عروس رشيدي الاخير
ولم تعد النساء ينتظرن عودة أبنائهن بقلوب مرتجفة.
أما خبر القبض على مراد عزام، فقد انتشر في القرى المجاورة، ومع اعترافاته أمام النيابة، بدأت الحقيقة التي دُفنت خمسةً وعشرين عامًا تخرج إلى النور.
ثبت بالدليل أن الرصاصة الأولى لم يطلقها أحد من الرشيدي أو الدهشان.
وثبت أن تجارة الس/لاح والخوف كانت الوقود الحقيقي لذلك الثأر الطويل.
لكن رغم ذلك…
ظل في القلوب جرحٌ لا يلتئم بسهولة.
—
في سرايا الرشيدي…
وقف فارس أمام صورة والده عبد الرحمن.
كانت الصورة تتوسط المجلس الكبير.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت خافت:
— سامحني يا بوي…
اتأخرت في إظهار الحقيقة.
لكن وعدي ليك اتنفذ.
دخل عمران الرشيدي، وقد سمع كلماته.
اقترب من ابن أخيه، ووضع يده على كتفه.
— أبوك لو كان عايش… كان هيفتخر بيك.
التفت فارس إليه.
— الفضل لله… ثم لكل واحد اختار الحق، حتى لو كان الثمن غالي.
خفض عمران رأسه، وقد تذكر جابر.
وقال بحزن:
— جابر غلط… لكنه مات وهو بيصلح غلطه.
أجاب فارس:
— وربنا وحده يعلم اللي في القلوب.
—
في منزل رياض…
كانت حنين تساعد والدتها في إعداد بعض الحلوى.
سألتها أمها وهي تبتسم:
— مبسوطة يا حنين؟
سكتت لحظات.
ثم قالت:
— مش عارفة أوصف اللي جوايا.
— ليه؟
جلست حنين بجوارها.
— وأنا داخلة الجواز ده… كنت حاسة إنه واجب.
أما دلوقتي…
فسكتت.
ابتسمت الأم.
— كملي.
احمر وجه حنين.
— بقيت أخاف عليه… أكتر من خوفي على نفسي.
ابتسمت الأم وهي تربت على يدها.
— يبقى قلبك سبق لسانك يا بنتي.
خفضت حنين رأسها خجلًا.
—
في عصر اليوم نفسه…
دعا الشيخ سلامة جميع أهالي البلدة إلى ساحة كبيرة تتوسط أراضي العائلتين.
نُصبت سرادقات بسيطة.
وحضر الرجال والنساء والشيوخ والشباب.
وقف عمران الرشيدي بجوار حامد الدهشان.
ولأول مرة…
وقفا في صفٍ واحد أمام الجميع.
تقدم الشيخ سلامة.
وقال بصوت قوي:
— خمسة وعشرين سنة…
والبلد دي بتدفع تمن كدبة.
النهارده…
الحقيقة ظهرت.
والدم اللي سال…
كان بسبب طمع ناس ملهاش دين.
ثم التفت إلى عمران.
— قول كلمتك.
أخذ عمران نفسًا عميقًا.
وقال:
— أنا عمران الرشيدي…
بسامح كل واحد من الدهشان، لله.
واللي ماتوا…
حقهم عند ربنا.
ساد الصمت.
ثم تقدم حامد.
وقال:
— وأنا حامد الدهشان…
بسامح كل واحد من الرشيدي.
ومن النهارده…
