روايه للكاتبه امل نصر

ساد في البيت جو غريب مشحون بالسرية منذ الصباح. استشعرت سلوى ذلك الشيء الخفي منذ أن استيقظت وتناولت وجبة الإفطار على عجل بحضور والدها قبل أن يغادر إلى عمله.
كانت الأجواء مريبة؛ فزوجة أبيها لا تكف عن الاختلاء بابنتها “هدى” في كل لحظة، وفي كل مرة تباغتهما سلوى في غفلة منهما، تجدهما تتهامسان بكلمات مقتضبة تتلاشى فور اقترابها. كانت تراقب الأمر بحرص وفضول ينهش رأسها، وهي تتنقل بين أرجاء البيت؛ تارة وهي ترفع السجاد لتنظيف الصالة، وتارة أثناء جلي الأواني، أو إعداد الطعام كما تفعل الآن.
لم يكن الهمس وحده مريباً، بل كانت هدى تتزين بشكل مبالغ فيه على غير العادة؛ وأمها تشرف عليها بملامح يملؤها الزهو، وتتفحصها بنظراتها كل لحظة وكأنها قطعة ثمينة تُعرض في واجهة.
انقطع تأمل سلوى المشوب بالشك حين اقتربت منها زوجة أبيها، بابتسامتها اللزجة ولسانها المعسول كالعادة، لتقول بنبرة آمرة مغلفة بالود:
ـ تسلم إيدك يا سلوى يا بنتي.. معلش همتك معانا بأيدك الحلوة دي تعملي عصير يسقع في الثلاجة، وياريت كمان لو تعملي صينية بسبوسة من اللي قلبك يحبها عشان شكله كدة جالنا ضيوف على غفلة
.
تركتها وزحفت عائدة نحو غرفتها لتكمل الإشراف على ابنتها، بينما بقيت هدى غارقة في مبالغتها بالزينة، لا تكف عن إجراء المكالمات الهاتفية المتتالية مع صديقاتها، تضحك بهمس وتتحدث بنبرة مليئة بالغموض والإثارة.
غادرت زوجة أبيها الغرفة، لكنها لم تلبث أن عادت وقربت تطل على سلوى التي كانت مندمجة في تقليب الأرز. وقفت عند عتبة المطبخ، وتأملتها بنظرات فاحصة قبل أن تخاطبها بذوق مستفز ونبرة تقطر لؤماً:
ـ يوه! إنتي لسة قاعدة في المطبخ يا سلوى؟ تعبينك معانا قوي يا حبيبتي.. معلش كله بثوابه بقى.
لو كانت سلوى تملك ذرة واحدة من الجرأة، لكانت صرخت في وجهها وصبت كل ما يغلي في صدرها من قهر. لكانت واجهت هذه المرأة المستغلة التي تتعمد هد حيلها واستنزاف طاقتها في هذين اليومين اللذين تقضيهما في زيارة والدها، وكأنها ما جاءت إلا لتكون خادمة بلا أجر.
لكن العجز كان أقوى، والحاجة إلى السلام تجعلها تبتلع مرارتها. التفتت إليها، وضغطت على شفتيها لتجبر نفسها على رسم ابتسامة باهتة ومجاملة فرضتها عليها الظروف، وقالت بصوت خفيض تحاول جاهدة ألا يرتجف:
ـ ولا تعب ولا حاجة يا طنط.. عادي، زمان الرز يستوي والكل يكون جاهز.





