روايه للكاتبه امل نصر

قلب خارج القسمة

تفتَّحت عيناها رغماً عنها على جلبة الصغار المعتادة؛ صراخٌ حاد، وخطواتٌ غير مكترثة تدوس أطراف غطائها، ودفشاتٌ عشوائية من أقدام إخوتها غير الأشقاء وهم يتخطون جسدها النحيل.
كانت ترقد هناك.. في ذلك الشق الضيق والفاصل بين السريرين. البقعة التي غدت ملاذها ومضجعها الإجباري كلما جاءت لتقضي يومي الزيارة المفروضين لوالدها. رجلٌ طلق أمها قبل سنوات، ومضى يؤسس عائلة جديدة حافلة بالأبناء، تماماً كما فعلت أمها التي تزوجت هي الأخرى وأنجبت من غيره. أما سلوى، فكانت تلك النبتة التي نبتت في الهامش، تعيش في كنف جدها وجدتها العجوزين، وتتقاسم الأيام بين زيارات مشروطة.
في هذا البيت، كانت تتجرع في كل ثانية إحساساً مهيناً بأنها كائنٌ فائض عن الحاجة، فردٌ غير مرغوب فيه، ومع ذلك تظل مجبرة على المجيء. والمفارقة المريرة أن أمها أيضاً تزورها في بيت جدها كالغرباء، تمر عليها متخففة من قيد الأمومة، تماماً كخالاتها.
أيقنت سلوى، منذ أن وعيت على الدنيا، المعادلة القاسية: إخوتها من أمها لديهم أب وأم يرعيانهم، وإخوتها من أبيها لديهم أب وأم يحيطانهم بالدفء؛ أما هي، فمجرد رقم زائد خارج قسمة القلوب، لا تنال إلا الفتات. وعليها أن ترضى بهذا الفتات صاغرة، وإلا خسرت الجميع ولم تجد من يمنحها قرشاً واحداً. قرشٌ تعلمت مبكراً أنها لا تأخذه منةً، بل تدفع ثمنه مقدماً من صحتها وجهدها في خدمة البيت.. تماماً كما يوشك أن يحدث الآن.
انقطع حبل أفكارها الكئيبة حين اخترق مسامعها صوت زوجة أبيها، بنبرتها التي تقطر طيبةً زائفة، تخفي خلفها قائمة لا تنتهي من أعمال المنزل الشاقة:
ـ يا سلوى.. إنتي يا سلوى! قومي يا بنتي عشان تفطري معانا.

كان لا بد لسلوى أن تطيع النداء وتنهض فوراً؛ فالعصيان هنا تكلفتُه باهظة. وحتى لو كان جسدها النحيل يتوق لجرعة إضافية من النوم، فما نفع البقاء في مضجعٍ لا يعرف للراحة سبيلاً؟ مضجعٌ يترك عظامها كل صباح محملة بآلام الرطوبة وقسوة الأرض.
نهضت بتثاقل، ولملمت ملاءتها وغطاءها المتواضع، طوتهما بعناية لتسندهما عند طرف سرير أحد اشقاءها.

وفي تلك اللحظة، التفتت لتجد ما لم تعتده؛ رأت خارج الغرفة هدى شقيقتها من ابيها تمر من امامها وقد استيقظت وغادرت فراشها! مفاجأة غريبة، فهي اعتادت أن تغط في نومٍ عميق حتى آذان الظهر، تتركها والدتها تنعم بالراحة والدلال، ما دام هناك بديلٌ جاهز يسد الفجوة، ويحمل عن كاهلها عبء البيت بأكمله.
رفعت سلوى يديها، ولمت خصلات شعرها المتمردة برابطة بسيطة، ثم تحركت بخطى وئيدة تغادر الغرفة. كانت الردهة قد خلت حتى من الصغار؛ إذ هرعوا جميعاً يسبقونها إلى المائدة، ليتلقفوا أطباق الطعام المتراصة فوق السفرة الخشبية القديمة، يلتهمون ما عليها بنهم، قبل أن تطأ قدمها المكان
…………………..

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *