عروس رشيدي الاخير
مفيش بينا غير الجيرة والاحترام.
تعالت التكبيرات.
وانطلقت الزغاريد من النساء.
ثم تقدم عمران نحو حامد.
وتعانقا وسط دموع الرجال.
كانت لحظة انتظرها الجميع…
خمسةً وعشرين عامًا.
—
وسط الحشود…
وقف فارس يراقب المشهد.
اقتربت منه حنين.
كانت ترتدي عباءة صعيدية بسيطة، بلون أزرق هادئ، وغطاء رأس أبيض.
وقفت إلى جواره.
قالت وهي تنظر إلى الناس:
— عمري ما تخيلت أشوف اليوم ده.
أجاب فارس:
— وأنا كنت فاكر إن الدم أقوى من الحقيقة.
ابتسمت.
— طلع الحقيقة… لو لقت راجل يتمسك بيها… بتكسب.
نظر إليها.
كانت هذه أول مرة تتحدث إليه بهذه الراحة.
—
بعد انتهاء الاحتفال…
خرج الاثنان يتمشيان بين الحقول.
كانت الشمس تميل إلى الغروب.
والهواء يحمل رائحة القمح.
سارت حنين بصمت.
ثم توقفت فجأة.
قال فارس بقلق:
— مالك؟
نظرت إليه.
وقالت بصوت خافت:
— ممكن أسألك سؤال؟
— طبعًا.
— يوم ما وافقت تتجوزني…
كنت شايفني مجرد مسؤولية؟
ابتسم فارس.
نظر إلى الأفق قبل أن يجيب.
— أقولك الحقيقة؟
أومأت.
قال:
— أول مرة شفتك…
كانت في السوق.
فاكرة يوم الحصان؟
ابتسمت.
— أيوه.
— يومها استغربت…
إزاي بنت تعرض نفسها للخطر عشان تنقذ طفلة متعرفهاش.
ومن يومها…
احترمتك.
ولما عرفت قصتك…
زاد احترامي.
أما الحب…
فسكت قليلًا.
ثم أكمل:
— الحب جه من غير ما أطلبه.
لما بقيت كل مرة أرجع السرايا…
أول حاجة أسأل عنها هي إنتِ.
شعرت حنين أن قلبها يخفق بقوة.
لم تستطع النظر إليه.
قالت وهي تبتسم بخجل:
— وأنا…
كنت فاكرة إن قلبي مات يوم مات محمود.
لكن…
رفعت عينيها إليه.
— اكتشفت إن القلب ربنا خلقه يعرف يحب من جديد…
لو لقى الأمان.
ساد الصمت.
لم يقترب فارس منها.
ولم يقطع المسافة بينهما.
اكتفى بابتسامة امتنان.
وقال:
— أهم حاجة عندي…
إنك قولتيها بإرادتك.
أومأت برأسها.
ثم قالت وهي تنظر إليه بثبات:
— المرة دي…
أنا اللي باختارك يا فارس.
ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يعرفها من قبل.
ابتسامة رجل…
انتظر طويلًا حتى يأتيه الحب دون أن يفرضه.
—
وفي تلك اللحظة…
وصل رياض من بعيد.
وقف يراقبهما.
ابتسم، وقد امتلأت عيناه بالدموع.
قال في نفسه:
— الحمد لله…
دلوقتي أقدر أقول إني سلمت بنتي لراجل يستاهلها.
رفع بصره إلى السماء.
وتمتم:
— يا رب…
كما أطفأت نار الثأر…
أدم عليهم نعمة المحبة.
وفي الأفق…


