روايه للكاتبه امل نصر

………………….

ارتسمت ابتسامة رضا لزجة على شفتي زوجة أبيها، وهي تتقدم نحوها بخطوات ناعمة، ثم ربتت على كتفها قائلة بنبرة تحمل شفقة مصطنعة:
ـ خلاص يا حبيبتي، روحي أنتِ ارتاحي شواية وغيري هدومك، وأنا هكمل بقية الطبيخ بدالك.
نظرت إليها سلوى بذهول مكتوم؛ فالطعام لم يتبقَّ على نضوجه سوى دقائق معدودة، ومرحلة “آخر تسوية” هي كل ما تحتاجه القدر قبل أن يُصب في الأطباق. كانت سلوى تعرف هذه اللعبة جيداً؛ تمثيلية مكشوفة تمارسها زوجة أبيها ببراعة، لتظهر أمام الأب والضيوف بمظهر الأم المدبرة والزوجة الصالحة التي وقفت في المطبخ وصنعت الطعام بيديها، بينما يضيع جهد سلوى وتعبها في الفراغ.
حاولت سلوى أن تمنعها، وتمسكت بحقها في إكمال ما بدأته، وقالت بمقاومة يائسة:
ـ لا يا طنط ارتاحي أنتِ، خلاص مش باقي غير حاجات بسيطة وأغرف الأكل، أنا هكمله.
لكن الأخرى أصرت بصلابة مغلفة بالود، ومدت يدها لملعقة التقليب قائلة بحسم:
ـ قولتلك روحي ارتاحي يا بنتي.. اسمعي الكلام بقا، متبقاش راسك ناشفة!
أمام هذا الإصرار الفج، شعرت سلوى بالغثيان من هذا النفاق، واضطرت للرضوخ كالعادة. تركت لها المطبخ والأكل وهي تشعر بغصة حارقة في حلقها؛ غصة من يرى مجهوده يُسرق أمامه علانية ولا يملك حتى حق الاعتراض.

جرّت سلوى جسدها المنهك وخطواتها الثقيلة، واتجهت بحيلها المهدود نحو غرفة أختها هدى.
فتحت الباب لتجد هدى واقفة أمام المرآة، وقد انتهت تماماً من ارتداء ثيابها والتزين، وبدأت بنثر رذاذ الـ “بودي سبلاش” بعطر نفاذ ملأ أركان الغرفة. دلفت سلوى بخطى خافتة، ووقفت تتأملها بذهول ممزوج بالمرارة؛ كل هذا البريق والدلال لا يمكن أن يكون عبثاً. لم تطق صبراً، وغلغل الفضول في صدرها ليدفعها نحو السؤال علّها تفك لغز هذا اليوم:
ـ إيه الحلاوة دي يا هدى؟ أنتِ خارجة ولا عندك مشوار مهم؟
التفتت إليها هدى، ورمقتها بنظرة متعالية باردة، ثم عادت لتتفحص زينتها في المرآة وهي تجيب باقتضاب وبرود:
ـ لا مش خارجة.. النهاردة جايلنا ضيوف تبع اهل ماما، وبس.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة قاطعة وضعت حداً للحديث، ولم تكلف نفسها عناء زيادة حرف واحد .

وأمام هذا التجاهل المتعمد والصد الجاف، شعرت سلوى باليأس؛ فانسحبت بهدوء وجلست على طرف الفراش، ممسكةً بهاتفها المحمول القديم لتقلب في رسائله القديمة علّها تشغل عقلها عن التفكير ومشاعر القهر التي تحاصرها.
لكن الاستراحة لم تدم لدقائق؛ إذ انفتح الباب فجأة ودلفت زوجة أبيها بملامحها المتلونة، واقتربت من سلوى قائلة بنبرة تمثيلية تفيض بالمسكنة والرجاء:
ـ معلش يا سلوى يا حبيبتي.. عارفة إنك تعبتي، الشقة لازم تبقا فلة قبل ما الناس يوصلوا. اطلعي يا بنتي انشري السجادة الكبيرة دي ع السطح عشان تتهوى، وبالمرة وأنتِ فوق أملي الطواجن وأكّلي الطيور عشان منسية من الصبح.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *