"يا بيه... ممكن أستلفك يوم واحد؟" السؤال البريء دوّى داخل غرفة اجتماعات سرية، كان فيها اتناشر من أخطر رجال العصابات في القاهرة بيقرروا مين هيدفع تمن الليلة قبل ما الفجر يطلع. مس\دس معبّي كان مرمي فوق قطعة قماش سوداء، وخرائط لأحياء المدينة مفروشة على ترابيزة خشب ضخمة، ودخان السيجار مالي المكان كأنه سحابة واقفة في الهوا. وعلى رأس الترابيزة كان قاعد أدهم الشافعي... الرجل اللي مجرد سماع اسمه كان كفاية يخلي الناس تسيب المكان من غير حتى ما تطلب الحساب. وأمام مس\دسه مباشرة، واقفة طفلة عندها تلات سنين، لابسة فستان أصفر، وماسكة في إيدها قلم شمع بنفسجي. كل الموجودين كانوا عارفين إن الطفلة دي دخلت اجتماع ممكن يغيّر موازين القوة في عالم الجري\مة. ولا حد اتحرك. ولا حد اتكلم. ولا حتى حد تجرأ يبص باستغراب. الجميع كانوا مستنيين أدهم الشافعي ينفجر غضب. لكنه رفع صباع واحد بس. في أقل من ثواني، الاتناشر راجل وقفوا بهدوء. كل واحد شال كرسيه من غير صوت، جمع أوراقه، وخرج في صمت تام، وسابوا المس\دس، والخرائط، والطفلة، ورئيسهم لوحدهم. آخر واحد خرج كان كريم فوزي... الرجل اللي فضل واقف جنب أدهم عشر سنين كاملة. كان ذراعه اليمين. حضر معاه كل الأفراح والعزا، وكل الاجتماعات والاتفاقات والحروب. خد رصاص مكانه أكتر من مرة، وكان حافظ أسرار الإمبراطورية كلها، من خزائن الفلوس لحد أسماء الناس اللي بتشتغل لحسابهم. وقبل ما يقفل الباب، بص للطفلة نص ثانية بس. لكن أدهم لاحظ النظرة. في نفس اللحظة دخلت أم الطفلة وهي بتجري. مريم السيد، العاملة في تنظيف القصر، كان وشها أصفر من الخوف. نزلت على ركبها بسرعة ومسكت بنتها بإيدين بترتعش. وقالت: "أنا آسفة جدًا يا بيه... أختي تعبت بالليل، والست اللي كانت هتقعد مع بنتي اعتذرت. افتكرت هسيبها في المغسلة معايا... ماكنتش أتخيل إنها تدخل هنا. أنا هقدم استقالتي حالًا." أدهم ما ردش. أما الطفلة، فكانت قعدت على الكرسي المقابل ليه، وبدأت ترسم وش بيضحك بالقلم البنفسجي على القماش الأسود اللي جنب المس\دس. ضفايرها كانت مفكوكة، وشرابها الأبيض نازل من رجلها، ولسانها طالع من جنب بقها وهي مركزة في الرسمة. بصلها أدهم بحذر. وسأل: "اسمك إيه؟" رفعت عينيها وقالت بابتسامة: "سارة." بص لأمها. "وانتي؟" "مريم السيد." "ليه قالت إنها عايزة تستلفني؟" بلعت ريقها وقالت: "والله معرفش يا بيه." لكن الطفلة قاطعتهما بسرعة. "أنا عارفة." بصلها أدهم. حطت القلم قدامها، وضمت إيديها فوق الترابيزة وكأنها داخلة تفاوض. وقالت: "بكرة في الحضانة عندنا يوم العيلة. كل الأطفال هيجيبوا باباهم أو جدهم أو أي حد كبير." وسكتت لحظة. "بابايا راح عند ربنا... وماما قالت يمكن ما أروحش." مريم غمضت عينيها. زوجها أحمد السيد توفى من تمانية شهور بأزمة قلبية وهو عنده أربعة وتلاتين سنة. كان شغال في موقع بناء، وفجأة وقع على الأرض، وكل محاولات إنقاذه فشلت. وفي الليلة دي... سارة فضلت واقفة عند الشباك، ماسكة رسمة كانت عاملاها لباباها... بس هو ما رجعش. فضل أدهم باصص للطفلة. وقال بهدوء: "وعايزة تستلفيني؟" هزت رأسها بحماس. "يوم واحد بس." "إيه اللي هنعمله؟" قالت وهي بتعد على صوابعها: "هنروح الحضانة... وبعدها الجنينة... وتزقني على المرجيحة لحد ما أوصل السما... وبعدين ناكل آيس كريم فراولة." وبعدين بصتله وقالت ببراءة: "ماما قالت مش معانا فلوس نجيب آيس كريم الأسبوع ده... بس أكيد إنت معاك فلوس كتير." أدهم الشافعي واجه رجال أعمال وسياسيين ومجرمين حاولوا يهددوه... لكن عمره ما احتار قدام طفلة بالشكل ده. ردد بهدوء: "يوم واحد... حضانة... وجنينة... وآيس كريم فراولة." ابتسمت سارة وهزت رأسها. وبعدين قالت بمنتهى الجدية: "بس لازم تلبس هدوم عادية... بابايات زمايلي مش بيلبسوا بدلة سودة زي بتاعة العزا." سادت لحظة صمت. ثم لف أدهم ناحية الباب وقال بصوت هادئ: "يا كريم." الباب اتفتح فورًا، ودخل كريم وهو ماسك دفتر المواعيد. قال أدهم: "فضّيلي جدول بكرة كله." تجمد القلم في إيد كريم. وسأله بدهشة: "اليوم كله يا باشا #حكايات_ميراا لسه الحكاية مخلصتش.. عشان يوصلك باقي القصة لايك وكومنت وتابعوا الصفحه من هنا ميرا احمدتجمد القلم في إيد كريم، وسأل بدهشة: "اليوم كله يا باشا؟" رفع أدهم عينيه إليه بنظرة قصيرة كانت كفاية تنهي أي سؤال. "اليوم كله." أومأ كريم برأسه فورًا. "أوامرك." خرج من الغرفة وهو لسه مش مستوعب. خلال عشر سنين عمره ما شاف أدهم الشافعي يلغي اجتماعًا واحدًا، ولا يأجل صفقة بملايين، ولا يغير خطة بسبب أي إنسان. إلا بسبب طفلة ماسكة قلم شمع بنفسجي. --- تاني يوم... القصر كله صحي على منظر عمره ما اتكرر. أدهم الشافعي نازل السلم لابس بنطلون جينز أزرق، وتيشيرت أبيض، وجاكيت كحلي بسيط. الحرس وقفوا يبصوا لبعض. حتى كريم كتم ضحكته بالعافية. سأل أدهم ببرود: "إيه؟" رد كريم بسرعة: "ولا حاجة يا باشا... بس أول مرة أشوف حضرتك من غير بدلة." في اللحظة دي خرجت سارة من المطبخ، ولما شافته شهقت بسعادة. "واااو... دلوقتي بقيت شبه البابايات بجد." جريت عليه ومدت إيدها الصغيرة. "يلا." بص أدهم لإيدها ثواني... ثم مسكها. كل اللي في القصر اتجمدوا. زعيم العصابة اللي الناس كانت بترتعش من اسمه، ماشي ماسك إيد طفلة صغيرة وكأنه أبوها. --- قدام الحضانة... العربيات الفخمة وقفت بعيد بأمر من أدهم. قال للحرس: "ولا واحد ينزل." اعترض كريم. "بس يا باشا..." "قولت ولا واحد." نزل هو وسارة ومريم بس. أول ما دخلوا، الأطفال جريوا ناحية سارة. "بابا سارة جه!" ابتسمت بفخر وهي ماسكة إيده. "مش قولتلكم؟" المدرسة ابتسمت. "أهلاً بحضرتك." هز رأسه باختصار. ولأول مرة في حياته، لقى نفسه قاعد على كرسي بلاستيك صغير وسط آباء بيشتغلوا مدرسين ومحاسبين وسواقين. كان واضح إنه مش مرتاح. لكن كل ما يبص لسارة وهي بتضحك... كان يقعد مكانه. --- بعد ساعة... طلبت المدرسة من كل طفل يرسم عيلته. رسمت سارة نفسها... ورسمت مريم... وبعدين رسمت راجل طويل لابس تيشيرت أبيض. سألتها المدرسة بابتسامة: "وده مين؟" ردت سارة ببساطة: "ده عمي أدهم... استلفته النهارده." ضحك الفصل كله. أما أدهم... فابتسم لأول مرة من غير ما يحس. --- بعد الحضانة راحوا الجنينة. وقفت سارة قدام المرجيحة. "افتكر وعدك." ابتسم بخفة نادرة. "حاضر." قعدت على المرجيحة، وبدأ يزقها بهدوء. كل مرة كانت تضحك بصوت أعلى. "أعلى!" زقها شوية. "أعلى!" زقها أكتر. فضلت تضحك وهي تصرخ: "أنا هلمس السما!" كان فيه أب بيصور بنته بالموبايل، ومن غير قصد ظهر أدهم في الخلفية وهو بيضحك. بعد ساعات قليلة، الصورة انتشرت على صفحات محلية بعنوان: "الرجل الغامض مع طفلة في إحدى حدائق القاهرة." لكن محدش عرف إنه أدهم الشافعي. إلا شخص واحد... كان واقف بعيد جدًا، لابس كاب ونضارة سودا. كريم لمح الراجل من بعيد، وقرب من أدهم بسرعة. "يا باشا..." بص أدهم في الاتجاه اللي بيشاور عليه. لكن الراجل كان اختفى. همس كريم: "ده حسام العطار." تغيرت ملامح أدهم في ثانية. حسام... كان شريكه القديم، والرجل الوحيد اللي اختفى من خمس سنين بعد ما سرق ملايين واختفى من البلد. ولو رجع... يبقى رجع لسبب. في اللحظة نفسها، كانت سارة بتشد أدهم من إيده. "يلا... الآيس كريم." بصلها... ثم بص للمكان اللي اختفى فيه حسام. كان قدامه اختيار صعب. يطارد عدوه القديم... ولا يكمل اليوم اللي وعد بيه طفلة صغيرة. أغمض عينيه للحظة... ثم ابتسم لسارة وقال: "يلا نجيب أكبر آيس كريم فراولة في القاهرة." أما حسام... فابتسم من بعيد وهو يراقبهم، وقال للرجل الواقف بجانبه: "خلاص... عرفت نقطة ضعفه."ابتسامة حسام كانت باردة وهو بيبص من بعيد. "خلاص... عرفت نقطة ضعفه." لكن الراجل اللي واقف جنبه هز رأسه وقال: "نخطف البنت؟" قبل ما يكمل الجملة... سمعوا صوت أمان مس\دس بيتفك. لفوا بسرعة. كان كريم فوزي واقف وراهم، وحواليه أربعة من رجال أدهم. قال بهدوء مخيف: "أنا سيبتكم تتكلموا دقيقة كاملة... عشان أعرف هتوصلوا لإيه." اتجمد وش حسام. "كريم..." ابتسم كريم ابتسامة خفيفة. "كنت فاكر إننا مش هنحس بيك؟ من أول ما دخلت الجنينة وإنت متراقب." حاول واحد من رجال حسام يطلع سلا\حه. لكن خلال ثانيتين... كان متكتف على الأرض. أما حسام، فبص ناحية أدهم من بعيد، وشافه لسه بيساعد سارة تختار نكهة الآيس كريم، وكأنه مشغول تمامًا. همس باستغراب: "هو... مش جاي؟" رد كريم: "الباشا وعد طفلة بيوم كامل." وسكت لحظة. "وأدهم الشافعي عمره ما كسر وعد." --- في الناحية التانية... كانت سارة واقفة قدام عربية الآيس كريم. "عايزة فراولة... وشوكولاتة... وفانيليا." ضحك البائع. "ده كبير أوي يا أميرة." رفعت رأسها بثقة. "عمو أدهم هيحاسب." مد أدهم ورقة مالية كبيرة. البائع حاول يرجع الباقي. لكن أدهم قال: "خليه للأطفال اللي هييجوا بعدنا." ابتسم الراجل وهو مش مصدق. وسارة بصت لأدهم بإعجاب. "إنت طيب." الجملة نزلت على قلبه بشكل غريب. من سنين طويلة... آخر مرة حد وصفه فيها بالكلمة دي، كانت أمه قبل وفاتها. --- بعد المغرب... رجعوا القصر. وقفت سارة قدام الباب وهي زعلانة. "اليوم خلص بسرعة." ركع أدهم قدامها لأول مرة. "انبسطي؟" هزت رأسها بقوة. "أوي." طلعت من جيبها ورقة مطوية. "دي ليك." فتحها. كانت رسمة. هو واقف ماسك إيدها قدام الشمس، وفوقهم مكتوب بخط أطفال متعرج: "أحسن بابا مستلف." فضل باصص للرسمة من غير كلام. أما مريم، فكانت دموعها نازلة. "شكرًا يا بيه... حضرتك عملت لبنتي يوم عمرها ما هتنساه." رد بهدوء: "وأنا كمان." --- بعد ما خرجت مريم وسارة... دخل كريم المكتب. وقف قدام أدهم وقال: "حسام اتحبس في المخزن، ومستني أوامرك." رفع أدهم عينيه عن الرسمة. "هيتكلم." "ولو ما اتكلمش؟" اتغيرت ملامحه. "يبقى هيتمنى لو اتكلم." لكن قبل ما يقوم... رن هاتفه الخاص. الرقم كان داخليًا من بوابة القصر. رد الحارس بصوت مرتبك: "يا باشا... في مشكلة." "إيه؟" "الآنسة سارة رجعت." عقد أدهم حاجبيه. "رجعت ليه؟" جاء صوت سارة بنفسها من الهاتف، وهي تلهث: "عمو أدهم... نسيت أقولك حاجة مهمة." ابتسم دون أن يشعر. "قولي." قالت بصوت بريء جدًا: "أنا دعوتك حفلة عيد ميلادي الأسبوع الجاي... ومينفعش تتأخر." ثم أغلقت الخط. ساد الصمت في المكتب. نظر كريم إلى أدهم، فوجد ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه. لكن تلك الابتسامة اختفت فورًا عندما دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يصيح: "يا باشا... حسام هرب!" تجمد كريم. أما أدهم، فأمسك الرسمة الصغيرة بيده، ثم قال بصوت هادئ أخطر من أي صراخ: "اقفلوا كل مخارج القاهرة... الليلة دي محدش هينام."انطلق رجال أدهم في كل اتجاه. في أقل من خمس دقائق، كانت الهواتف بتترن في عشرات الأماكن، والسيارات السوداء خرجت من الجراجات، ونقط التفتيش السرية اتفعلت على مداخل القاهرة. أما داخل المكتب... فكان الهدوء هو أخطر شيء. وقف كريم قدام أدهم وقال بخجل: "الخطأ مني يا باشا." رفع أدهم عينيه إليه. "إزاي هرب؟" بلع كريم ريقه. "الحارس لقى واحد من الرجالة واقع ومخدَّر... وحسام كان مختفي." سكت لحظة ثم قال: "بس مستحيل يكون خرج لوحده." أدهم فهم المقصود. "يعني عندنا خائن." هز كريم رأسه. ولأول مرة منذ سنوات... دخل الشك بين رجال الإمبراطورية. --- في الوقت نفسه... كانت مريم بتحاول تنيم سارة في شقتها الصغيرة. سألتها سارة وهي مغمضة عينيها: "هو عمو أدهم هييجي عيد ميلادي بجد؟" ابتسمت مريم رغم تعبها. "لو وعدك... هييجي." ابتسمت سارة ونامت وهي محتضنة الرسمة اللي كانت عاملاها. لكن مريم فضلت صاحية. قلبها كان منقبض من غير سبب. --- الساعة اتنين بعد منتصف الليل... رن هاتف مريم. رقم مجهول. ردت بتردد. "ألو؟" جاها صوت رجل خشن. "انتي أم البنت اللي كانت مع أدهم الشافعي؟" اتجمد الدم في عروقها. "مين حضرتك؟" قفل الخط. بعدها بثواني... وصلت رسالة. صورة لسارة وهي خارجة من الحضانة الصبح. مكتوب تحتها: "الأطفال بيدفعوا تمن أخطاء الكبار." صرخت مريم ورمت الموبايل. في نفس اللحظة، رن هاتف أدهم. بص للرسالة اللي وصلته من أحد رجاله. كانت نفس الصورة. رد أدهم بهدوء مرعب: "هاتولي عنوان مريم... حالًا." --- بعد أقل من عشر دقائق... وقفت خمس عربيات سوداء قدام العمارة الشعبية. نزل أدهم بنفسه. فتح الباب، ولقي مريم بتبكي. ناولته الهاتف بإيد بترتعش. قرأ الرسالة مرة واحدة. ثم مسح الصورة من الهاتف. وقال: "من النهارده... محدش هيقدر يقرب من سارة." اعترضت مريم: "بس أنا مش عايزة بنتي تعيش وسط حرس وسل\اح." بصلها بثبات. "ولا أنا عايزها تعيش في خوف." ثم ضغط على سماعة صغيرة في أذنه. "كريم." "أفندم." "من دلوقتي... حماية سارة ومريم مسؤولية شخصية." "تم." --- في الجهة الأخرى من القاهرة... كان حسام جالسًا داخل مخزن قديم. دخل عليه رجل ملثم. سأله: "بدأت الخطة؟" ابتسم حسام. "أيوه." "وأدهم؟" ضحك حسام وهو يشعل سيجارة. "أدهم بقى بيتصرف بقلبه... ودي أول مرة تحصل." لكن الرجل الملثم خلع القناع ببطء... ولما ظهر وجهه، اتسعت عينا حسام من الصدمة. "إنت؟!" ابتسم الرجل وقال: "وحشتني يا حسام..." وكان الاسم الذي ظن الجميع أنه مات قبل سبع سنوات... أحمد السيد. زوج مريم... ووالد سارة.تراجع حسام خطوة للخلف، والسيجارة وقعت من بين صوابعه. "مستحيل..." الرجل وقف قدامه بهدوء، وعيناه ثابتتان. "أيوه... أحمد السيد." هز حسام رأسه بعنف. "إنت مت! أنا شفت شهادة الوفاة!" ابتسم أحمد ابتسامة باهتة. "وشهادات الوفاة... ممكن تتزور." ساد صمت ثقيل. ثم قال حسام وهو يحاول يستوعب الصدمة: "يعني كل السنين دي... كنت مستخبي؟" رد أحمد: "ماكنتش مستخبي... كنت محبوس." --- في الناحية التانية... كان أدهم قاعد في مكتبه، والرسمة اللي سارة رسمتهاله قدامه. دخل كريم ومعاه ملف قديم مغطى بالتراب. "يا باشا... فتشت في ملف أحمد السيد." رفع أدهم نظره. "لقيت إيه؟" فتح كريم الملف. "كل الناس فاكرة إنه مات بأزمة قلبية في موقع البناء." قلب الصفحة. "لكن تقرير الإسعاف الأصلي اتبدل." سكت لحظة. "والج\ثة اللي اتدفنت... ماكانتش جثته." عقد أدهم حاجبيه. "مين بدّل التقرير؟" "لسه بندور." --- في الوقت نفسه... كانت مريم بتحضر فستان صغير لسارة استعدادًا لعيد ميلادها. سألتها سارة بابتسامة: "هو عمو أدهم هيجيب هدية؟" ضحكت مريم. "أكيد." "وأكيد هيأكل معانا التورتة." قبل أن ترد... انطفأت الكهرباء فجأة. غرقت الشقة في الظلام. تجمدت مريم. ثم سمعت صوت خبط خفيف على باب الشقة. دقتان فقط. "تك... تك." همست لسارة: "ادخلي الأوضة ومتفتحيش الباب." لكن قبل ما تتحرك... جاء صوت مألوف من خلف الباب. "مريم..." اتسعت عيناها. الصوت... صوت أحمد. شهقت وهي تهمس: "أحمد؟!" جرت نحو الباب، وفتحته بسرعة. وقف رجل بلحية خفيفة وملامح أنهكتها السنوات. نظر إليها والدموع تلمع في عينيه. "وحشتيني." وقفت مريم مصدومة، لا تستطيع الكلام. وفي تلك اللحظة... خرجت سارة من الغرفة وهي تمسك دميتها. بصت للرجل باستغراب. ثم سألت ببراءة: "حضرتك تعرف ماما؟" اختنق صوت أحمد. ونزل على ركبتيه ببطء. "أيوه يا حبيبتي..." "أنا بابا." لكن قبل أن تتمكن سارة من استيعاب كلماته... ظهر ضوء أحمر صغير على صدر أحمد. نقطة ليزر. ثم نقطة ثانية... وثالثة... وفي أقل من ثانية، سُمع صوت كريم من أسفل العمارة عبر جهاز الاتصال: "يا باشا... قناصة فوق العمارة المقابلة!" رفع أدهم رأسه من داخل السيارة التي وصلت للتو، وصرخ بأعلى صوته: "أحمد... انبطح!"بمجرد ما صرخ أدهم: "أحمد... انبطح!" رَمَى أحمد نفسه للأرض بغريزة، وفي نفس اللحظة دوّى صوت طلقة اخترقت زجاج باب الشقة. تحطم الزجاج في كل مكان. صرخت مريم واحتضنت سارة بقوة، بينما اندفع أدهم إلى داخل العمارة، يصعد الدرج ثلاث درجات في كل خطوة. أما كريم، فكان قد أعطى أوامره في جهاز الاتصال: "الفريق الأول فوق السطح! الثاني يقفل العمارة المقابلة! محدش يخرج!" --- بعد أقل من دقيقة... كان القناص قد اختفى. وجد رجال أدهم البندقية مركونة على حافة السطح، لكنها كانت مفككة بعناية، ولم يترك صاحبها أي أثر. وقف كريم وهو يضغط على أسنانه. "محترف..." --- داخل الشقة... كانت سارة تبكي وهي ممسكة بثياب مريم. أما أحمد فكان ينظر إليها والدموع في عينيه. اقترب منها ببطء، وأخرج من جيبه سلسلة فضية صغيرة. فيها نصف قلب. قال بصوت مبحوح: "فاكرة السلسلة دي يا مريم؟" مدت يدها المرتعشة إلى رقبتها. كانت ما تزال ترتدي النصف الآخر. شهقت. السلسلتان انطبقتا على بعضهما تمامًا. لم يعد هناك شك... هذا هو أحمد فعلًا. --- ساد صمت طويل. ثم سأل أدهم وهو ينظر إلى أحمد مباشرة: "مين عايز يقتلك؟" تنهد أحمد وقال: "القصة بدأت من تمان سنين... يوم شفت حاجة ماكانش المفروض أشوفها." رفع الجميع أنظارهم إليه. "كنت شغال في شركة مقاولات... وفي ليلة، اكتشفت شبكة كبيرة لغسيل الأموال باستخدام مواقع البناء." نظر إلى أدهم. "ماكنتش أعرف وقتها إن الشبكة دي مرتبطة بأحد أكبر رجال الأعمال في البلد." "ولما حاولت أبلغ..." أغمض عينيه. "اختطفت." سأل كريم: "وليه أعلنوا وفاتك؟" أجاب أحمد: "لأن الميت... محدش بيدور عليه." --- في تلك اللحظة... رن هاتف أدهم المشفر. نظر إلى الشاشة. المتصل... رقم غير معروف. رد بهدوء: "اتكلم." جاءه صوت مشوش إلكترونيًا: "أنت ارتكبت أكبر غلطة في حياتك يا أدهم." "ليه؟" "لأنك اخترت تحمي عيلة أحمد السيد." ساد الصمت ثانية. ثم أكمل الصوت: "خلال أربع وعشرين ساعة... يا إما تسلمهم... يا إما القاهرة كلها هتعرف إن أدهم الشافعي... مش المجرم اللي فاكرينه." أغلق الخط. نظر كريم باستغراب. "يعني إيه؟" لكن ملامح أدهم وحدها كانت كافية لتكشف أن المتصل يعرف سرًا دفنه منذ سنوات... سرًا لو خرج للنور... لن يهدد إمبراطوريته فقط... بل سيغير كل ما يعرفه الناس عن أدهم الشافعي.أغلق أدهم الهاتف ببطء. لم يتغير تعبير وجهه... لكن كريم، الذي عرفه لأكثر من عشر سنوات، أدرك أن شيئًا خطيرًا قد حدث. قال بهدوء: "يعرف السر؟" رد أدهم: "مش بس يعرفه..." وسكت لحظة. "عنده دليل." ساد الصمت داخل الشقة. كانت مريم تضم سارة إلى صدرها، بينما أحمد ينظر إلى أدهم بحيرة. سأل أحمد: "إيه السر ده؟" نظر إليه أدهم طويلًا، ثم قال: "الوقت لسه ماجاش." في منتصف الليل... داخل القصر. فتح أدهم خزنة فولاذية قديمة لم يفتحها منذ سنوات. أخرج منها صندوقًا خشبيًا صغيرًا. فتحه ببطء. في داخله... شارة شرطة قديمة. وبطاقة هوية. الاسم المكتوب عليها: الرائد أدهم الشافعي. تجمد كريم في مكانه. "حضرتك... كنت ضابط؟!" أغلق أدهم الصندوق. "كنت." "إزاي؟" جلس على الكرسي وأخذ نفسًا طويلًا. "قبل خمسة عشر سنة كنت في مكافحة الجري\مة المنظمة." "كنت باشتغل متخفي." "مهمتي كانت إسقاط أكبر شبكات غسيل الأموال في البلد." نظر إلى الشارة. "لكن العملية اتكشفت." سأل كريم بصوت منخفض: "إيه اللي حصل؟" أجاب أدهم: "كل أفراد فريقي اتقتلوا..." "واتسجل في التقرير الرسمي إني خنتهم." اتسعت عينا كريم. "وده كذب؟" رفع أدهم رأسه. "اللي خان... كان شخص تاني." في الوقت نفسه... كان الرجل الغامض يجلس داخل قصر فاخر خارج القاهرة. أمامه شاشة كبيرة تعرض صورًا لأدهم ومريم وأحمد وسارة. ابتسم وقال لمساعده: "خلال ساعات... هنخلي البلد كلها تشوف الحقيقة." سأله المساعد: "ولو الناس عرفت إن أدهم كان ضابط؟" ضحك الرجل. "دي مش المشكلة." ثم فتح ملفًا قديمًا. في الصفحة الأولى صورة تجمع شابين بزي الشرطة. أحدهما أدهم. والثاني... والد كريم فوزي. قال الرجل بابتسامة باردة: "المشكلة إن الشخص اللي خان الفريق..." أشار بإصبعه إلى الصورة الثانية. "...هو والد كريم." في اللحظة نفسها... وصل إلى هاتف كريم ملف مجهول. فتحه من غير تردد. وبدأ يشاهد تسجيلًا قديمًا مهزوزًا. كان والده واقفًا بجوار رجال مسلحين... وهو يسلمهم أسماء ضباط العملية السرية. تجمد كريم. سقط الهاتف من يده. وهمس بصوت مرتجف: "مستحيل..." لكن قبل أن يلتقط أنفاسه، وصلته رسالة جديدة، مكتوب فيها: "دلوقتي عرفت الحقيقة... السؤال بقى: هتفضل وفيّ لأدهم؟ ولا هتكمل طريق أبوك؟"ظل كريم محدقًا في شاشة الهاتف، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه. كان يسمع دقات قلبه أعلى من أي صوت حوله. دخل أدهم المكتب، ولاحظ شحوب وجهه. "إيه اللي حصل؟" حاول كريم يقفل الهاتف بسرعة، لكن أدهم قال بهدوء: "هات." سلمه الهاتف دون كلمة. شاهد أدهم المقطع كاملًا، ثم أغلقه. لم يغضب. ولم يصرخ. قال فقط: "أنا عارف." رفع كريم رأسه بصدمة. "حضرتك... عارف؟" أومأ أدهم. "عرفت الحقيقة من تسع سنين." شهق كريم. "ومع ذلك... سيبتني جنبك؟" اقترب أدهم ووضع يده على كتفه. "أنا حاسبت الأب على أفعاله... لكن الابن عمره ما يتحاسب بذنب أبوه." بدأت دموع كريم تنزل لأول مرة منذ سنوات. "كنت تقدر تطردني." "وأقدر كمان أشك فيك كل يوم." ثم ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة. "لكن إنت أثبت بإخلاصك مين كريم فوزي... مش ابن مين." خفض كريم رأسه وهو يحاول إخفاء دموعه. "أقسم بالله يا باشا... لو اضطريت أضحي بحياتي عشان أحميك، هعملها." رد أدهم بثبات: "أنا مصدقك." في تلك اللحظة... رن جرس الإنذار في القصر. ركض أحد الحراس إلى المكتب. "يا باشا... عندنا اختراق للكاميرات." فتح كريم الشاشات بسرعة. ظهرت صورة رجل ملثم يقف أمام عدسة إحدى الكاميرات الخارجية. رفع الرجل ورقة بيضاء. كتب عليها بخط أسود كبير: "باقي 12 ساعة." ثم رفع يده أمام الكاميرا... وضغط زرًا صغيرًا. انقطع البث في كل شاشات القصر دفعة واحدة. ساد الظلام على الشاشات. همس كريم: "إزاي وصل لنظامنا؟" لكن أحمد، الذي كان يقف بصمت منذ دخوله القصر، اقترب من الشاشة المطفأة وقال جملة جعلت الجميع يلتفت إليه: "لأن اللي بيحاربكم... مش واحد من رجال العصابات." نظر إليه أدهم. أكمل أحمد بصوت منخفض: "اللي بيحاربكم واحد كان شغال مع المخابرات العسكرية... وهو اللي دربني زمان في شركة المقاولات اللي كانت مجرد واجهة." تبادل الجميع النظرات. ثم قال أحمد: "واسمه..." وقبل أن ينطق الاسم... دوى انفجار هائل هز أركان القصر، وتحطم زجاج النوافذ، وانطفأت الأنوار بالكامل. وفي وسط الدخان، سمعوا صوت طفل يبكي في الطابق العلوي. كانت سارة.اهتز القصر كله تحت قوة الانفجار. تناثرت قطع الزجاج، وانطفأت الأنوار، وتصاعدت سحابة كثيفة من الغبار. "سارة!" صرخت مريم وهي تحاول تجري ناحية السلم. لكن أدهم أمسك ذراعها. "استني." نظر بسرعة إلى السقف، ثم قال لكريم: "الانفجار في الجناح الغربي... صوت البنت جاي من الشرقي." أومأ كريم فورًا. "يعني ده تمويه." ابتسم أدهم ابتسامة باردة. "بالضبط." --- انطلق أدهم وكريم إلى الطابق العلوي. فتح أدهم باب الغرفة دفعة واحدة. كانت سارة جالسة على السرير، تبكي من الخوف، لكنها لم تُصب بأذى. جثا أدهم على ركبتيه أمامها. "أنتِ كويسة؟" هزت رأسها وهي تمسح دموعها. ثم مدت ذراعيها الصغيرتين نحوه. من غير تردد... حملها بين ذراعيه. تشبثت برقبته وهمست: "كنت فاكرة إنك مش هتيجي." رد بهدوء: "أنا وعدتك... ووعدي عمره ما بيتكسر." --- في الأسفل... دخل رجال الحراسة وهم يسحبون أحد المهاجمين بعد إصابته في ساقه. ألقوه أمام أدهم. خلع كريم القناع عن وجهه. اتسعت عينا أحمد. "محمود!" رفع الرجل رأسه وضحك. "لسه فاكرني." قال أحمد بغضب: "كنت معايا في الشركة." ابتسم محمود بسخرية. "الشركة؟ دي كانت مجرد ستارة." اقترب أدهم. "مين اللي باعتك؟" ضحك محمود. "حتى لو قتلتني... مش هتعرف توصل له." ثم عض شيئًا مخبأً بين أسنانه. صرخ كريم: "امنعوه!" لكن كان الأوان قد فات. ابتلع كبسولة سامة، وبعد ثوانٍ فقد وعيه. استدعى أدهم الطبيب فورًا. لكن الطبيب هز رأسه بعد دقائق. "انتهى." ساد الصمت. --- وبينما كان الجميع منشغلًا... لاحظت سارة شيئًا صغيرًا سقط من جيب الرجل. التقطته ببراءة. "عمو أدهم... ده إيه؟" نظر إليها. كانت قطعة معدنية صغيرة، عليها نقش لصقر يفتح جناحيه. تغير وجه أحمد فجأة. همس: "الشعار..." التفت إليه أدهم. "تعرفه؟" أجاب أحمد بصوت مرتجف: "ده شعار منظمة اسمها الصقر الأسود." عقد كريم حاجبيه. "أول مرة أسمع عنها." قال أحمد: "لأنها مش منظمة عادية... دي شبكة سرية بتضم رجال أعمال، وضباط سابقين، وسياسيين فاسدين." ثم نظر إلى القطعة المعدنية. "والرجل اللي كنت هقول اسمه قبل الانفجار..." توقف لثوانٍ. "...هو زعيمهم." سأل أدهم: "مين؟" أخذ أحمد نفسًا عميقًا، وقال الاسم الذي جعل ملامح أدهم تتجمد لأول مرة منذ سنوات: "اللواء فؤاد المنياوي." كان الاسم كافيًا ليعيد إلى أدهم ذكريات دفنها منذ خمسة عشر عامًا... ذكريات الرجل الذي كان يومًا ما قائده... ثم اختفى في الليلة التي قُتل فيها فريق العملية السرية.ساد صمت ثقيل. حتى كريم، الذي اعتاد سماع أخطر الأسماء، لم يجرؤ على الكلام. أدهم كان ينظر إلى القطعة المعدنية في يد سارة، وكأنها أعادته خمسة عشر عامًا إلى الوراء. قال بصوت منخفض: "فؤاد المنياوي..." ثم رفع عينيه إلى أحمد. "أنت متأكد؟" هز أحمد رأسه. "شوفته بعيني." --- تنهد أدهم، واتجه إلى النافذة المحطمة. "آخر مرة شفته... كان قبل العملية السرية بساعات." سأله كريم: "كان قائدك؟" "أيوه." "وكان أول واحد وصل لمكان العملية بعد المذبحة." التفت إليهما. "وقتها قال إن كل فريقي مات... وإني أنا الخائن." ضغط كريم على قبضته. "يعني هو اللي لفّق التهمة." أجاب أدهم: "أو على الأقل... كان يعرف الحقيقة." --- في صباح اليوم التالي... كانت مريم تُجهز سارة للذهاب إلى عيد ميلادها الصغير داخل القصر، بعدما أصرّ أدهم ألا تغادر أيٌّ منهما المكان حتى تنتهي الأزمة. علّقت سارة البالونات بنفسها، ثم جرت إلى أدهم. "عمو أدهم..." انحنى إليها. "نعم؟" ابتسمت وهي تمسك يده. "أنت وعدتني إنك هتيجي عيد ميلادي." ابتسم لأول مرة منذ ساعات. "وأنا جيت." ثم أخرج من خلف ظهره صندوقًا صغيرًا. فتحته سارة. في داخله علبة ألوان شمع كبيرة، فيها عشرات الألوان. قفزت من الفرحة. "بنفسجي كمان!" ضحك أدهم. "عارف إنه لونك المفضل." --- وبينما كانت سارة ترسم على طاولة صغيرة... اقترب كريم من أدهم وهمس: "وصلنا لمعلومة." "إيه هي؟" "اللواء فؤاد هيحضر مزاد خيري الليلة." رفع أدهم حاجبه. "متأكد؟" "متأكد." سكت أدهم لحظة. ثم قال: "يبقى الليلة... هنقابله لأول مرة من خمس عشرة سنة." --- في الجهة الأخرى... كان اللواء فؤاد المنياوي يجلس في مكتبه الفخم، يتأمل صورة قديمة تجمعه بشاب يرتدي زي الشرطة. ابتسم ابتسامة غامضة. وقال لمساعده: "أدهم هييجي." سأله المساعد: "نلغي المزاد؟" هز رأسه. "لا." ثم مزق الصورة نصفين. "أنا مستنيه." لكن بعد خروج المساعد، فتح فؤاد درج مكتبه، وأخرج ملفًا أحمر كُتب عليه: "سارة أحمد السيد." ابتسم وهو يهمس: "المفتاح الحقيقي... مش أدهم." ثم أغلق الملف، دون أن يعلم أن كاميرا صغيرة جدًا، مخفية داخل ساعة مكتبه، كانت تنقل كل ما يحدث مباشرة إلى جهاز زرعه أحد رجال كريم قبل ساعات، لتبدأ أخطر مواجهة في حياة أدهم الشافعي.في غرفة المراقبة داخل القصر، ظهر بث الكاميرا السرية على الشاشة. وقف كريم أمامها، بينما كان أدهم يراقب في صمت. ظهر اللواء فؤاد وهو يغلق الملف الأحمر ويغادر مكتبه. ضغط كريم على زر الإيقاف المؤقت. "كبر الصورة." ظهرت الكتابة على الملف بوضوح: سارة أحمد السيد. عقد أدهم حاجبيه. "ليه سارة؟" هز أحمد رأسه. "مش فاهم." لكن مريم، التي كانت واقفة تحمل كوبًا من العصير لسارة، شحب وجهها فجأة. همست: "لأ..." التفت الجميع إليها. قالت بصوت مرتجف: "في حاجة أنا مخبيّاها من يوم أحمد اختفى." نظر إليها أحمد بصدمة. "إيه؟" أخذت نفسًا عميقًا. "قبل ما تختفي بأسبوع... رجعت البيت ومعاك فلاشة." أغلق أحمد عينيه، وكأنه بدأ يتذكر. أكملت: "قلتلي لو حصلك أي حاجة، أخبيها... وما أديهاش لحد." اتسعت عينا أدهم. "الفلاشة فين؟" أجابت مريم: "دفنتها." "فين؟" "جوه علبة صفيح... تحت شجرة الليمون اللي زرعها أحمد في بيت أبويا." ساد الصمت. ثم قال أدهم: "لازم نجيبها الليلة." --- بعد ساعة... خرجت سيارتان فقط، حتى لا يلفتوا الانتباه. كان أدهم، وكريم، وأحمد، ومريم في السيارة الأولى. أما سارة، فبقيت داخل القصر مع فريق الحماية. وصلوا إلى البيت القديم. كان مهجورًا منذ سنوات. أضاء كريم كشافًا صغيرًا. وقادتهم مريم إلى الحديقة الخلفية. وقفت أمام شجرة ليمون كبيرة. "هنا." بدأ أحمد يحفر بيديه. وبعد دقائق... اصطدمت يده بشيء معدني. أخرج علبة صفيح صدئة. فتحها ببطء. كانت الفلاشة ما تزال في مكانها. ابتسم أحمد لأول مرة. "لسه موجودة." لكن في اللحظة نفسها... أضاءت عشرات الكشافات القوية الحديقة. وجاء صوت عبر مكبرات الصوت: "ارموا السلا\ح." التفت الجميع. وجدوا أنفسهم محاصرين من كل الاتجاهات. أكثر من ثلاثين رجلًا مسلحًا. وفي المنتصف... ترجل اللواء فؤاد المنياوي من سيارة سوداء. صفق ببطء وهو يبتسم. "أحسنت يا أحمد." رفع الفلاشة قليلًا وهو ينظر إليها. "تعبتني خمس عشرة سنة عشان أوصل لها." اقترب أدهم خطوة إلى الأمام. "لو عايز الفلاشة... هتعدي من فوقي." ابتسم فؤاد. "أنا مش جاي أخدها." ثم نظر إلى أحمد مباشرة. "أنا جاي أرجع ابني." تجمد أحمد. "ابنك؟" ابتسم فؤاد ابتسامة غامضة وقال: "أيوه..." "لأن الحقيقة اللي محدش يعرفها..." "إنك ماكنتش مجرد عامل في شركة مقاولات." "إنت كنت ابني بالتبني... قبل ما تهرب مني وأنت عندك سبعتاشر سنة." اتسعت عينا أحمد، وسقطت الفلاشة من يده على الأرض، بينما وقف أدهم ومريم وكريم في ذهول، غير قادرين على استيعاب ما سمعوه.ظل أحمد ينظر إلى فؤاد، وكأنه يسمع كلمات لا يمكن أن تكون حقيقية. قال بصوت مرتجف: "بتكدب." ابتسم فؤاد بهدوء. "وأنا مالي بالكذب دلوقتي؟" أخرج من جيب سترته صورة قديمة. رماها على الأرض أمام أحمد. انحنى كريم والتقطها. كانت الصورة لطفل في السابعة من عمره، يقف بجوار رجل أصغر سنًا من فؤاد. على ظهر الصورة بخط يد قديم: "أحمد... عيد ميلادك السابع." رفع أحمد الصورة، وحدق فيها طويلًا. ثم هز رأسه. "أنا فاكر الراجل ده..." وأشار إلى الرجل في الصورة. "...بس ده مش إنت." اختفت الابتسامة من وجه فؤاد. "طبعًا مش أنا." "ده أخويا." ساد الصمت. ثم أكمل: "أنا ما قلتش إني أبوك." "قلت إني تبنيتك بعد ما أخويا ومراته ماتوا." تنفس أحمد ببطء. بدأت أجزاء من ذكريات طفولته تعود إليه. بيت كبير... رجل صارم... ثم ليلة هروب... وبعدها سنوات في الشوارع حتى وجد عملًا في شركة المقاولات. --- انحنى أدهم بسرعة والتقط الفلاشة من على الأرض قبل أن يلاحظها أحد. أخفاها داخل سترته. راقب فؤاد الحركة... لكنه لم يُظهر أي رد فعل. بل قال بهدوء: "احتفظ بيها." نظر إليه أدهم باستغراب. "مش دي اللي جاي عشانها؟" ضحك فؤاد. "لا." ثم أشار إلى أحمد. "أنا جاي عشانه هو." رد أحمد بحزم: "أنا مش همشي معاك." ابتسم فؤاد ابتسامة حزينة لأول مرة. "عارف." "عشان كده..." رفع يده في الهواء. فأنزل رجاله أسلحتهم جميعًا. نظر الجميع إليه بدهشة. قال: "انسحبوا." حتى رجاله أنفسهم بدت عليهم الصدمة. لكنهم نفذوا الأمر. ركب فؤاد سيارته، وقبل أن يغلق الباب قال لأدهم: "افتح الفلاشة... وهتعرف مين عدوك الحقيقي." ثم انطلقت السيارات واختفت في ظلام الليل. --- بعد نصف ساعة... عاد الجميع إلى القصر. وُضعت الفلاشة في جهاز كمبيوتر غير متصل بالإنترنت. وقف الجميع خلف أدهم. ضغط زر التشغيل. ظهر ملف واحد فقط. اسمه: "إذا كنت تشاهد هذا... فأنا غالبًا مت." فتح أحمد الفيديو. ظهر رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية. قال وهو ينظر إلى الكاميرا: "اسمي المستشار سامح عزت." "أنا سجلت الرسالة دي لأن في ناس هتحاول تقتلني." نظر مباشرة إلى العدسة. "ولو الفيديو وصل لأدهم الشافعي..." تجمد أدهم في مكانه. أكمل الرجل: "...يبقى لازم تعرف إن اللواء فؤاد المنياوي بريء." ساد الصمت. ثم قال الرجل الجملة التي قلبت كل شيء: "الرجل اللي خطط لكل الجرائم، وقتل فريقك، وزور موت أحمد..." "هو..." وفجأة... توقف الفيديو. تحولت الشاشة إلى السواد. ثم ظهرت عبارة واحدة باللون الأحمر: "تم حذف باقي الملف." نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول. لكن كريم كان أول من لاحظ شيئًا غريبًا. أسفل الشاشة ظهر سطر صغير جدًا: "يوجد جزء ثانٍ محفوظ بمفتاح تشفير... موجود داخل رسمة طفلة." في اللحظة نفسها... تذكر أدهم الرسمة البنفسجية التي رسمتها سارة في أول يوم دخلت فيه غرفة الاجتماعات... الرسمة التي احتفظ بها داخل درج مكتبه منذ ذلك اليوم.اندفع أدهم نحو مكتبه. فتح الدرج بسرعة، وأخرج الورقة التي احتفظ بها منذ اليوم الأول. كانت رسمة بسيطة... شمس صفراء. مرجيحة. طفلة تمسك يد رجل طويل. وفي الركن الأيسر... دوائر وخطوط بنفسجية ظن الجميع أنها مجرد شخبطة طفل. دخل كريم وهو يلهث. "لقيتها؟" هز أدهم رأسه. ووضع الرسمة تحت مصباح المكتب. ظل يتأملها طويلًا. ثم قال: "دي مش شخبطة." أخرج عدسة مكبرة. كانت الخطوط البنفسجية مرسومة على هيئة مربعات صغيرة ومتساوية. همس أحمد: "ده... كود." --- استدعى كريم أحد خبراء الحاسوب الذين يثق بهم. نظر الرجل إلى الرسمة، ثم قال: "اللي عمل ده... محترف." سأله أدهم: "طفلة عندها تلات سنين إزاي ترسم كود؟" ابتسم الخبير. "ما رسمتوش." وأشار إلى الورقة. "الكود مطبوع بحبر غير مرئي، والطفلة رسمت فوقه بقلم الشمع، فبانت بعض أجزائه." ساد الصمت. ثم أكمل: "يعني الرسمة دي كانت متجهزة قبل ما توصل لسارة." تغيرت ملامح الجميع. قالت مريم بصدمة: "بس... الورقة كانت من كراسة الرسم بتاعتها." رد الخبير: "يبقى حد بدّل الكراسة." --- في تلك اللحظة... اتسعت عينا أحمد. "الحضانة." التفت إليه أدهم. "إيه؟" "قبل يوم العيلة بأسبوع، الحضانة وزعت كراسات رسم جديدة على الأطفال." قال كريم بسرعة: "يعني حد كان عارف إن سارة هترسم." هز أحمد رأسه. "وكان عارف إن الرسمة هتوصل لأدهم." --- بعد استخراج الكود، فتحوا الجزء الثاني من الملف. ظهر فيديو جديد. لكن هذه المرة... لم يكن فيه رجل يتحدث. كانت مجرد قائمة أسماء. خمسة عشر اسمًا. بعضها لضباط. وبعضها لرجال أعمال. وبعضها لسياسيين. وفي آخر القائمة... ظهر اسم جعل أدهم يتجمد. كريم فوزي. اتسعت عينا كريم. "أنا؟!" ثم ظهر سطر أسفل اسمه مباشرة: "الهدف التالي." ساد صمت مرعب. وفي نفس اللحظة... انطفأت الأنوار في القصر مرة أخرى. لكن هذه المرة... لم يكن هناك انفجار. بل سمعوا صوت تصفيق بطيء يأتي من باب المكتب. التفت الجميع. كان رجل عجوز، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، يقف عند الباب دون أن يمنعه أحد. ابتسم وقال بهدوء: "مساء الخير يا أدهم." قبض الحراس على أسلحتهم. لكن الرجل رفع يده وقال: "لو كنت جاي أقتلكم... ما كنتوش هتشوفوني أصلًا." حدق فيه أدهم. "إنت مين؟" ابتسم الرجل وقال: "أنا الشخص اللي سجّل الفيديو الأول." شهق أحمد. "المستشار سامح عزت؟!" هز الرجل رأسه. "أيوه." ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع: "وأقدر أثبتلكم إن اللي اتدفن من تمان شهور... ما كانش أحمد السيد." ثم نظر مباشرة إلى أحمد، وقال: "لأنه... أنت أيضًا لست أحمد السيد الحقيقي." ساد صمت مطبق... حتى سارة، التي كانت تقف ممسكة بدميتها عند باب الغرفة دون أن ينتبه إليها أحد، نظرت إلى الرجل بحيرة وقالت بصوت طفولي: "يعني... بابا مين؟"ساد صمت ثقيل في الغرفة. كانت كلمات المستشار سامح كأنها أوقفت الزمن. أما سارة، فكانت تنظر بين أحمد ومريم بعينين مليئتين بالحيرة. قالت بصوت مرتعش: "يعني... هو مش بابا؟" جثت مريم بسرعة أمامها، واحتضنتها بقوة. "لأ يا حبيبتي... اسمعيني كويس." نظرت إلى أحمد، ثم أكملت: "الراجل ده هو اللي رباكي، وهو اللي حبك، وهو اللي كنتِ بتناديه بابا... وده عمره ما هيتغير." بدأت دموع أحمد تنزل لأول مرة منذ سنوات. اقترب من سارة، وأمسك يدها الصغيرة. "حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده... أنا عمري ما هسيبك." ارتمت سارة في حضنه وهي تبكي. "أنا مش عايزة غير بابايا." نظر أدهم إلى المستشار سامح بصرامة. "اشرح." تنهد الرجل، وجلس على أقرب مقعد. "من خمسة وثلاثين سنة، كان فيه حادث كبير." "فيه طفلين في نفس العمر اتبدلوا أثناء الفوضى." رفع أحمد رأسه ببطء. "تقصد..." "أيوه." "الاسم اللي عشت بيه طول عمرك... ماكانش اسمك الحقيقي." تدخل كريم: "وده هيفرق في إيه دلوقتي؟" أجاب سامح: "لأن الطفل التاني... هو الوريث الشرعي لثروة وشبكة نفوذ ضخمة، والناس اللي ورا كل اللي حصل كانوا بيدوروا عليه من سنين." سأله أدهم: "وعرفت منين؟" أخرج سامح ملفًا قديمًا من حقيبته. "تحاليل DNA... وسجلات مستشفى... وشهادات ميلاد أصلية." وضعها على الطاولة. "كل الأدلة هنا." لكن قبل أن يفتحها أحد... سمعوا صوت محرك سيارة يتوقف بعنف أمام القصر. ثم صوت مكبرات خارجية: "أدهم الشافعي!" اتجه الجميع إلى النافذة. كان عشرات الرجال المسلحين يحيطون بالقصر. وفي المنتصف وقف اللواء فؤاد. رفع يده، ثم صاح بصوت وصل إلى داخل القصر: "أنا مش جاي أحارب!" رفع الجميع أسلحتهم نحوه. لكن فؤاد أنزل سلا\حه بنفسه، وألقاه على الأرض أمام الجميع. ثم قال: "أنا جاي أسلّم نفسي." تبادل أدهم وكريم النظرات في ذهول. وأكمل فؤاد: "لأن الشخص اللي بتدوروا عليه..." سكت لحظة. "...وصل." وفي اللحظة نفسها، توقفت سيارة سوداء فاخرة خلف رجال فؤاد. فتح الباب ببطء. ونزل منها رجل في أواخر الخمسينيات، يرتدي بدلة سوداء، ويصفق بهدوء. ابتسم وهو ينظر إلى أدهم وقال: "بقالنا خمسة عشر سنة يا رائد أدهم..." ثم التفت إلى الجميع وأضاف: "وأخيرًا... خلصتوا لي كل الشغل الصعب." انكمشت ملامح أدهم، وهمس باسم لم ينطقه منذ سنوات: "كمال الجندي..." الرجل الذي ظنه الجميع ميتًا... كان واقفًا أمامهم حيًا.تجمد الجميع في أماكنهم. حتى فؤاد المنياوي، الذي جاء معلنًا استسلامه، التفت إلى الرجل القادم من السيارة السوداء، وتغيرت ملامحه. قال بصوت خافت: "إنت..." ابتسم كمال الجندي. "واضح إنك ماكنتش متوقع أشوفك تاني." --- تقدم أدهم خطوة للأمام. "أنا شفت جثتك." رد كمال بهدوء: "وشفتها من بعيد." ثم خلع قفازه الجلدي عن يده اليسرى. كانت أصابعه تحمل آثار حروق قديمة. "الج\ثة كانت لشخص تاني." نظر إليه أدهم بثبات. "كل ده كان تمثيلية؟" هز كمال رأسه. "كان لازم أختفي... لأن اللي كنت بحاربه أكبر من أي واحد فينا." --- أشار كمال إلى رجال فؤاد. "نزّلوا سلا\حكم." وبشكل أثار دهشة الجميع... أنزل رجال فؤاد أسلحتهم فعلًا. نظر كريم إلى أدهم وهمس: "هو بيدي أوامر لرجالة فؤاد؟" رد فؤاد بنفسه: "لأنهم مش رجالة فؤاد." ساد الصمت. وأكمل: "دول رجالة كمال." --- بدأت الصورة تتغير. قال كمال: "أنا كنت المسؤول عن العملية السرية من البداية." "وأدهم كان أفضل ضابط عندي." "وفؤاد كان قائد الدعم." نظر إلى أحمد. "وأنت كنت شاهدًا بالصدفة." ثم تنهد. "لكن في الليلة دي... حد خاننا." سأل أدهم: "مين؟" رفع كمال عينيه. "لسه معرفوش." عقد كريم حاجبيه. "يعني بعد كل السنين... ما تعرفش الخائن؟" أجاب كمال: "أعرف إنه كان واحد مننا." --- في تلك اللحظة... رن هاتف سامح عزت. نظر إلى الشاشة، ثم تغير لون وجهه. "مستحيل..." خطف أدهم الهاتف من يده. كانت رسالة قصيرة، لا تحتوي إلا على ثلاث كلمات: "أنا داخل القصر." رفع أدهم رأسه بسرعة. أغلق أبواب القصر إلكترونيًا. انتشر الحراس في كل الممرات. لكن... لم يكن هناك أي غريب دخل من الخارج. همس كريم: "لو الرسالة صح..." "يبقى الخائن موجود أصلًا هنا." ساد الصمت. نظر كل شخص إلى الآخر. أحمد نظر إلى فؤاد. فؤاد نظر إلى سامح. سامح نظر إلى كريم. وكريم نظر إلى... أدهم. لكن قبل أن ينطق أحد بكلمة، دوى صوت إطلاق نار من الطابق العلوي. ركض الجميع نحو الصوت. فتحوا باب غرفة سارة. كانت الغرفة فارغة. والنافذة مفتوحة. وعلى الحائط، مكتوبة بقلم شمع بنفسجي جملة واحدة: "انتهت لعبة الاستلاف... وبدأت اللعبة الحقيقية."اندفع أدهم نحو النافذة. نظر إلى أسفل. لم يكن هناك أحد. لكن على غصن الشجرة المقابل للنافذة، كانت دمية سارة الصغيرة معلقة بخيط أحمر، تتحرك مع الهواء. قبض أدهم على حافة النافذة حتى ابيضت مفاصل يده. قال بصوت هادئ، لكنه كان أخطر من أي صراخ: "اقفلوا المدينة." رد كريم فورًا: "تم." --- في الأسفل، كانت مريم تبكي بانهيار. "بنتي... بنتي راحت فين؟!" اقترب منها أحمد. "هنرجعها." لكن صوته كان يرتجف، لأول مرة منذ ظهوره. أما أدهم... فلم يتحرك. ظل ينظر إلى الدمية المعلقة. ثم قال فجأة: "لأ." التفت الجميع إليه. "سارة ما اتخطفتش." عقد كريم حاجبيه. "إزاي؟" أشار أدهم إلى الأرض أسفل النافذة. "بص." اقترب كريم. لم يكن هناك أي آثار أقدام. ولا آثار حبل. ولا كسر في الأغصان. قال أدهم: "طفلة في سنها مستحيل تنزل من هنا من غير أثر." ثم نظر إلى الحائط. "والجملة مكتوبة بقلم شمع بنفسجي." ابتسم ابتسامة صغيرة. "وده نفس لون القلم اللي بتحبه سارة." قال أحمد بقلق: "تقصد إيه؟" رد أدهم: "تقصد إن اللي كتب الرسالة... كان يعرفها كويس." --- في تلك اللحظة، جاء صوت صغير من جهاز الاتصال الذي كان يحمله أحد الحراس. صوت طفولي. "عمو أدهم..." شهقت مريم. "سارة!" أمسك أدهم الجهاز. "أنتِ فين؟" جاءها صوتها هادئًا بشكل غريب. "أنا كويسة." "مين معاكي؟" سكتت ثواني. ثم قالت: "جدو." نظر الجميع إلى فؤاد. لكن فؤاد هز رأسه فورًا. "مش أنا." عاد صوت سارة: "الجدو اللي بيقول إن عنده جنينة أكبر من اللي رحناها." أغمض أدهم عينيه للحظة. كان يعرف هذا الأسلوب. الخاطف لا يرعب الطفل... بل يجعله يطمئن. قال بهدوء: "قولي لجدو... إن عمو أدهم بيسلم عليه." وصلهم صوت رجل عجوز يضحك بهدوء. ثم أخذ الجهاز من سارة. وقال: "أخيرًا فهمت." تجمد أدهم. كان يعرف هذا الصوت. همس: "لا..." سأله كريم: "تعرفه؟" رد أدهم وهو يحدق في الفراغ: "أستاذي في أكاديمية الشرطة..." ساد الصمت. "اللواء المتقاعد... يوسف السيوفي." أغلق الرجل الاتصال. وبعد ثوانٍ فقط، وصلت رسالة فيديو قصيرة. ظهر فيها يوسف السيوفي جالسًا على مقعد خشبي داخل حديقة واسعة، وسارة تلعب بالفقاعات بجواره وتضحك، دون أي علامة خوف. نظر يوسف إلى الكاميرا وقال: "لو كنت عايز أؤذيها... ما كنتش بعتلك الفيديو." ثم وضع يده على رأس سارة بحنان. "أنا استعرتها... يوم واحد." ابتسم ابتسامة غامضة. "زي ما هي استعارتك أول مرة." ثم انقطع الفيديو. وقف أدهم ساكنًا لعدة ثوانٍ. وأدرك أن القصة التي بدأت بسؤال طفولي: "يا بيه... ممكن أستلفك يوم واحد؟" لم تكن صدفة منذ البداية... بل كانت أول خطوة في خطة بدأها شخص يعرفه منذ سنوات، وكان يراقبه في صمت حتى يحين الوقت المناسب.