حكايات ميرا

منذ سنوات لم يسمع أحدًا يغني دون أن ينتظر مقابلًا، أو إعجابًا، أو تصفيقًا.
اقترب أكثر.
ومن خلال الباب نصف المفتوح…
رآها.
فتاة بملابس عاملات النظافة، منكفئة على الأرض، تمسك الممسحة بيد، وباليد الأخرى قطعة خبز يابسة تأكل منها بين كل دقيقة وأخرى حتى لا يراها أحد.
لم تكن تعلم أن أخطر رجل في القصر يقف على بعد خطوات منها.
سمعها تتمتم لنفسها وهي تنظر إلى شاشة هاتف قديم متشقق:
“يا رب… النهارده أقدر أدفع القسط قبل ما يروحوا لكريم.”
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم التعب.
“بس خلّيه يعيش… وأنا أشتغل العمر كله.”
لم يعرف أدهم لماذا…
لكن شيئًا انقبض داخل صدره.
كانت كل النساء في الأسفل يطلبن منه حياة أفضل.
أما هذه…
فكانت تطلب من الله حياة لشخص آخر.
وفي اللحظة نفسها…
اهتز جهاز الاتصال في أذن أحد الحراس.
ظهر خلف أدهم مباشرة وقال بصوت منخفض:
“باشا… القاعة مستنياك.”
أشار إليه أدهم أن يصمت.
لكن الحارس كان قد تكلم بالفعل.
رفعت سارة رأسها بسرعة.
التقت عيناها بعيني الرجل الواقف عند الباب.
لم تعرفه.
كل ما رأته…
رجل طويل ببدلة سوداء فاخرة، ينظر إليها بصمت.
شهقت بخفوت، ثم وقفت مرتبكة ومسحت يديها في مريول العمل.
“آسفة يا فندم… الحمام مقفول خمس دقايق وهخلص.”
لم يرد.
ظل ينظر إليها.
نظرة أربكتها أكثر.
خفضت رأسها وهي تظن أنه أحد الضيوف المهمين.
“والله ما كنتش بقعد… كنت باكل لقمتين بس.”
قال بهدوء:
“اسمك إيه؟”
ترددت.
“سارة.”
“من إمتى بتشتغلي هنا؟”
“سبع شهور.”
أومأ برأسه.
ثم سأل السؤال الذي لم يفهم هو نفسه سبب خروجه:
“ليه كنتِ بتغني؟”
ابتسمت بخجل.
“لأن الشغل بيخلص أسرع لما الواحد يغني.”
ثم أضافت وهي تضحك على نفسها:
“أو يمكن علشان محدش يسمعني وأنا بتكلم مع ربنا.”
لأول مرة منذ سنوات…
شعر أدهم أن أحدًا أجابه دون خوف، ودون مصلحة.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتفه الخاص.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل…





