حكايات ميرا

—
وفي الطابق السفلي…
بعيدًا عن الموسيقى والأضواء…
كانت سارة محمود تجلس على ركبتيها في أحد ممرات الخدمة.
الموسيقى تصلها مكتومة من السقف.
لم تكن تهتم بالحفل.
كل تركيزها كان على أثر حذاء أسود التصق بأسفل الحائط بجوار غرفة الغسيل.
رشّت المزيد من سائل التنظيف.
أحرقت رائحة الكلور والليمون الصناعي أنفها، بينما ظلت تفرك البقعة حتى احمرت مفاصل أصابعها.
كان عمرها ستة وعشرين عامًا.
لكن الهالات السوداء تحت عينيها جعلتها تبدو أكبر.
كانت ترتدي تيشيرتًا رماديًا واسعًا يحمل شعار شركة النظافة، وبنطال عمل أسود باهت، وحذاءً مطاطيًا يصدر صريرًا مع كل خطوة.
أما شعرها البني…
فكان مربوطًا بسرعة بمشبك بلاستيكي مكسور الأسنان.
جلست للخلف ومسحت العرق عن جبينها.
نظرت إلى ساعتها الرقمية الرخيصة.
الساعة…
الحادية عشرة وخمس وأربعون دقيقة.
بقيت خمس عشرة دقيقة فقط على انتهاء الوردية.
بعدها رحلة أتوبيس أربعين دقيقة…
ثم أربع ساعات نوم…
ثم تبدأ عملها الثاني في مطعم شعبي عند السادسة صباحًا.
حياة تستنزفها ببطء.
لكنها لم تكن تملك خيارًا.
أخوها الأصغر كريم ارتكب أغبى خطأ في حياته.
استدان مليون جنيه من رجال يتبعون عائلة الشافعي بعدما ظن أنه سيربحها في القمار.
وخلال أشهر قليلة…
تضاعف الدين.
ثم كسروا ذراعه.
ووعدوه أن تكون المرة القادمة ظهره.
ذهبت سارة إليهم بنفسها.
لم تبكِ.
ولم تتوسل.
وضعت كل مدخراتها فوق الطاولة.
وقالت إنها ستعمل حتى تسدد باقي الدين.
فضحكوا منها.
لكنهم قبلوا العرض.
ومنذ ذلك اليوم…
كل راتب تحصل عليه يذهب مباشرة لسداد الدين.
ولا يبقى معها سوى إيجار الشقة وثمن كيس مكرونة سريع التحضير.
—
“يا سارة.”
رفعت رأسها.
كانت أم حسن، إحدى عاملات المطبخ، تحمل كيس قمامة كبيرًا.
قالت:
“لسه بتنضفي؟ سيبي العلامة دي… الباشا عمره ما بينزل هنا.”
أجابت سارة وهي تواصل الفرك:
“لو سيبتها… المشرف هيخصم من مرتبي.”





