عروس رشيدي الاخير
وقالت:
— البيت بيتك يا بنتي… وإحنا أهلك.
اغرورقت عينا حنين بالدموع.
فمنذ وفاة خطيبها، لم تشعر بهذا القدر من الاحتواء.
—
قادها فارس إلى جناحه في الطابق العلوي.
توقف أمام الباب، ثم فتحه.
كانت الغرفة واسعة، يغمرها ضوء الشمس، وأثاثها بسيط رغم فخامته.
دخلت حنين بخطوات مترددة.
أما فارس…
فبقي واقفًا عند الباب.
قال بهدوء:
— قبل أي حاجة… لازم نتفق على كام حاجة.
التفتت إليه.
أكمل:
— الجواز ده بدأ عشان نحميكي… لكن ده ميمنعش إنك ليكي كامل حقك في الاحترام.
أشار إلى غرفة صغيرة متصلة بالجناح.
— الأوضة دي كنت مجهزها كمكتب… من النهارده هتبقى أوضتي.
نظرت إليه بدهشة.
ابتسم ابتسامة هادئة.
— وأنتِ هتكوني هنا براحتك.
اتسعت عيناها.
— يعني… إنت مش هتنام هنا؟
هز رأسه.
— لا.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال:
— لحد ما ييجي اليوم اللي تبقي فيه مطمنة… وكل خطوة تكون بإرادتك.
لم تستطع الرد.
لم تكن تتوقع هذا الموقف.
في داخلها، بدأ الجدار الذي بنته حول قلبها يهتز للمرة الأولى.
—
في تلك الليلة…
جلست حنين بجوار النافذة.
أخرجت من حقيبتها صورة خطيبها الراحل.
ظلت تنظر إليها طويلًا.
ثم همست:
— سامحني…
أنا ما اخترتش الطريق ده…
أغمضت عينيها، وانسابت دمعة على خدها.
وفي اللحظة نفسها…
طرق فارس الباب طرقًا خفيفًا.
— ممكن أدخل؟
أسرعت تمسح دموعها.
— اتفضل.
دخل وهو يحمل صينية عليها كوب لبن وبعض الطعام.
وضعها على الطاولة.
— من الصبح وإنتِ مأكلتيش.
قالت بخجل:
— مليش نفس.
ابتسم ابتسامة بسيطة.
— لو فضلتِ من غير أكل… الدكتور هيزعقلي أنا.
رغم حزنها…
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.
لاحظها فارس، لكنه لم يعلّق.
اتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، قال:
— تصبحي على خير… يا حنين.
ترددت لحظة، ثم أجابت بصوت خافت:
— وإنت من أهل الخير… يا فارس.
كانت تلك أول مرة تناديه باسمه.
ابتسم دون أن تراه.
ثم أغلق الباب بهدوء.
—
وفي الجهة الأخرى من السرايا…
كان جابر يقف في الحديقة، ينتظر شخصًا.
بعد دقائق…
ظهر الرجل المجهول من بين الأشجار.
قال جابر بغضب:
— قولتلك الرصاصة هتفشل.
أجابه الرجل ببرود:
— مش مهم.
— إزاي مش مهم؟
ابتسم ابتسامة غامضة.
— المهم إن فارس بقى متأكد إن حنين هي نقطة ضعفه.
قطب جابر حاجبيه.
— والخطوة الجاية؟
أخرج الرجل مفتاحًا نحاسيًا قديمًا من جيبه.



