراد الجد القيام بوجب الضيافة، ونادى عليها لتصنع العصير، أعدّته وخرجت به إليهما بخجل شديد أصاب أطرافها برعدة، خاصة مع نظراته الجريئة والواثقة التي كانت تلاحقها. ما إن وضعت الصينية حتى فرّت عائدة إلى الداخل، لتختبيء داخل غرفتها حتى اذا سمعت صوت الباب يُغلق معلناً خروجه، حتى جرت نحو جدها تسأله بلهفة وفزع عن سبب زيارة هذا الشاب الذي تسبّب في إشعال حرب في بيت والدها. لكن الإجابة جاءت لتزلزل الأرض تحت قدميها: ـ بتقول إيه يا جدي؟! جاي يتقدم لي أنا؟ ازاي يعني.. ده كان متقدم لأختي هدى أول امبارح! اعتدل جدها في جلسته وقال موضحاً: ـ الولد راح يتعرف عليها مش يتقدم لها، في فرق. عادت بإصرار وعيناها تلمعان بربكة: ـ وإيه الفرق يعني؟ ـ لا.. فرق كبير يا حبيبتي. المرة دي كان صوت جدتها عايدة التي دخلت الصالة لتنير الصورة أكثر، وتابعت بنبرة حكيمة: ـ أنا كنت قاعدة وسامعة كل حاجة.. الولد راح مع عمته يشوف البت، والنصيب خلاّه يشوفك أنتِ الأول وتدخلي قلبه، وحصل اللي حصل بعد كدة. هو وأهله مالهمش ذنب، أنتِ وهدى أخوات، يعني المفروض أبوكي ما يفرقش بينكم، ومرات أبوكي وأختك مالهمش حق يزعلوا أصلاً. هزت سلوى رأسها بخوف وقالت: ـ بس هما كدة فعلاً هيزعلوا ويقلبوا الدنيا يا ستي! جاء الرد حاسماً وقاطعاً من الجد وهو يلوّح بيده: ـ يتفلقوا هما الاتنين! المهم أنتِ.. الواد دخل دماغك وعاجبك؟ شعرت سلوى بحمرة الخجل تغزو وجنتيها ولاذت بالصمت، لكن جدها عاد يشدد عليها بنبرة آمرة حنونة: ـ يا بت قولي إن كان عاجبك وشايفاه مناسب، عشان لو وافقتِ أعرف هعمل إيه مع أبوكي. سألته ببراءة: ـ هتعمل إيه؟ ضحك جدها بنبرة منتصرة: ـ يعني أنتِ موافقة أهو! اشتد خجل سلوى، ولم تحتمل نظراتهما الضاحكة، فنهضت وجرت سريعاً من أمامهما إلى غرفتها. حركة عفوية كشفت عن موافقتها بحياء، جعلت الجدين يتبادلان الضحكات السعيدة في أثرها.. قبل أن ترتسم الجدية على وجهيهما فجأة، وهما يتذكران المهمة الصعبة والشرسة التي تنتظرهما وتنتظر سليم في مواجهة بيت عباس! .................... «ومثلما توقع الرجل الكبير، امتقع وجه عباس وتلوّن، وجاء رد الفعل المفاجئ من زوجته التي ترسم ثوب الطيبة طوال الوقت، إذ أخذت تشكك في أخلاق سليم قائلة: ـ أستغفر الله العظيم يارب! هو الواد ده عياره فالت للدرجادي؟ مصر يفتن الأخوات في بعضهم! يعني مكفاهوش اللي عمله أول امبارح، جاي دلوقتي يصدرك أنت كمان ويكمل علينا؟! وكأن عباس كان ينتظر رأيها ليدعمه، فأضاف بحنق: ـ منه لله.. قلب البيت نكد امبارح! استفز هذا التناغم المؤسف جد سلوى، فعقب يرد على الاثنين بحسم: ـ وليه الدعا والتشكيك في أخلاق الراجل؟ دا داخل البيت من بابه، شاف واحدة من بناتك يا عباس وعجبته، ولما حصل سوء التفاهم جالي عشان أتوسط يجيلك هو وأسرته يطلبوها رسمي.. ما هي بنتك برضه! سبقته رضا بمسكنتها المصطنعة: ـ يدخل بيتي تاني؟! بقى ده يرضيك يا راجل يا كبارة؟ يكسر بخاطر بنتي من تاني؟! في تلك اللحظة، خرجت هدى تصرخ في وجه الرجل الكبير بلا حياء: ـ بنت بنتك عملت عملتها وأنت بدل ما تربيها على عملتها جاي تدعمها؟! بتشجعها بعد ما خطفت عريسي؟ طب يا راجل راعي شيبتك وقول كلمة الحق! تسمر الشيخ العجوز واحتلته صدمة عارمة، عاجزاً عن استيعاب الغلط والإهانة اللذين تلقاهما من فتاة في عمر أحفاده، والأنكى من ذلك أن أمها كانت تشجعها بنظراتها! أما الأب، فقد آثر أن ينهي الجلسة بكلمتين قاطعتين: ـ خلاصة القول.. الولد ده مش هيعتب بيتي، ولو أنت أصريت ووافقت بيه، ابقى اتّم الجوازة من عندك وجهزها أنت!» ............................ في مساء اليوم التالي، كان سليم يجلس في شقة الجد، يستمع إلى ما دار في اللقاء وعيناه تقدحان شرراً، وفكه يتصلب مع كل كلمة يرويها العجوز، بينما كانت سلوى تجلس في زاوية الغرفة متكورة على نفسها، وعيناها تفيض دموعاً من فرط القهر والكسرة التي تسبب فيها والدها، لقد ارادت الفرح ولكنه استكتر عليها الفرح، استكتر أن يعاملها بنفس المبدأ الذي يعامل به ابنته الآخرى وهل ساوى بينهما قبل ذلك حتى يفعلها الان؟ لقد ضربها هذه المرة في مقتل مستغلا حاجتها وعجز جديها وفقرهما عن تجهيزها من دونه. ضرب سليم بيده على الطاولة بقوة وهو يقول بصوت هادر التمعت فيه معالم التحدي: ـ طب خليه هو قد كلامه بقى، وانا كمان مش هسكت ، ........................ «مضى سليم وغاب ليومين كاملين، فقدت سلوى خلالهما الأمل في أن تتزوج من الرجل الذي جَبَرَ خاطرها باختياره لها رغم بؤس حالتها. ومع ذلك، رفضت الاستسلام للاكتئاب وفوضت أمرها لله، حتى تفاجأت بمرسالٍ يطلب حضورها هي وجدها في جلسة تضم كبار المنطقة ببيت والدها. كادت ترفض، لكن إصرار الرجل—وهو من وجهاء منطقتهم—على الذهاب معهم اضطرها للرضوخ، ما دامت في حِمى جدها وجدتها. ذهبت إلى هناك، وكانت المفاجأة الكبرى حين رأت أن الحضور يضم أكابر المنطقة وأصحاب المحلات الكبرى، ومعهم سليم. كل هذا في وجود والدها الذي كان وجهه مسوداً من الغضب، عاجزاً عن نطق كلمة واحدة، على عكس سليم الذي استقبلهم بحفاوة بالغة.» التفت سليم نحو الوجهاء وأشار بيده إلى سلوى وجديها قائلاً بنبرة واثقة ملأت ركن الغرفة: ـ أهي يا رجالة.. اسألوها بنفسكم، واسألوا جدها وجدتها عشان نبقى كدة على نور، وكل شيء يبقى قدام عيونكم. هنا، التفت الجد يميناً ويساراً، وعقد حاجبيه باستفسار ودهشة بعدما استفزه الغموض المحيط بالجلسة، فتدخل بصوته الأجش: ـ رأي مين؟ وإيه اللي نسألها فيه؟ إحنا مش فاهمين حاجة خالص يا جماعة! جاءه الجواب فوراً من رجل وقور يجلس في صدارة المجلس، يمسك بيده سبحة من اليسر، وهو الحج رضوان والد سليم؛ الذي نهض خطوة ونظر إلى الجد بتقدير واحترام قائلاً: ـ أفهمك أنا يا عم الحج.. أنا والد سليم، الحج رضوان، ودول كبار المنطقة وأصحاب الكلمة المسموعة فيها، جبناهم النهاردة وجينا لحد هنا عشان يشهدوا على الكلام اللي هيتقال، والنقط تتحط ع الحروف دق قلب سلوى بعنف، والتفتت تنظر إلى هذا الرجل الذي تقابله لأول مرة في حياتها، ورغم هيبته إلا أنها شعرت في نبرته بحنوٍّ لم تعهده من قبل. أما الحج رضوان، فقد كان في تلك اللحظة يتأمل سلوى بتمعن، وعرف يقيناً في سِرّه أن ابنه سليم كان معه كل الحق في اختياره، وأن هذا الجمال النقي والخجل الفطري يستحقان هذا العناء. لم تحتمل سلوى حيرتها، فخرج صوتها متسائلاً بوجل: ـ كلام إيه يا عم الحج؟ ابتسم الحج رضوان ابتسامة طيبة طمأنت روعها، وجاءت إجابته كالقذيفة التي نزلت على رأس الأب عباس لتصيبه بالشلل؛ إذ قال والد سليم موجهاً حديثه لـ سلوى أمام الجميع: ـ الكلام عليكي يا ست البنات.. الحج والدك طبعاً كان رافض سليم ابني، وهدد جدك أول امبارح إنه لو وافق على الجوازة دي مش هيجهزك ولا هيدفع فيكي مليم! إحنا بقى لمينا كبار البلد والبشر دي كلها، وجينا نطلبك منه رسمي قدام الكل.. وبنبلغه من موقعنا ده إننا عايزينك بشنطة هدومك وبس! لا عايزين عفش، ولا ديالو، ولا لينا طلبات.. إحنا شاريين البنت لولدنا، وكرامتها عندنا بالدنيا! ارتسمت معالم البشرى والفرحة على وجهي جدها وجدتها، وتهللت أساريرهما بعد هذا الانتصار لكرامتهما، أما هي فقد أطرقت رأسها أرضاً، وتوردت وجنتاها بخجلٍ تضاعف أكثر حين تناهى إليها صوت سليم الجهوري وهو ينده عليها أمام الجميع بنبرة يملؤها الفخر: ـ ها يا عروسة.. عايزين نعرف بقى رأيك أنتِ؟ كانت إجابتها ابتسامة عفوية نبعت من قلبها، دون أن تقوى على رفع عينيها من فرط الحياء، فتولى جدها الرد عنها على الفور، معلناً موافقة صريحة باركها الحاضرون بالتهليل. التقط سليم تلك الموافقة بذكاء، والتفت بكامل جسده يتوجه بها نحو والدها عباس، قائلاً بنبرة تحدٍّ مغلفة بالاحترام: ـ أظن كدة مالكش حجة يا عم عباس! إحنا كل اللي عايزينه منك موافقتك، وإنك تحط إمضتك على ورق الجواز.. ولا دي كمان مش عايزها؟ سؤال سليم كان محرجاً ومباغتاً بشدة، وجعل عدداً من الوجهاء الكبار يتدخلون في الحوار فوراً، ويزيدون من حدة الضغط الاجتماعي على الرجل الذي وجد نفسه محاصراً أمام هيبتهم. وتحت وطأة هذا الحرج، اضطر عباس في نهاية المطاف إلى الموافقة على مضض، وهو يبلع ريقه بصعوبة، بينما كانت عيناه تلمحان من بعيد، عبر شق الباب الموارب، نظرات زوجته رضا التي تقطر غلاً، ويعلم يقيناً أنها سوف تسقيه المرار " بمجرد أن يغادر الضيوف، أو ابنته هدى التي كانت تجهز نفسها لإشعال مناحة وصراخ بعدما ينفضّ هذا المجلس؛ المجلس الذي حشر عباس في الزاوية، وسحب منه الموافقة رغماً عنه أمام كبار البلد. بعد أسبوع بالضبط، كانت زغاريد النساء تصدح في أرجاء البيت القديم، مهللةً بكتب كتاب سليم وسلوى؛ سلوى التي كانت الفرحة لا تسعها، وكأنها تولد في الدنيا من جديد. سليم الذي لم يبخل عليها بشيء، أحضر لها شبكةً من الذهب أذهلت كل الفتيات من اصدقائها واقاربها من روعتها. أما والدها عباس، فقد حضر فقط ليضع إمضاءه على قسيمة الزواج، ومضى سريعاً كالغريب دون أن يبارك أو يلتفت خلفه. بالطبع، زوجته رضا لم تحضر وابنتها ايضا، وكذلك والدة سلوى التي لم تتمكن من القدوم بسبب ظروف السفر والغربة، لكنها هاتفتها ووعدتها بأن تكون أول الحاضرين في الليلة الكبيرة، ليلة الزفاف. ومع ذلك، لم تشعر سلوى بأي نقص؛ فإلى جوارها كان أهل سليم الذين يرحبون بها، ويشترون خاطرها بالغالي، وجدها وجدتها اللذان وقفا معها بكل ما أوتيا من قوة، رغماً عن عجز السنين وضعف الجسد. «"أيوة خطفني بسحر جماله.. شوقي باينله وعيني قايلاله.. خايفة ما أكونش أنا اللي في باله بعد ده كله..."» كانت هذه كلمات أغنية نانسي عجرم التي تتردد أصداؤها في أرجاء القاعة، بينما كانت سلوى تتمايل وتتراقص مع سليم على أنغامها في رقصتهما الثنائية. من حولهما، كانت الفتيات من صديقاتها والمعازيم يصفقون بحرارة وفرحة نابعة من أعماق القلب، يشاركونهما هذه اللحظة الساحرة. حقاً، أحياناً تعوضنا فرحة الغريب عن ذلك الاحتياج الشديد الذي كنا ننتظره ونتمناه من القريب! ..... تمت.....