روايه للكاتبه امل نصر

اضطرت سلوى للرضوخ كالعادة، وحملت جسدها المنهك وصعدت درجات السلم نحو السطح. بذلت كل ما تبقى من طاقتها لتنشر تلك السجادة الثقيلة التي كادت تقصم ظهرها، ثم اتجهت نحو الطيور، تملأ الأواني بالماء وتضع لها الطعام وسط الغبار المتطاير الذي تغلغل في ثيابها وشعرها.
ما إن انتهت من مهمتها الشاقة وبدأت بالهبوط، حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ لقد وصل الضيوف!
كانوا يدلفون من باب البيت، بينما والدها وزوجته يستقبلونهم بحفاوة بالغة وتراحيب حارة عند المدخل. لزقت سلوى في مكانها فوق درجات السلم، وعجزت عن تحريك قدمها خطوة واحدة إضافية للأسفل. كيف تنزل وتظهر أمامهم الآن؟ كيف تواجه الأغراب بجلبابها المبلل بماء الطيور، وشعرها الأشعث، ومظهرها المزري الذي يفوح تعباً وقهراً؟
غمرتها حسرة حارقة نهشت قلبها، وهي تقارن بين صورتها الحالية وصورة أختها هدى التي تقف في الداخل بكامل زينتها، وعطرها، ودلالها. شعرت بالدموع تغشي عينيها وتحجب عنها الرؤية، فقررت أن تدير ظهرها للموقف كله، وتصعد ثانية إلى السطح لتختبئ هناك حتى ينتهي الكابوس ويرحل هؤلاء الضيوف.
ولكن، وكأن الحظ يعاندها حتى النهاية، تعثرت قدمها بجردل الطعام الفاضي الذي كانت تحمله. اهتز الجردل البلاستيكي الثقيل من يدها، وافلت ليتهاوى من فوق درابزين السلم، ويسقط بقوة مرتطماً بالأسفل، وتزامناً مع ارتطامه، دوت في المكان صيحة ألم حادة أطلقها شاب!
شهقت سلوى برعب، وضربت على خديها بكفيها معاً، وجرت نحو الدرابزين لتستكشف حجم المصيبة التي ارتكبتها. نظرت للأسفل، فالتقت عيناها بشاب وسيم ومهندم للغاية، كان يمسك بمقدمة رجله التي نزل عليها الجردل مباشرة وهو يتأوه.
زاد هذا المشهد من همها وقهرها، وبدافع من الصدمة والخوف، نسيت مظهرها المزري، وتقدمت نحوه بضع درجات تتأسف بعفويتها وتلقائيتها الريفية:
ـ أسفة يا أستاذ.. رجلك بتوجعك أوي؟ يا مصيبتك يا سلوى!

التقت عيون الشاب بعينيها في تلك اللحظة الصادمة، ولأول وهلة، لم يرَ ثيابها المبتلة أو مظهرها المزري، بل انتبه لملامحها النقيّة؛ وجهٌ قمحيّ تتربع على وجنتيه حمرةٌ طبيعية جذابة، تضاعفت بفعل حرارة السطح والجهد الذي بذلته. وشعرٌ ناعم، رغماً عن كونه غير مصفف، إلا أنه تمرد بصورة غجرية عفوية على وجهها، فأضفى عليها سحراً خاصاً. أما عيناها.. فكانتا بسواد صافٍ عميق، ورغم ضيقهما قليلاً، إلا أن نظرة الرعب والبراءة الشاخصة نحوه كانت جميلة بشكل يأسر العين ويسرق الانتباه.
كانت واقفة تتأرجح بين الرغبة في الاختباء وبين لهفتها لتطمئن عليه، بعد أن سقط الجردل بحافته الحادة مباشرة فوق مقدمة رجله. تنفس الشاب الصعداء داخلياً، وحمد الله أنه كان ينتعل حذاءً جلدياً سميكاً، وإلا لكانت الإصابة قد وصلت لكسر مؤكد في إصبعه الكبير على الأقل.
هو الذي لم يتأخر عن الدخول مع عائلته سوى دقيقتين اثنتين ليصفّ سيارته بالخارج، بدا وكأنه نال نصيبه وقدره المحتوم في هذه الوقعة، فقط لتقوده الصدفة إلى رؤية هذه الفتاة الجميلة الجذابة، ويلمح في عينيها ذلك الخوف الصادق عليه.. خوفٌ من الواضح أنها هي السبب فيه.
نسي ألم رجله لثوانٍ، وظل مأخوذاً بتلك العفوية الطاغية، ونبرتها الخائفة التي رنت في أذنيه: “يا مصيبتك يا سلوى!”، قبل أن يستجمع نفسه ويجيبها بنبرة هادئة حملت ابتسامة خفيفة حاول مداراتها:
ـ الحمد لله.. جت سليمة، الجزمة جامدة وشديدة حمت الرجل والوجع بسيط.. متخافيش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *