راهنت على كبير الهوارية كاملة حصري مايا خالد

سكتت ثم نظر إليها بثبات، ثم نطق الجملة كاملة بإنجليزية سليمة، بلكنة أجنبية واضحة، وكأنه عاش سنوات بين أهلها تجمدت ليان في مكانها فابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة وقال بالمصرية الهادئة:
كملي… ولا أشرحلك معنى الفقرة كمان؟
شعرت بحرارة الخجل تصعد إلى وجهها فهمست:
إنت… إنت بتعرف إنجليزي؟
أغلق الرواية بهدوء: بعرف أربع لغات.
ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:
والرهان لسه في أوله… يا أبلة.
خرجت ليان من المضيفة وهي تشعر أن الأرض تميد تحت قدميها لم يكن ما حدث مجرد إحراج، بل صفعة قوية لثقتها بنفسها كيف أخطأت في الحكم عليه بهذه السهولة؟ لكن كبرياءها رفض الاعتراف بالهزيمة.
في صباح اليوم التالي، دخلت المدرسة وهي تحاول تجاهل همسات المدرسين.
قالت إحدى المدرسات: سمعنا إن الكبير هو اللي صححلك الإنجليزي.
ابتسمت ليان ابتسامة مصطنعة: حاجة بسيطة.
لكن الخبر كان قد وصل إلى كل القرية.
في المساء، عادت إلى المضيفة في الموعد نفسه وجدته يجلس في الحديقة، يحتسي القهوة ويطالع كتابًا.
اقتربت وجلست أمامه قالت بجدية: أنا مستسلمتش.
رفع عينيه عن الكتاب: وأنا مقولتش إنك استسلمتي.
قالت بعناد: أنت مش محتاج حد يعلمك القراءة والكتابة… لكن أنا عايزة أعرف أنت مخبي ليه.
أغلق الكتاب ووضعه على الطاولة: ليه يهمك تعرفي؟
:_ عشان مفيش راجل عاش طول عمره في الصعيد واتعلم أربع لغات بالشكل ده.
ابتسم ابتسامة صغيرة: مين قالك إني عشت طول عمري هنا؟
ساد الصمت ثم أردف بهدوء: من وأنا عندي ١٧ سنة، سافرت بريطانيا. درست هناك، واشتغلت، ورجعت لما أبويا مات.
حدقت فيه غير مصدقة: يعني كل الناس عارفة؟
هز رأسه: أيوه… إلا إنتي.
خفضت رأسها قليلًا لأول مرة منذ وصولها إلى القرية، شعرت بالخجل من نفسها.
قالت بصوت خافت: أنا آسفة.
نظر إليها طويلًا، ثم قال: الاعتذار سهل. لكن الحكم على الناس من شكلهم هو اللي صعب يتغير.
صمتت، فلم تجد ردًا نهض عاصم من مكانه، واتجه نحو رف صغير، ثم عاد يحمل دفترًا قديمًا وضعه أمامها: دورك بقى.
فتحت الدفتر كان مليئًا بقصائد عربية مكتوبة بخط جميل قال: أنا بعرف أقرا وأكتب… لكن معرفش أكتب شعر.
نظرت إليه باستغراب: يعني إيه؟
قال وهو يبتسم للمرة الأولى ابتسامة حقيقية:
علّميني إزاي الكلمة تبقى أحساس… مش مجرد حروف.



