أربع أخوات اتقدّموا قدّام زعيم مافيا... لكنه اختار الأخت الهادية الممتلئة اللي كانت بتصبّ له الشاي وقع صينية الشاي على الأرض في اللحظة اللي قال فيها أدهم المرسي: "أنا هتجوز البنت اللي ماسكة صينية الشاي." اتكسرت تلات فناجين صيني على أرضية قصر عائلة الشناوي اللامعة. وفجأة... عمّ الصمت المكان لدرجة إن صوت الملعقة الفضية وهي بتتدحرج تحت البيانو الكبير كان واضح لكل الموجودين. وقفت ندى الشناوي جنب عربية تقديم الشاي المقلوبة، وعينيها البنيتين الواسعتين ثابتتين على أدهم في ذهول. بقع الشاي غطّت فستانها الرمادي البسيط، وخصلة شعر هربت من الكحكة واستقرت على خدها الأحمر من الخجل. على الناحية التانية من الصالون... كانت أخواتها التلاتة بيبصلها وكأنها ارتكبت جري\مة. أما والدها... فكان شكله مستعد يقتل حد. لكن أدهم المرسي رجع استند على الكرسي وقال بهدوء: "أنا اخترت... ندى." قبل نص ساعة بس... ماحدش كان معتبر إن ندى أصلًا ضمن البنات اللي هيتقدموا لأدهم. كانت فيلا الشناوي الفخمة موجودة على طريق مصر–إسكندرية الصحراوي، ورا بوابات حديد ضخمة وحديقة واسعة. من برّه... كل حاجة كانت توحي بالثراء. أعمدة رخام. عربيات فارهة مالية المدخل. وورود متسلقة على الأسوار البيضاء. لكن أدهم كان راجل بنى إمبراطوريته لأنه بيعرف يشوف العيوب اللي محدش غيره يلاحظها. مزراب في الجهة الغربية كان مكسور. النافورة مقفولة علشان يوفروا مصاريف تشغيلها. وشباكين في الدور التاني مستخبيين بستاير تقيلة لأن الزجاج متكسر. عرف فورًا... إن ثروة الحاج فاروق الشناوي بقت مجرد منظر. من أكتر من عشرين سنة، كانت عيلة المرسي بتشتغل مع عيلة الشناوي. والد أدهم كان بيعتمد على مخازنهم وشركات النقل والعلاقات اللي عندهم علشان ينقل بضايع في كل أنحاء مصر. بعض الشحنات كانت قانونية. والبعض الآخر... كان بعيد تمامًا عن القانون. دلوقتي... أبو أدهم مات. وأعمال فاروق الشناوي بقت على وشك الانهيار. وكان الاتنين محتاجين تحالف جديد. علشان كده... فاروق اقترح جواز بين العيلتين. وأدهم وافق يقابل بناته الأربع. لكن لما وصل... لقى تلاتة بس قاعدين في الصالون. سارة، الكبيرة، كانت لابسة فستان من أشهر الماركات، وبتتكلم طول الوقت عن الجمعية الخيرية اللي بتديرها. ياسمين، التانية، كانت لابسة دهب وألماس في عز الضهر، وكانت تضحك على أي كلمة يقولها أدهم حتى لو ماقالش حاجة مضحكة. أما ملك، أصغرهم، فكانت راجعة من الجامعة وبتحكي عن السفر والمصايف والمنتجعات. كلهم كانوا جميلات... أنيقات... ومتدربين على الكلام. لكن في حاجة لفتت نظر أدهم. ولا واحدة منهم كانت مركزة معاه. كلهم كانوا بيبصوا على بدلته... وساعته... والحراس اللي واقفين وراه. لكن ولا واحدة لاحظت إيده اليمين. الإيد دي كانت بترتعش من أول ما خرج من القاهرة. كان مخبيها تحت الترابيزة، وكل شوية يضغط عليها بإيده التانية علشان يخفي الرعشة. الإصابة دي بدأت من أربع سنين... بعد خناقة عنيفة كسرت جزء من عضلات ساعده. الأطباء قالوا إنها هتخف. لكن الألم كان بيزيد. خلال السنة اللي فاتت... لف على دكاترة أعصاب، وعظام، وعلاج طبيعي، وعمل أشعات وتحاليل وحقن. ولا علاج قدر يريحه. والمشكلة ماكنتش طبية بس. أدهم عنده اتنين وتلاتين سنة. وورث إمبراطورية كاملة. وأعداؤه كانوا مستنيين أول علامة ضعف. رعشة بسيطة في اجتماع... ممكن تضيع صفقة. كوباية تقع من إيده... تتحول لإشاعة. والإشاعة... ممكن تنتهي برصاصة. قالت سارة وهي بتبتسم: "واضح إن مسؤولية القيادة مرهقة." ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة. "متعود." ضحك فاروق الشناوي وقال: "سارة هي اللي شايلة البيت كله." في اللحظة دي... طلع صوت خفيف من باب الصالون. لف أدهم وشاف بنت ممتلئة شوية داخلة وهي بتزق عربية شاي. كانت ماشية بهدوء. راسها في الأرض. لكن كل حركة فيها كانت محسوبة. الفناجين مترتبة بدقة. واللبن فوق فوطة بيضا. وشرايح الليمون متحطوطة بشكل منظم. كانت مختلفة تمامًا عن أخواتها. فستان بسيط. جزمة قديمة. وشعرها مرفوع بكحكة عملية. قال فاروق ببرود: "ندى... قدمي الشاي." راقبها أدهم وهي بتقرب. ولما وصلت... وقعت عينها للحظة على إيده المرتعشة. بصت على براد الشاي الأسود. وبعدين بصت على إيده تاني. من غير ما تتكلم... شالت براد صغير كان مستخبي تحت العربية. وصبت منه كوب جديد. في الوقت ده... كانت سارة لسه بتحكي عن حفلاتها. وياسمين بتسأله عن السفر. وملك مشغولة تبص لنفسها في المراية. ولا واحدة فيهم لاحظت اللي حصل. قدمت ندى الكوباية لأدهم. واتقابلت عيونهم. وقالت بصوت هادي: "خلي بالك... الشاي سخن." مسك الكوباية بإيده الشمال. وسألها: "إيه ده؟" ردت: "بابونج... وزنجبيل... ومعاهم شوية ماغنسيوم." قطّب فاروق حاجبيه. "هو طلب شاي... مش خلطاتك اللي بتعمليها في المطبخ." وطّت ندى رأسها. "أنا لاحظت إن إيده بتوجعه." قبل ما فاروق يرد... رفع أدهم الكوباية وشرب. كان طعم الشاي مختلف. دافي... وفيه لمسة عسل. بعد دقيقتين... بدأ الألم يهدأ. والرعشة العنيفة بقت مجرد اهتزاز بسيط. لأول مرة من شهور... قدر يفتح كفه من غير ألم. بصلها باستغراب وقال: "إنتِ حطيتي فيه إيه؟" سكت كل اللي في الصالون. أما ندى... فبان عليها القلق. وقالت: "قلت لحضرتك... بابونج، وزنجبيل، وماغنسيوم، وشوية لحاء صفصاف." سألها: "عرفتي منين إن المشكلة في العضلات؟" استغربت. "تقصد إيه؟" قال: "إزاي عرفتي؟" بصت على ساعده وقالت بهدوء: "لأن حضرتك كل شوية بتضغط تحت الكوع... مش على الرسغ. وصوابعك بتتقفل مع الرعشة، لكن لون مفاصلك ما بيتغيرش... وده معناه إن المشكلة غالبًا ضغط على العضلات، مش في الدورة الدموية." فضل أدهم يبصلها في صمت. تسع دكاترة كشفوا عليه... ولا واحد شرح حالته بالدقة دي. وأخيرًا سألها: "إنتِ اتعلمتي الكلام ده فين؟" يتبع... #حكايات_ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا 👇♥️ابتسمت ندى ابتسامة صغيرة، وكأنها محرجة من السؤال. وقالت بهدوء: "ما اتعلمتوش في كلية... اتعلمته مع ماما." اتلفتت الأنظار إليها. حتى أخواتها بطلوا يبتسموا. وأكملت: "ماما كانت أخصائية علاج طبيعي قبل ما تمرض. وأنا من وأنا عندي خمستاشر سنة كنت بقعد جنبها وهي بتقرأ كتب التشريح وتشرحلي العضلات والأعصاب. وبعد وفاتها فضلت أقرأ لوحدي." قال فاروق بعصبية: "الكلام ده ملوش لازمة دلوقتي." لكن أدهم رفع إيده يمنعه. "سيبها تكمل." ابتلع فاروق غضبه وسكت. نظر أدهم إلى ندى مرة أخرى. "ولحاء الصفصاف... ليه؟" قالت: "لأنه بيخفف الالتهاب عند بعض الناس، لكن مش علاج نهائي. ولو حضرتك عندك حساسية أو بتاخد أدوية سيولة، ما ينفعش تستخدمه." ارتفعت حاجبا أدهم. حتى وهي بتساعده... كانت بتحذره. مش بتحاول تبان ذكية. ولا بتحاول تكسب إعجابه. قال: "يعني كنتِ ممكن ما تحطيهوش." أجابت ببساطة: "كنت مستعجلة، والألم كان واضح على وش حضرتك." ساد الصمت. ثم نظر أدهم إلى إيده. حرّك أصابعه ببطء. الرعشة ما اختفتش تمامًا... لكنها كانت أخف بكتير. ومن غير ما يشعر... ابتسم لأول مرة من بداية الاجتماع. في تلك اللحظة، قالت ياسمين وهي تحاول إنقاذ الموقف: "أكيد مجرد صدفة." وأضافت سارة بسرعة: "أي حد ممكن يعمل شاي بالأعشاب." أما ملك فضحكت وقالت: "ندى طول عمرها عايشة وسط الحلة والكنكة." خفضت ندى رأسها ولم ترد. لكن أدهم التفت إليهن وقال ببرود: "الغريب... إن ولا واحدة فيكم لاحظت إن إيدي كانت بترتعش." سكتت الأخوات الثلاث. ثم نظر إلى فاروق. "حضرتك لاحظت؟" تردد الرجل. ثم قال: "بصراحة... لا." هز أدهم رأسه ببطء. "هي الوحيدة اللي كانت شايفة الإنسان... مش المنصب." شحب وجه سارة. وقالت بحدة: "هي مجرد بنت بتساعد الخدم في المطبخ." ردت ندى بسرعة: "أنا فعلًا باختار أقعد في المطبخ." التفت إليها أدهم. "ليه؟" تنهدت وقالت: "لأن هناك محدش بيمثل." ساد صمت ثقيل. حتى الحراس تبادلوا النظرات. أما فاروق فصرخ: "ندى!" لكن أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة. "جاوبت بصراحة... وده يعجبني." وفجأة... دخل أحد رجال أدهم مسرعًا إلى الصالون. وانحنى بجواره وهمس في أذنه. اختفت الابتسامة من وجه أدهم. وسأل بهدوء: "متأكد؟" أومأ الرجل. "المعلومة مؤكدة." وقف أدهم ببطء. ثم نظر إلى فاروق. "واضح إن اجتماعنا اتسرّب." تغير لون وجه فاروق. "إزاي؟" قال الرجل: "في حد بلغ منافسيكم إن الأستاذ أدهم موجود هنا... وفي عربيات مسلحة اتحركت بالفعل ناحية الفيلا." ساد الذعر. صرخت ملك. وأمسكت ياسمين هاتفها وهي ترتجف. أما سارة فقالت: "لازم نهرب!" لكن ندى لم تتحرك. كانت تنظر من النافذة فقط. ثم قالت بهدوء شديد: "إحنا لو خرجنا من البوابة الرئيسية... هنقابلهم وش لوش." نظر إليها أدهم. "وعندك حل؟" أشارت ناحية الحديقة الخلفية. "في نفق خدمة قديم تحت المخزن." تجمد فاروق في مكانه. "إنتِ عرفتي منين؟" قالت: "لأني الوحيدة اللي بتنزل المخزن كل أسبوع." اقترب أدهم خطوة منها. "النفق ده بيوصل لفين؟" أجابت: "لحد المزرعة القديمة... على بعد نص كيلومتر." وفي نفس اللحظة... دوّى صوت أول طلقة رصاص خارج أسوار الفيلا. وانطفأت الأنوار بالكامل. يتبع...انفجر الزجاج الأمامي للفيلا مع صوت الطلقة الأولى. وتحول الصمت إلى فوضى. صرخت ملك وهي تنزل على الأرض، بينما اندفع الحراس نحو النوافذ وأشهروا أسلحتهم. لكن أدهم لم يتحرك. كان ينظر فقط إلى ندى. "إنتِ متأكدة إن النفق لسه مفتوح؟" هزت رأسها. "آخر مرة نزلته كانت من أسبوع." قال أحد الحراس بسرعة: "سيدي... العربية المصفحة جاهزة." رد أدهم بحزم: "لا." استغرب الرجل. "لكن..." قاطعه: "اللي بره مستنينا نخرج من البوابة." ثم التفت إلى ندى. "ورّينا الطريق." في أقل من دقيقة... كانت ندى تقودهم عبر ممر خلفي ضيق يمر بجوار المطبخ والمخازن. بينما كان الرصاص يضرب جدران الفيلا من الخارج. كان فاروق يلهث وهو يحاول مجاراة الجميع. وقال بغضب: "أنا أول مرة أعرف إن في نفق هنا." ردت ندى وهي تزيح رفًا خشبيًا قديمًا: "لأن محدش بيدخل المخزن غيري." ظهر باب حديدي صغير مغطى بالغبار. أدارت مفتاحًا صدئًا أخرجته من جيب مريلتها. ثم انفتح الباب بصوت احتكاك قوي. هبط هواء بارد من الأسفل. نظر أدهم إلى الحراس. "اتنين قدام... واتنين ورا." ثم نزل أولًا. كان النفق قديمًا جدًا. جدرانه من الحجر. وسقفه منخفض. والمصابيح الصغيرة تعمل بالكاد. قال أحد الحراس: "واضح إنه متعمل من سنين." أجابت ندى: "جدي بناه أيام ما كانت المنطقة مزارع." وفجأة... توقفت. رفعت يدها تطلب من الجميع الصمت. همس أدهم: "في إيه؟" قالت بصوت خافت: "حد قدام." ثبت الجميع أماكنهم. أطفأ الحراس المصابيح. وبعد ثوانٍ... ظهر ضوء كشاف في آخر الممر. ثم سُمعت أصوات رجال. قال أحدهم: "فتشوا كويس... قالوا ممكن يكون فيه مخرج تحت الأرض." اتسعت عينا فاروق. "يعرفوا بالنفق!" قبض أدهم على س\لاحه. لكن ندى أمسكت بذراعه بسرعة. "استنى." نظر إليها باستغراب. أشارت إلى الجدار الأيسر. "في فتحة تهوية." اقتربت منها. وضغطت حجرًا صغيرًا بالكاد يُلاحظ. فانفتح ممر جانبي ضيق جدًا. قالت: "ده الممر الأصلي... أما الطريق اللي قدام فهو مجرد تمويه." ابتسم أدهم لأول مرة وسط الخطر. "واضح إن جدك كان أذكى مما توقعت." دخل الجميع إلى الممر الجانبي. وبعد لحظات... مر الرجال المسلحون أمام الممر الرئيسي دون أن يلاحظوا وجودهم. انتظر أدهم حتى اختفت الأصوات تمامًا. ثم التفت إلى ندى وقال: "أنقذتِ حياتنا للمرة الثانية في يوم واحد." خفضت رأسها وقالت بهدوء: "أنا عملت اللي أي حد كان هيعمله." هز رأسه. "لا... مش أي حد." ثم خرجوا من نهاية النفق إلى المزرعة القديمة. لكن ما إن تنفسوا الصعداء... حتى سُمع صوت تصفيق بطيء خلفهم. استدار الجميع بسرعة. وكان هناك رجل يقف بجوار شجرة ضخمة، يبتسم ابتسامة باردة. قال وهو ينظر إلى أدهم: "بصراحة... ما توقعتش إن اللي هيبوظ خطتي كلها... بنت كانت بتقدم الشاي." ورفع س\لاحه ببطء نحو ندى. يتبع...تجمد الجميع في أماكنهم. كان فوهة المس\دس مصوبة مباشرة نحو ندى. لكن أدهم تحرك في جزء من الثانية، ووقف أمامها دون تردد. قال الرجل بابتسامة ساخرة: "لسه زي ما أنت... مستعد تضحي بنفسك." رد أدهم بهدوء: "قول اللي عندك يا سامح." اتسعت عينا فاروق. "سامح؟! إنت لسه عايش؟" ضحك الرجل ضحكة قصيرة. "واضح إنكم زعلانين إني ما متش." كان سامح شريكًا قديمًا لوالد أدهم، لكنه اختفى منذ سنوات بعد خلاف دموي، وظن الجميع أنه قُتل. قال سامح وهو يثبت س\لاحه: "أنا مش جاي أقتلك النهارده... أنا جاي آخد حاجة تخصني." قطب أدهم حاجبيه. "إيه هي؟" أشار سامح إلى ندى. "هي." ساد صمت ثقيل. نظر أدهم إلى ندى، فوجد ملامحها شاحبة. وسألها: "إنتِ تعرفيه؟" هزت رأسها بالنفي. "أول مرة أشوفه." ابتسم سامح. "هي فعلًا ما تعرفنيش... لكن أنا أعرفها من يوم ما كان عمرها خمس سنين." تجمد فاروق. "إنت بتقول إيه؟" قال سامح: "اسأل نفسك... ليه كنت مخليها طول عمرها بعيدة عن كل اجتماعات العيلة؟ وليه عمرها ما سافرت معاكم؟" بدأ العرق يتصبب من جبين فاروق. أخفض رأسه دون أن ينطق. نظرت ندى إليه بصدمة. "بابا... هو بيقول إيه؟" لم يجب. كرر أدهم السؤال هذه المرة بنبرة حادة: "اتكلم." تنهد فاروق طويلًا، وكأن حملًا ظل يحمله سنوات. ثم قال بصوت مكسور: "ندى... مش بنتي." شعرت ندى أن الأرض تميد تحت قدميها. تراجعت خطوة وهي تحدق فيه. "إيه؟" أغمض عينيه. "أمك الحقيقية كانت أخت سامح... ماتت بعد ولادتك، وأنا أخدتك وربيتك علشان أحميكي بعد الصراع اللي كان بين العيلتين." ساد صمت مؤلم. دمعت عينا ندى. طوال عمرها كانت تشعر أنها مختلفة... أن والدها يعاملها ببرود أكثر من أخواتها... لكنها لم تتخيل أبدًا أن السبب هو هذا السر. ابتسم سامح ابتسامة باردة. "دلوقتي... بنت أختي هترجع معايا." أمسك ندى من ذراعها فجأة. لكن قبل أن يسحبها... أطلق أدهم رصاصة أصابت الس\لاح في يد سامح، فسقط على الأرض. اندفع الحراس في اللحظة نفسها، ودار اشتباك سريع انتهى بتقييد رجال سامح. أما سامح نفسه، فوقف ينظر إلى أدهم بغضب وقال: "الموضوع لسه ما خلصش." اقترب منه أدهم وقال بثبات: "خلص من اللحظة اللي قررت فيها تستخدم بنت بريئة في حرب قديمة." ثم التفت إلى ندى. كانت واقفة في مكانها، والدموع تنزل بصمت. اقترب منها ببطء، ومد لها يده. وقال: "سواء كانت الحقيقة إيه... إنتِ مش لوحدك." نظرت إليه للحظات طويلة. ثم أمسكت يده وهي تحاول أن تستجمع قوتها. لكنها لم تكن تعلم أن الكلمات التي سمعتها الليلة لم تكن سوى نصف الحقيقة... وأن السر الحقيقي الذي أخفاه فاروق طوال خمسة وعشرين عامًا، كان أخطر بكثير مما اعترف به الآن. يتبع...وقفت ندى في المزرعة القديمة، ودموعها لم تجف بعد. كانت تشعر أن السنوات الخمس والعشرين الماضية انهارت في لحظة واحدة. رفعت عينيها نحو فاروق. "لو أنا مش بنتك... ليه ربيتني؟" أطرق رأسه طويلًا. ثم قال بصوت متعب: "لأن أمك وهي بتموت، حطتك بين إيديا وقالتلي: أوعدني محدش يعرف حقيقتها." سأل أدهم بهدوء: "ليه؟" تنهد فاروق. "لأنها ما كانتش مجرد أخت سامح." ساد الصمت. ثم أكمل: "كانت آخر وريثة لعائلة قديمة كانت بتملك أراضي وشركات بمليارات الجنيهات، وكل الورث كان مسجل باسم الطفلة الوحيدة... ندى." شهق الجميع. حتى الحراس تبادلوا النظرات. أما سامح، الذي كان مقيدًا، فانفجر ضاحكًا. "أخيرًا قلت الحقيقة." نظر إليه أدهم بحدة. "يعني كل اللي حصل كان علشان الفلوس؟" هز سامح رأسه. "مش الفلوس بس... الورث فيه مستندات تثبت ملكية ميناء جاف وشركات نقل وعقود قديمة. اللي يملكها يقدر يبني إمبراطورية جديدة." التفت أدهم إلى فاروق. "وأنت خبيت عنها كل ده؟" أجاب بصوت منخفض: "كنت خايف. لو عرف أي حد إنها الوريثة... كانت هتكون هدف من وهي طفلة." اقتربت ندى ببطء. "وأخواتي؟" أغمض عينيه. "كانوا يعرفوا إنك متبناة... لكن ما يعرفوش السبب." نزلت الكلمات على ندى كالصاعقة. كل نظرة احتقار... كل مرة شعرت فيها أنها غريبة... أصبحت مفهومة الآن. لكنها لم تغضب. قالت بهدوء وهي تمسح دموعها: "أنا مش عايزة الورث." نظر إليها الجميع بدهشة. وأضافت: "أنا عايزة أعرف أمي كانت مين فعلًا." ابتسم أدهم لأول مرة منذ بداية الأزمة. وقال: "وده أول سؤال صح." وفي تلك اللحظة، أخرج فاروق مفتاحًا نحاسيًا قديمًا من جيبه. كان مربوطًا بشريط أزرق باهت. مده إلى ندى. "أمك طلبت مني أسلمهولك لما تبقي مستعدة تعرفي الحقيقة." سألته: "بيفتح إيه؟" قال: "خزنة في بيت قديم بوسط القاهرة... محدش فتحها من خمسة وعشرين سنة." أخذت ندى المفتاح بيد مرتعشة. وقبل أن تتكلم... رن هاتف أحد الحراس. رد بسرعة، ثم تغير وجهه. نظر إلى أدهم وقال: "سيدي... في حد سبقنا." قطب أدهم حاجبيه. "سبقنا لفين؟" ابتلع الحارس ريقه. "البيت القديم... اتحرق من عشر دقايق." ساد الصمت. لكن الحارس أكمل: "والدفاع المدني قال إن في واحدة عجوز خرجت قبل الحريق بدقائق... وكانت شايلة صندوقًا خشبيًا صغيرًا." نظر أدهم إلى ندى. ثم قال بحزم: "واضح إن الحقيقة لسه ما اتحرقتش..." "وفي حد سبقنا بخطوة." يتبع...في أقل من خمس دقائق... كانت سيارات أدهم تشق الطريق بسرعة نحو القاهرة. لم يكن أحد يتكلم. ندى كانت تقبض على المفتاح النحاسي بقوة، كأنه آخر شيء يربطها بأم لم تعرفها أبدًا. أما أدهم... فكان يفكر في سؤال واحد: من هي العجوز؟ --- وصلوا إلى البيت القديم. كانت رائحة الدخان لا تزال تملأ المكان. رجال الإطفاء أنهوا عملهم، والواجهة الحجرية سوداء من أثر الحريق. تقدم أدهم وأبرز بطاقته لأحد الضباط. "هل خرج أحد من هنا؟" أجاب الضابط: "سيدة كبيرة في السن... تقريبًا في السبعين من عمرها. رفضت الإسعاف، وكانت حاملة صندوقًا خشبيًا صغيرًا. ركبت سيارة أجرة واختفت." سأل أدهم: "قالت اسمها؟" هز الضابط رأسه. "لكنها سابت ده." وسلمه ظرفًا ورقيًا محترق الأطراف. فتح أدهم الظرف بحذر. كان بداخله خطاب قديم. وعلى ظهره مكتوب بخط يد واضح: "يُسلَّم إلى ندى... إذا عادت يومًا." تجمدت ندى. ارتجفت يداها وهي تفتح الرسالة. وفي الداخل كانت ورقة واحدة فقط. كُتب فيها: > "يا ندى... لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش هكون موجودة. لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة... دوري على الست أمينة في قرية الروضة. هي الوحيدة اللي تعرف السر اللي ما قدرتش أقوله." أسفل الرسالة... توقيع صغير. "أمك... ليلى." تساقطت دموع ندى على الورقة. هذه أول مرة في حياتها ترى اسم أمها الحقيقي. --- قال أحد الحراس فجأة: "سيدي." رفع أدهم رأسه. وأشار الحارس إلى زاوية الغرفة. كان هناك إطار صورة محترق جزئيًا. التقطه أدهم ونفض عنه الرماد. ظهرت صورة قديمة بالأبيض والأسود. فيها شاب وامرأة يحملان طفلة رضيعة. نظر الجميع إلى الصورة. ثم اتسعت عينا فاروق. "مستحيل..." سأله أدهم: "إيه؟" أشار إلى الشاب. "ده... والدك." نظر أدهم إلى الصورة مرة أخرى. ثم إلى ندى. ثم عاد إلى الصورة. إذا كان الرجل هو والده فعلًا... فمعنى ذلك أن عائلتي المرسي والشناوي لم تكونا مرتبطتين بالأعمال فقط... بل كان بينهما سر عائلي أخفاه الجميع. وفي أسفل الصورة، بعد أن أزال أدهم طبقة من السخام، ظهرت جملة بخط اليد: "اليوم الذي اتفقنا فيه أن نحمي ابنتنا... مهما كان الثمن." ساد صمت ثقيل. نظر أدهم إلى ندى، وقال بصوت منخفض: "واضح إن رحلتنا لسه بدأت." يتبع...تبادل الجميع النظرات في صمت. كان أول من تكلم هو فاروق. قال وهو يحدق في الصورة: "أنا أخفيت جزءًا من الحقيقة... لكن دي أول مرة أشوف الصورة دي." أخذها أدهم بين يديه مرة أخرى. قلبها بحذر. وفجأة لاحظ شيئًا. كان ظهر الإطار أكثر سمكًا من المعتاد. مرر أصابعه على الحافة الخشبية، ثم ضغط عليها. صدر صوت "طَق". وانفتح تجويف صغير داخل الإطار. شهقت ندى. كان بداخله مفتاح أصغر، وورقة مطوية بعناية. فتح أدهم الورقة. لم تكن رسالة. بل خريطة مرسومة يدويًا. وفي أسفلها عبارة واحدة: "لا تثقوا بأي شخص يحمل اسم الشناوي... ولا بأي شخص يحمل اسم المرسي." ساد الصمت. نظر أدهم إلى فاروق. ثم قال: "واضح إن اللي كتب الرسالة كان يعرف إن الخيانة جاية من جوه العيلتين." في تلك اللحظة، رن هاتف أحد الحراس. رد بسرعة، ثم تغير وجهه. "سيدي... قبضنا على واحد من رجال سامح." قال أدهم: "إيه الجديد؟" أجاب الحارس: "بيقول إن سامح ماكانش القائد." قطب أدهم حاجبيه. "يعني إيه؟" "بيقول إن في شخص أكبر منه... هو اللي كان بيدير كل حاجة من البداية." اقترب أدهم. "اسمه؟" رد الحارس: "مايعرفوش... كانوا بينادوه بـ(الريس) فقط." أغلق الهاتف. ثم التفت إلى ندى. "واضح إن سامح كان مجرد واجهة." وقبل أن يضيف شيئًا... سمعوا صوت عصا تضرب الأرض خارج المنزل المحترق. خرج الجميع بحذر. كانت هناك سيدة مسنة تقف عند البوابة. شعرها أبيض بالكامل. وترتدي عباءة سوداء بسيطة. وفي يدها... الصندوق الخشبي الذي أخبرهم عنه رجال الإطفاء. نظرت مباشرة إلى ندى. ثم ابتسمت بحنان. وقالت: "كبرتي يا بنت ليلى." شعرت ندى بقشعريرة تسري في جسدها. وتقدمت خطوة. "حضرتك... أمينة؟" أومأت العجوز. "أيوه." ضمت الصندوق إلى صدرها. ثم قالت بصوت هادئ: "أمك عرفت إن اليوم ده هييجي... وعشان كده سابتلك الحقيقة هنا." مدت الصندوق إلى ندى. لكن قبل أن تلمسه... دوى صوت طلقة نارية. ارتطم الصندوق بالأرض. وتناثرت أوراقه في الهواء. أما أمينة... فسقطت على ركبتيها، وهي تضع يدها على كتفها المصاب. التفت أدهم بسرعة نحو مصدر الطلقة، وهو يصيح: "احموا ندى!" وفي الجهة المقابلة من الشارع... كانت سيارة سوداء تنطلق بأقصى سرعة، بعدما فشل مطلق النار في إصابة هدفه. أما إحدى الأوراق التي تطايرت من الصندوق... فاستقرت عند قدمي ندى. نظرت إليها، فوجدت عنوانًا مكتوبًا بخط أمها: "الحقيقة الكاملة... تبدأ من المقبرة رقم 17." يتبع...تبادل الجميع النظرات في صمت. كان أول من تكلم هو فاروق. قال وهو يحدق في الصورة: "أنا أخفيت جزءًا من الحقيقة... لكن دي أول مرة أشوف الصورة دي." أخذها أدهم بين يديه مرة أخرى. قلبها بحذر. وفجأة لاحظ شيئًا. كان ظهر الإطار أكثر سمكًا من المعتاد. مرر أصابعه على الحافة الخشبية، ثم ضغط عليها. صدر صوت "طَق". وانفتح تجويف صغير داخل الإطار. شهقت ندى. كان بداخله مفتاح أصغر، وورقة مطوية بعناية. فتح أدهم الورقة. لم تكن رسالة. بل خريطة مرسومة يدويًا. وفي أسفلها عبارة واحدة: "لا تثقوا بأي شخص يحمل اسم الشناوي... ولا بأي شخص يحمل اسم المرسي." ساد الصمت. نظر أدهم إلى فاروق. ثم قال: "واضح إن اللي كتب الرسالة كان يعرف إن الخيانة جاية من جوه العيلتين." في تلك اللحظة، رن هاتف أحد الحراس. رد بسرعة، ثم تغير وجهه. "سيدي... قبضنا على واحد من رجال سامح." قال أدهم: "إيه الجديد؟" أجاب الحارس: "بيقول إن سامح ماكانش القائد." قطب أدهم حاجبيه. "يعني إيه؟" "بيقول إن في شخص أكبر منه... هو اللي كان بيدير كل حاجة من البداية." اقترب أدهم. "اسمه؟" رد الحارس: "مايعرفوش... كانوا بينادوه بـ(الريس) فقط." أغلق الهاتف. ثم التفت إلى ندى. "واضح إن سامح كان مجرد واجهة." وقبل أن يضيف شيئًا... سمعوا صوت عصا تضرب الأرض خارج المنزل المحترق. خرج الجميع بحذر. كانت هناك سيدة مسنة تقف عند البوابة. شعرها أبيض بالكامل. وترتدي عباءة سوداء بسيطة. وفي يدها... الصندوق الخشبي الذي أخبرهم عنه رجال الإطفاء. نظرت مباشرة إلى ندى. ثم ابتسمت بحنان. وقالت: "كبرتي يا بنت ليلى." شعرت ندى بقشعريرة تسري في جسدها. وتقدمت خطوة. "حضرتك... أمينة؟" أومأت العجوز. "أيوه." ضمت الصندوق إلى صدرها. ثم قالت بصوت هادئ: "أمك عرفت إن اليوم ده هييجي... وعشان كده سابتلك الحقيقة هنا." مدت الصندوق إلى ندى. لكن قبل أن تلمسه... دوى صوت طلقة نارية. ارتطم الصندوق بالأرض. وتناثرت أوراقه في الهواء. أما أمينة... فسقطت على ركبتيها، وهي تضع يدها على كتفها المصاب. التفت أدهم بسرعة نحو مصدر الطلقة، وهو يصيح: "احموا ندى!" وفي الجهة المقابلة من الشارع... كانت سيارة سوداء تنطلق بأقصى سرعة، بعدما فشل مطلق النار في إصابة هدفه. أما إحدى الأوراق التي تطايرت من الصندوق... فاستقرت عند قدمي ندى. نظرت إليها، فوجدت عنوانًا مكتوبًا بخط أمها: "الحقيقة الكاملة... تبدأ من المقبرة رقم 17." يتبع...اندفع الحراس خلف السيارة السوداء، لكن خلال ثوانٍ اختفت بين الشوارع. ركع أدهم بجوار أمينة. "الإصابة سطحية... هاتوا الإسعاف بسرعة." ضغط أحد الحراس على الجرح لإيقاف النزيف، بينما كانت ندى تجمع الأوراق المتناثرة بيدين مرتجفتين. لحسن الحظ... لم يختفِ منها إلا ورقة واحدة. أمسكت أمينة بيد ندى قبل أن تحملها سيارة الإسعاف. وقالت بصوت متقطع: "اسمعيني كويس... المقبرة رقم سبعتاشر... مش فيها قبر." تجمدت ندى. "أمال فيها إيه؟" ابتسمت أمينة ابتسامة ضعيفة. "باب..." ثم أغمضت عينيها من شدة الإرهاق، قبل أن ينقلها المسعفون إلى المستشفى. --- في صباح اليوم التالي... وصل أدهم وندى إلى المقبرة القديمة على أطراف القاهرة. كانت الشمس بالكاد أشرقت. والضباب يغطي شواهد القبور. تقدم حارس المقابر العجوز وهو يتكئ على عصاه. نظر إلى ندى طويلًا، ثم قال: "أنا كنت مستني اليوم ده من خمسة وعشرين سنة." نظر إليه أدهم بحذر. "تعرفها؟" هز الرجل رأسه. "عرفت أمها... ووعدتها إني ما أفتحش المكان إلا لبنتها." قادهم إلى المقبرة رقم 17. كانت تبدو كأي مقبرة قديمة. لكن عندما أدخل المفتاح الصغير الذي وجدوه داخل إطار الصورة في فتحة مخفية أسفل شاهد القبر... صدر صوت احتكاك ثقيل. واهتزت الأرض قليلًا. ثم تحركت قطعة رخام كبيرة إلى الجانب. لتكشف عن سلم حجري ينزل إلى الأسفل. نظر الحارس إلى ندى. وقال: "من هنا بدأت الحكاية... ومن هنا هتعرفي ليه أمك ضحت بكل حاجة." نزل أدهم أولًا، ثم ندى. وفي نهاية السلم... وجدوا غرفة صغيرة محفوظة بشكل مدهش. لم تكن مليئة بالذهب أو الأموال كما توقعوا. بل كانت مليئة بالملفات... والصور... والعقود... ويوميات مكتوبة بخط يد ليلى. وفوق مكتب خشبي قديم... كان هناك ظرف أبيض كُتب عليه: "إلى ابنتي ندى." فتحت ندى الظرف، وبدأت تقرأ: > "يا ندى... لو وصلتي إلى هنا، فاعرفي إنك نجحتي في اجتياز أول اختبار. الحقيقة اللي هتقرأيها هتغير حياتك، لكنها هتنقذ أرواح ناس كتير. والدك الحقيقي لم يمت... وهو لم يتخلَّ عنك بإرادته. لقد اختفى لأنه كان يحاول إسقاط المنظمة التي سيطرت على العائلتين." شهقت ندى. نظر أدهم إليها في ذهول. ثم قلبت الصفحة إلى الأخيرة. وكانت الجملة الأخيرة كفيلة بأن تصيب الجميع بالصدمة: "والشخص الوحيد الذي يعرف مكان والدك الآن... هو أدهم المرسي، لكنه لا يعلم ذلك بعد." ساد الصمت في الغرفة. ونظر أدهم إلى الرسالة، وكأنها تتحدث عن شخص آخر. وقال بصوت خافت: "إزاي... وأنا نفسي ما أعرفش؟" يتبع...ظل أدهم يحدق في الرسالة لعدة ثوانٍ. ثم أخذها من يد ندى وقرأ السطر الأخير مرة... ثم مرة أخرى. لم يكن يستوعب. "والشخص الوحيد الذي يعرف مكان والدك الآن... هو أدهم المرسي، لكنه لا يعلم ذلك بعد." قال بهدوء: "دي مش جملة عشوائية." اقترب من المكتب، وأخذ يتفحص بقية الأوراق. كانت كلها مرتبة حسب السنوات. 1998... 2001... 2007... حتى وصل إلى ملف كُتب عليه: "يُفتح بواسطة أدهم فقط." نظر إلى ندى. "ممكن؟" هزت رأسها موافقة. فتح الملف ببطء. وفي الصفحة الأولى وجد رسالة بخط ليلى: > "أدهم... لو وصلت للرسالة دي، يبقى والدك نفذ وصيته الأخيرة. قبل وفاته بأيام، سلّمك شيئًا صغيرًا، وقال لك إنه تذكار لا تفرط فيه أبدًا. أنت احتفظت به كل السنين، من غير ما تعرف إنه مفتاح الحقيقة." اتسعت عينا أدهم. رفع يده إلى عنقه. كان يرتدي سلسلة فضية منذ طفولته. تتدلى منها قطعة معدنية صغيرة على شكل نسر. همس: "دي..." قال فاروق بدهشة: "دي السلسلة اللي أبوك ماكانش بيفارقها." خلعها أدهم ووضعها على المكتب. لاحظ ندى أن جناح النسر فيه شق صغير جدًا. ضغطت عليه بطرف ظفرها. فانفتح الجزء الخلفي من القلادة. وسقطت منه شريحة معدنية دقيقة، محفور عليها أرقام وإحداثيات. قال أحد الحراس: "دي إحداثيات مكان." نظر أدهم إلى ندى. ثم قال: "واضح إن الرسالة كانت تقصد القلادة." لكن قبل أن يكملوا... سمعوا صوت محرك سيارة يتوقف فوق المقبرة. ثم خطوات سريعة تقترب. رفع الحراس أسلحتهم. وانفتح الباب الحجري بعنف. لكن الداخل لم يكن من رجال سامح. بل أمينة... رغم إصابتها. كانت تلهث بشدة، وقالت بصوت مرتجف: "اهربوا... الريس عرف مكانكم." وقبل أن ينطق أحد... اهتزت الغرفة بانفجار قوي عند مدخل السلم. تساقطت الحجارة، وانغلق المخرج الوحيد تقريبًا. ارتفع الغبار في كل مكان. صرخت ندى: "إحنا اتحاصرنا!" أمسك أدهم بالإحداثيات المعدنية بقوة، ونظر إلى الجدار الخلفي للغرفة. ثم قال: "لو ليلى بنت المكان ده... مستحيل يكون له مخرج واحد." وبدأ يبحث بين الأحجار، بينما كان صوت خطوات المهاجمين يقترب من أعلى السلم. يتبع...انتشر الغبار في أرجاء الغرفة. وأصبحت الأنفاس ثقيلة. كان الحراس يحاولون إزاحة الصخور التي سدت المدخل، لكن الانفجار تسبب في انهيار جزء كبير من السلم. قال أحدهم: "مستحيل نخرج من هنا بسرعة." أما أدهم... فلم ينظر إلى السلم أصلًا. كان يمرر يده على الجدار الحجري، وكأنه يبحث عن شيء يعرف مكانه دون أن يدرك كيف. لاحظت ندى ذلك. وسألته: "إنت بتدور على إيه؟" أجاب وهو يواصل البحث: "مش عارف... لكن حاسس إن المكان ده شفته قبل كده." نظر إليه فاروق باستغراب. "إنت عمرك ما جيت هنا." سكت أدهم لحظة. ثم قال: "يمكن... وأنا طفل." تبادل الجميع النظرات. وفجأة... توقفت يده عند حجر يختلف قليلًا عن بقية الأحجار. كان عليه نقش صغير على شكل نسر... نفس شكل القلادة. أخرج القطعة المعدنية من السلسلة، ووضعها داخل التجويف. صدر صوت ميكانيكي خافت. ثم بدأ الجدار يتحرك ببطء. خلفه... ظهر ممر ضيق يؤدي إلى غرفة أخرى. دخلوا بسرعة قبل أن يصل المهاجمون. --- كانت الغرفة الثانية أصغر. لكن في منتصفها... وجدوا صندوقًا حديديًا قديمًا. وعلى غطائه لوحة نحاسية مكتوب عليها: "إذا فُتح هذا الصندوق، فاعلم أن الوقت قد حان." فتح أدهم الصندوق بحذر. لم يجد ذهبًا... ولا أموالًا... بل جهاز تسجيل قديم، وعدة أشرطة، ومغلفًا مختومًا بالشمع الأحمر. وضغط زر التشغيل. خرج صوت رجل هادئ، لكنه قوي. تجمد أدهم في مكانه. لقد كان صوت والده. > "إذا كنت تسمعني يا أدهم... فده معناه إني مت قبل ما أقدر أشرحلك الحقيقة. العدو اللي كنا بنحاربه عمره ما كان سامح. سامح كان مجرد منفذ. أما الريس... فهو واحد من أقرب الناس ليك." نظر الجميع إلى بعضهم. واستمر التسجيل: > "إوعى تثق في أي شخص لمجرد إنه وقف جنبك سنين. الخيانة أوقات بتلبس وش الوفاء." وفجأة... توقف التسجيل. نظر أدهم إلى الجهاز. ثم وجد ورقة صغيرة بجواره مكتوبًا عليها: "باقي التسجيل... في الخزنة رقم 9 داخل شركة المرسي للنقل." ساد الصمت. لكن هذا الصمت لم يدم طويلًا. إذ سمعوا صوت طرق خافت يأتي من نهاية الممر. رفع الحراس أسلحتهم. وسأل أدهم بصوت حاد: "مين هناك؟" جاءهم صوت رجل مسن: "لو كنتوا عايزين تخرجوا أحياء... افتحوا الباب بسرعة." نظر أدهم إلى ندى. ثم أشار للحراس أن يستعدوا. فتحوا الباب بحذر... فدخل رجل عجوز بلحية بيضاء وملابس عامل مقابر. ابتسم عندما رأى أدهم. وقال: "أخيرًا... ابن صديقي وصل." ثم أخرج من جيبه صورة قديمة. كانت تجمعه مع والد أدهم... ووالدة ندى... ورجل ثالث. لكن وجه الرجل الثالث في الصورة... كان ممزقًا عمدًا. يتبع...أخذ أدهم الصورة من يد الرجل العجوز. ظل يحدق فيها طويلًا. والده... ليلى... والرجل العجوز نفسه. أما الشخص الرابع... فقد مُزق وجهه بعناية، وكأن أحدًا أراد محوه من التاريخ. سأل أدهم: "مين اللي مزق الصورة؟" تنهد العجوز. وقال: "أبوك." ساد الصمت. ثم أضاف: "لأنه اكتشف متأخر جدًا إن الشخص ده خانهم كلهم." سألت ندى وهي تمسك الصورة: "تعرف اسمه؟" أومأ العجوز. "أعرف." اقترب الجميع منه. لكن قبل أن ينطق... قال: "لو قلت اسمه دلوقتي، محدش فيكم هيصدقني." قطب أدهم حاجبيه. "جرب." أخرج الرجل من جيبه مفتاحًا قديمًا. وسلمه إلى أدهم. "روحوا شركة المرسي للنقل... وافتحوا الخزنة رقم 9 الأول." "بعدها... هتعرفوا بنفسكم." --- بعد ساعة... وصلوا إلى المقر الرئيسي لشركة المرسي. كانت الشركة تبدو هادئة كعادتها. الموظفون يباشرون أعمالهم. ولا أحد يعلم أن أسرارًا عمرها خمسة وعشرون عامًا على وشك أن تنكشف. دخل أدهم إلى مكتبه. وتوجه مباشرة إلى الخزائن الحديدية. كانت الخزنة رقم 9 في آخر الممر. أدخل المفتاح. دارت الأقفال الثقيلة. ثم انفتح الباب ببطء. في الداخل... وجدوا جهاز تسجيل أحدث من الأول. وملفًا أسود. وصندوقًا صغيرًا. فتح أدهم الملف أولًا. كانت أول صفحة تحمل عنوانًا واحدًا: "قائمة الخونة." بدأ يقلب الصفحات بسرعة. كل صفحة تحمل اسمًا وصورة ودليلًا. حتى توقف فجأة. تغير لون وجهه. لاحظت ندى ذلك. اقتربت منه. "في إيه؟" رفع الملف ببطء. وفي الصفحة المفتوحة... كانت هناك صورة كبيرة. تحتها اسم واحد. فاروق الشناوي. نظر الجميع إلى فاروق. الذي وقف في مكانه كأن الزمن توقف. هز رأسه بعنف. "لا... دي مؤامرة." لكن أدهم لم يتكلم. فتح جهاز التسجيل. وانطلق صوت والده من جديد: > "يا أدهم... لو وصلت للجزء ده، يبقى لازم تعرف الحقيقة كاملة. فاروق ارتكب أخطاء كبيرة... لكنه مش الريس. ولو كان عايز يقتلنا، كان عملها من سنين. أنا كتبت اسمه في القائمة لأنه أخفى الحقيقة... مش لأنه خاننا." تنفس فاروق الصعداء. لكن التسجيل لم ينتهِ. > "أما الريس الحقيقي... فهو الشخص اللي هيكون واقف جنبك لحظة سماع الرسالة دي." ساد صمت مرعب. التفت الجميع بشكل غريزي ينظرون إلى بعضهم. أدهم... ندى... فاروق... الحراس... والعجوز. كل واحد بدأ يشك في الآخر. وفي تلك اللحظة... أُغلق باب المكتب الحديدي بقوة من الخارج. ودوى صوت عبر مكبرات الشركة: "أحسنتم... وصلتوا للحقيقة." ثم انقطع التيار الكهربائي عن المبنى بالكامل. واشتعلت أضواء الطوارئ الحمراء. يتبع...ساد الظلام لثوانٍ... ثم أضاءت مصابيح الطوارئ الحمراء الممرات بلونٍ مخيف. أخرج الحراس أسلحتهم بسرعة. وقف أدهم في مقدمة الجميع، وأشار إليهم أن يلتزموا الهدوء. وفجأة... انطلق صوت من مكبرات الصوت في أنحاء المبنى. كان هادئًا... وواثقًا. "أهلاً يا أدهم." قال أدهم بصوت مرتفع: "مين إنت؟" ضحك الصوت قليلًا. "من سنين طويلة... وأنت بتدور عليّا." قال أدهم: "لو عندك شجاعة... اظهر." رد الصوت: "كل حاجة في وقتها." ثم انطفأت السماعات. وفي اللحظة نفسها... رن هاتف أدهم. نظر إلى الشاشة. الرقم كان مجهولًا. ضغط زر الإجابة. جاءه نفس الصوت. "ابص من شباك مكتبك." اقترب أدهم بحذر وأزاح الستارة قليلًا. في ساحة الشركة... كانت عشرات السيارات السوداء مصطفة في صمت. لكن لم يخرج منها أحد. قال الصوت: "لو كنت عايز حرب... كانت بدأت من خمس دقايق." سأل أدهم: "إيه اللي مانعك؟" رد الرجل: "لأن هدفي مش قتلك." "أنا عايزك تفهم الحقيقة." قطب أدهم حاجبيه. "أي حقيقة؟" قال الرجل: "إن والدك ما ماتش في حادث." تجمد أدهم. وأكمل الصوت: "هو ضحى بنفسه علشان ينقذك." ساد الصمت. ثم تابع الرجل: "وفي آخر لحظة... سلمني أمانة." صرخ أدهم: "كداب!" جاء الرد هادئًا: "افتح الصندوق الصغير اللي كان في الخزنة." أغلق الخط. نظر الجميع إلى الصندوق الذي لم يفتحوه بعد. تناول أدهم الصندوق بحذر. كان مصنوعًا من خشب الجوز، ومغلقًا بقفل نحاسي صغير. استخدم المفتاح الذي وجده مع الملف. انفتح القفل. وفي الداخل... وجد ساعة يد قديمة. ورسالة قصيرة. أخذ الرسالة وقرأها بصوت مرتفع: > "يا أدهم... لو وصلت الساعة دي ليك، فاعرف إن الوقت جه تعرف الحقيقة. الشخص اللي بتعتبره عدوك... أنقذ حياتك وإنت طفل." رفع أدهم الساعة. لاحظ ندى أن عقاربها متوقفة عند الساعة 3:17. لكن عندما قلبها... وجد نقشًا صغيرًا على الغطاء الخلفي: "المحطة 17... المخزن 3." نظر أدهم إلى ندى. وقال: "واضح إن دي مش ساعة..." "دي عنوان." وقبل أن يتحركوا... وصلت رسالة نصية إلى هاتف أدهم من الرقم المجهول: > "تعالوا وحدكم... ولو جبتوا الشرطة أو الحراس، الحقيقة هتدفن للأبد." نظر أدهم إلى ندى. ثم قال بحزم: "هنروح." ورغم اعتراض الحراس... قرر أدهم وندى التوجه وحدهما إلى المحطة 17، المخزن 3، دون أن يعرفا أن من ينتظرهما هناك سيقلب كل ما عرفاه رأسًا على عقب. يتبع...