روايه للكاتبه امل نصر

ارتبكت سلوى بشدة أمام نظراته المتفحصة التي كانت موجهة إليها بتمعن. في تلك اللحظة بالذات، ضربتها حقيقة مظهرها؛ تذكرت العباءة البالية المبهدلة التي ترتديها، فابتلعت ريقها وتحشرجت الكلمات في حلقها وهي تحاول أن تخرج صوتها بنبرة طبيعية تخفي خجلها:
ـ بص يا أستاذ.. حاول تدوس عليها معلش عشان أطمن، أو لو تحب أنزل بيك عند صيدلية الدكتورة جورجيت تحت في العمارة، دي شاطرة أوي ولهلوبة وهتتصرف.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرحة، وكرر كلمتها بذاك الإعجاب الفطري الذي تملك قلبه:
ـ شاطرة ولهلوبة؟!
ثم عاد يوجه إليها سؤاله من جديد، متشبثاً بمعرفة هويتها قبل أي شيء:
ـ طب اعرف أنتِ مين الأول؟ العمارة دي مفيهاش غير بيت واحد.. بيت الأستاذ عباس.
أجابت بعفوية ودون تفكير:
ـ أيوة.. ما أنا بنته.
ـ بنته!
ردد الكلمة خلفها وعيونه تبرق بلمعة مباغتة. دارت في عقله الأسئلة كالعاصفة؛ يتساءل في سره بدهشة وفرحة لم يحسب لها حساباً: “معقولة؟ معقولة دي العروسة؟! ما هي فعلاً في نفس السن اللي اتوصفلي، ما بين تمنتاشر لعشرين سنة، والباقي إخواتها ولاد صغار.. يا فرج الله! العسل دي تبقى العروسة اللي جاي أشوفها مع والدتي؟!”
ثم عاد يتأملها وعقله يحاول الربط بين مظهرها ومناسبتهم: “بس مالها مبهدلة كدة؟ أكيد مكانتش تعرف بزيارتنا، أو لسة ما استعدتش.. بس هي كدة أصلاً عسل ومش محتاجة حاجة!”
انتبهت سلوى لشروده ونظراته الشاخصة نحوها دون حراك، فضيقت عينيها وقالت بنبرة حملت بعض الضيق:
ـ مالك يا أستاذ تنحت كدة ليه؟ رجلك بتوجعك ولا لأ؟
أجابها وعيناه تفيضان بغزل صريح غير آبه بالوجع:
ـ مش رجلي يا قمر.. دا قلبي هو اللي بيوجعني!
شهقت سلوى داخلها بخضة من تحوله السريع وغزله المفاجئ. في ثانية واحدة، تبخر الخوف واللهفة وحل محلهما غيظ شديد وغضب من جراءته، فصاحت به بنبرة حادة ووجه محتقن بالدم:
ـ سلامة قلبك! وأنا اللي كنت خايفة عليك ونازلة جرى.. الله يسهلك يا أستاذ!
استدارت مغضبة، ودفعت باب الشقة الخشبي لتدخل بسرعة، مستغلة تأكدها من أن الضيوف قد استقروا الآن في غرفة الجلوس بعيداً عن الممر، ولن يلمحها أحد منهم بمظهرها هذا.
دخلت سلوى وهي غافلة تماماً عن أنها تركت خلفها العضو الأهم في تلك الزيارة؛ سليم، الذي ظل واقفاً في مكانه لدرجات، يراقب أثر خطوتها وعينيها الثائرتين حتى اختفت خلف الباب.. المنزل الذي قصده اليوم مخصوصاً مع أهله ليرى العروسة، يبدو أنه وقع في حبها من قبل أن يطأ عتبته
……………………………
بعد لحظات
كان سليم يجلس مستنداً إلى مقعده الخشبي، يرتشف من عصير المانجو ببرود مصطنع، بينما يندمج في حديث التعارف التقليدي مع الأستاذ عباس وزوجته، تحيط به والدته وعمته—التي تولت دور “الخاطبة” وجاءت تسعى لتوفيق رأسين في الحلال. وطوال هذا الوقت، كان الحماس يضرب في صدره بعنف، وعقله شارد تماماً مع تلك الفتاة “المنعكشة” التي رآها على السلم منذ دقائق؛ يرتجف شوقاً ليرى كيف سيتحول هذا السحر العفوي القمحي عندما تتزين وتدخل بكامل دلالها.
انقطع حبل أفكاره الوردية على صوت عمته وهي ترحب بحفاوة بالغة بالعروس المقبِلة:
ـ بسم الله ما شاء الله.. قمر يا حبيبتي، تعالي يا هدى يا بنتي سلمي.
التفت رأس سليم بلهفة عارمة صرخت بها ملامحه، لكن تلك اللهفة خبت فجأة، وانطفأت في عينيه اللمعة لتبلغ حد الصدمة والجفاف، وهو ينظر إلى فتاة أخرى تماماً! فتاة بيضاء، مفرطة في مساحيق التجميل، تبث عطراً نفاذاً وتتقدم بخطى مدروسة وهي تحمل صينية البسبوسة.
لم يستطع السيطرة على ذهوله، فخرجت الكلمة منه مقتضبة، جافة، كأنها صفعة في هدوء الغرفة:
ـ مين الآنسة؟
التفتت والدته إليه بقرصة خفيفة في فخذه، ورمقته بنظرة عتاب هامسة: “جرى إيه يا سليم؟ دي هدى العروسة!”، بينما تجمدت ابتسامة زوجة الأب التي كانت تترقب ملامح إعجابه، وتحشرج صوت الأستاذ عباس وهو يعتدل في جلسته قائلاً بدهشة:
ـ دي هدى بنتي يا سليم يا ابني.. العروسة.
وقع الكلمة على سليم كان كالمياه الباردة. تراجع بظهره إلى الخلف، ودارت عيناه في أرجاء الصالة القديمة يبحث عن ملامح تلك القمحية، وأدرك في ثانية واحدة أن هناك شيىا ما غير مفهوم، او ربما حيلة لم يحسب لها أحد حساباً. نظر إلى هدى بنظرة باردة لم يعتدها أحد منه، وقال بصوت هادئ يحمل وراءه عاصفة:
ـ أهلاً وسهلاً يا آنسة هدى.. تشرفنا. بس أنا كان يتهيأ لي إن بنت الأستاذ عباس…… مش هي دي!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *