روايه للكاتبه امل نصر

اما سلوى فكان “الذل” هو الكلمة الوحيدة الوافية لشرح تلك النيران التي أخذت تأكل روحها في هذه اللحظة.
شعرتْ ببرودة الصقيع تجتاح أطرافها رغم حرارة الطقس، وهي تجد نفسها ملقاة هكذا بغتةً في مواجهة وجوهٍ غريبة لم ترحم ضعفها.
كانت نظرات الجميع تخترقها، تفتش في تفاصيلها بصورة مهينة، وكأنهم يقيمون بضاعة معروضة على عجينة من البؤس. انكمشت سلوى على نفسها وعيناها مثبتتان في الأرض، عاجزة عن رفع جفنيها؛ كيف ترفع أهدابها حتى وهي لا تقوى على مواجهة نظرات تعرفها جيدا.
بدت في عين نفسها، وفي قسوة المشهد، كأنها متسولة جُرّت من فراشها عنوة لتُعرض كأضحية، لا أختٌ كبرى تُحترم في بيت أبيها.
ارتجفت شفتها السفلى بحسرة مكتومة، والدموع المتحجرة في عينيها أبت أن تسقط أمامهم حتى لا تمنح أختها لذة الانتصار. كانت تسمع دقات قلبها تتسارع كطبول الحرب، وتتمنى لو تنشق الأرض في هذه الثواني وتبتلعها، لتخلصها من نظرات الشفقة في عيون الاغراب، ونظرات الحقد المتطايرة من زوجة أبيها وأختها.
لكن الصمت الثقيل الذي لفّ الصالة لم يدم طويلاً، إذ قطعته والدة سليم التي تقدمت خطوة نحوها، وعيناها تتفحصان ملامحها المرتعشة بخوف..
، وفي حركة مباغتة قلبت كل التوقعات، خطت نحوها وسحبتها بكفيها الرقيقين إلى صدرها فجأة، وهي تنظر إليها بإعجاب شديد قائلة:
ـ يعني كل الحلاوة دي وهي لسة صاحية من النوم وشعرها منعكش؟ أمال البت دي حالها بيبقى إيه لما بس تتزوق وتلبس؟! ما شاء الله عليكي يا بنتي.. حلوة وزي القمر!
في تلك اللحظة، عجزت الكلمات عن وصف شعور سلوى؛ وهي تجد هذه السيدة الغريبة تضمها بعاطفة صادقة وحنان جارف، متجاهلة تماماً هيئتها المخزية وجلبابها المتسخ. كان الإحساس بالأمان والإنصاف يفوق الوصف، شعرت وكأن الله أرسل لها هذه الضمة لتجبر كسر خاطرها، فلم تتمكن من حبس دموعها التي فرت من عينيها لتسقط دافئة في حضن تلك السيدة الطيب.
أما سليم، فقد ارتسمت على وجهه ابتسامة مشبعة بالارتياح والفخر الشديد بوالدته وحكمتها التي أنقذت الموقف.
وعلى النقيض تماماً، كان وجه رضا وابنتها هدى قد اسودّ من فرط الحقد والضغينة؛ لما حدث وقلب الموازين لصالح الابنة المنبوذة، لتسرق ما هو حق لهما
، أما عزيزة فكانت تشعر بالتشتت وعدم الفهم.»





