راهنت على كبير الهوارية كاملة حصري مايا خالد

اشتعل وجه عبد الحميد بالدم، وحاول الاندفاع نحوها وهو يصيح:
ـ يا قليلة الحيا! والله ما هسيبك…
وقبل أن يخطو خطوة واحدة، اعترضه جدار من رجال العائلة بقيادة الحاج سالم الذي وضع عصاه على صدره بثقل، قائلاً بصوت كالجبل:
لسانك ولا إيدك! البنت بقت في حماية كبير الهوارية، والكلام معانا إحنا بعد كده.
في هذه الأثناء، اقتيدت زينب من باب المضيفة الخلفي وسط حراسة الشرطة ليأخذ القانون مجراه بعد اعترافها وتسجيلاتها، وكانت نظراتها تتنقل بين عاصم وليان بحسرة وندم يتآكلان قلبها، ودفعت قضيتها إلى محاكمة عادلة أبعدتها نهائياً عن حياتهما.
بعد نصف ساعة كان المأذون يجلس في صدر المضيفة وضع عاصم يده المحترقة والملفوفة بالشاش الأبيض فوق يد الحاج سالم الذي كان وكيلا لليان بناء على طلبها ورغبة مجلس العائلة، بينما جلس عبد الحميد مكبلا بصدمته، غير قادر على التراجع أو الهجوم حتى تم تسوية كل الديون المزعومة وتوقيع إقرار بعدم التعرض لها للأبد.
مع جملة المأذون الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينهما في خير”، انطلقت زغاريد النساء، وتزاحم أهل القرية يهنئون “الكبير”.
اقترب عاصم من ليان التي كانت تقف مرتبكة والدموع تغرق وجنتيها، لكنها هذه المرة دموع الفرح والراحة وقف أمامها، ورفع يده السليمة ليمسح دمعة انسابت على خدها برفق.
همست هي بخجل:
ـ إنت عملت كده عشان تنقذني من عمي… صح؟
ابتسم عاصم ابتسامة هادئة أذابت كل ما بقي في قلبها من شكوك، وقال بصدق:
ـ أنا عملت كده عشان أسد الباب على الدنيا كلها… وما أصلحش إني أعيش من غيرك يا ليان النار اللي ولعت النهاردة كانت هتتحرق فيها روحي لو كنتي ضعتي مني.
ارتبك قلبها، واستقرت يدها بغير وعي على يده المضمضة بالضمادات:
ـ وإيدك؟
رد بصوت ملؤه الدفء:
ـ الحرق في إيدي يخف في أيام… لكن لو كنت خسرتك، كان قلبي هيفضل يعاني العمر كله.
بعد مرور عدة أشهر كانت الشمس تشرق على دوار الهوارية، ينبعث منه صوت الضحكات والهدوء الذي غاب طويلاً.
في حديقة الدوار، كانت ليان تجلس تجمع بعض الزهور، وقدمت المدرسة التي أصبحت مديرتها الرسمية مكافأة لها على جهودها واستقرار المعرض التعليمي.
اقترب منها عاصم من الخلف، بعد أن شفيت يده تماما ولم يتبقَ منها سوى أثر خفيف وضع شاله على كتفيها بحنان حاميًا إياها من نسمة الصباح الباردة.
التفتت إليه وابتسامة مشرقة تزين وجهها:
ـ التأخير ده كله ليه يا كبير؟

