عروس رشيدي الاخير
ثم نهض واقفًا.
وقال أمامها وأمام والدها:
— لا…
صمت لحظة، ثم أكمل:
— الشفقة عمرها ما تبني بيت… ولا تحفظ كرامة.
اقترب خطوة واحدة، مع الحفاظ على مسافة احترام.
وأضاف:
— أنا بطلب إيدك عشان أحميكي… وأصون اسمك… وأكون مسؤول عنك قدام ربنا.
ولو وافقتِ…
أوعدك بثلاثة.
رفعت عينيها إليه.
قال:
— عمري ما هاجبرك على حاجة.
وعمري ما هكسر قلبك.
ولو في يوم لقيتِ إنك مش قادرة تكملي…
هكون أول واحد يحافظ على كرامتك.
ساد الصمت.
كانت الكلمات صادقة.
خالية من أي استعراض.
نظر رياض إلى ابنته.
— القرار قرارك يا بنتي.
بكت حنين طويلًا.
ثم أمسكت يد والدها.
وقالت:
— لو ده هيطمن قلبك…
أنا موافقة.
أغمض رياض عينيه، وانهمرت دموعه لأول مرة منذ سنوات.
—
بعد يومين…
امتلأت سرايا الرشيدي بكبار رجال البلدة.
لم يكن هناك غناء.
ولا زينة مبالغ فيها.
كان عقد قران بسيطًا، تليق هيبته بالموقف.
حضر عمران الرشيدي، والشيخ سلامة، وعدد من وجهاء البلدة.
حتى حامد الدهشان حضر في صمت، بعدما دعاه عمران بصفته أحد كبار الصعيد.
تعجب الجميع من حضوره، لكنه قال:
— دي بنت بلدنا… وربنا يتمم لها على خير.
جلس فارس في هدوء.
يرتدي جلبابًا أبيض وعباءة سوداء.
أما حنين…
فدخلت بثوب أبيض محتشم، تغطي رأسها بطرحة ناصعة، وقد خلت ملامحها من الزينة إلا القليل.
لم تكن تبتسم…
لكنها لم تكن خائفة أيضًا.
كانت تستمد قوتها من نظرات والدها.
بدأ المأذون في إجراءات العقد.
ثم قال بصوته الوقور:
— يا فارس الرشيدي…
هل قبلت الزواج من الآنسة حنين رياض على سنة الله ورسوله؟
أجاب فارس بثبات:
— قبلت.
التفت المأذون إلى حنين.
كانت يداها ترتجفان.
نظر إليها والدها مبتسمًا.
وقال:
— قلبك أكيد هيدلك يا بنتي.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت بصوت خافت، لكنه واضح:
— قبلت.
ابتسم المأذون.
وأعلن:
— بارك الله لكما… وبارك عليكما… وجمع بينكما في خير.
تعالت الدعوات.
وصافح الرجال بعضهم.
أما فارس…
فاكتفى بالنظر إلى حنين باحترام.
ثم قال بصوت لا يسمعه سواها:
— من النهارده…
أنتِ في ذمتي.
ومحدش هيقدر يمد إيده عليكي طول ما أنا عايش.
رفعت رأسها نحوه.
ولأول مرة…
شعرت أن الخوف الذي لازمها منذ وفاة خطيبها بدأ يخف قليلًا.
—
لكن بعيدًا عن السرايا…
كان رجل يحمل بندقية مزودة بمنظار، يراقب الاحتفال من أعلى التل.



