راهنت على كبير الهوارية كاملة حصري مايا خالد

​ابتسم عاصم ونظر في عينين ملئهما الأمان، وقال بنبرة ملؤها المحبة:
كنت بخلص شغلي عشان أفضالك… من النهاردة مفيش خوف، ولا جري، ولا مخازن قديمة إنتي هنا في بيتك، ووسط ناسك، وفي قلبي أنا.
​أمسكت بيده ووضعتها بين كفيها، وهمست بصدق:
ـ أنا خلاص نسيت الخوف من يوم ما دخلتلي بين النار… يا سند حياتي.

​سادا الصمت العذب بينهما، وهما ينظران إلى القرية الهادئة تحت أشعة الشمس الذهبية، وقد أغلقت صفحات الماضي الحزين إلى الأبد، وفتحت بدلاً منها حياة جديدة ملؤها الحب، والاستقرار، والأمان.

بعد مرور عامين…
كان فناء دوار الهوارية يرتدي أبهى حلة، وتتعالى منه أصوات الطبول والزغاريد التي ملأت أرجاء القرية لم تكن هذه المناسبة مجرد احتفال عادي، بل كانت “سبوع” أول أطفال عاصم وليان.

​في الحديقة الواسعة، كانت ليان تقف بعباءة أنيقة وابتسامة دافئة لا تفارق وجهها، تحمل بين يديها طفل صغير يشبه أباه في ملامحه الحادة وعينيه الجريئتين. اقترب منها عاصم بخطوات هادئة وهو يرتدي جلبابه الصعيدي وشاله الفاخر، وعيناه تنطقان ببريق من الفخر والحب.

​وقف بجوارها ولف ذراعه حول كتفيها برفق، يسندها كما اعتاد أن يفعل دائمًا، ثم نظر إلى طفلهما المحاط بالأغطية المزركشة وهمس بابتسامة دافئة:
ـ كبر الصغير يا أم سيف… وبقى للدار هيبة جديدة.
​التفتت إليه ليان وعيناها تلمعان بدموع السعادة، ثم قالت بصوت خفيض ملؤه الامتنان:
ـ سميته سيف… عشان يطلع سند لأهله وزي أبوه، ما بيخافش ويبني الأمان لكل اللي حواليه.
​انحنى عاصم ولقّن الطفل قبلة خفيفة على جبينه، ثم رفع عينيه ليتأمل وجه زوجته التي غدَت مديرة المجمع التعليمي الجديد بالقرية، وقال بصوت عميق يحمل كل صدق الدنيا:
ـ الأمان اللي في عينيكي ده… هو أكبر مكسب خرجت بيه من الدنيا يا ليان.

​نظرت إليه ليان لثوان، ثم لمعت في عينيها شقاوة قديمة، ومالت برأسها قليلا وقالت بنبرة خافتة تحمل ضحكة مكتومة:
ـ عارف يا عاصم… افتكرت دايمًا أول يوم شفتك فيه في السوق. لما وقفت بثقة وقلت لصاحبتي إن الراجل أبو جلباب دا أمي… ورتبت حياتي على إني هعلمك القراءة والكتابة في أسبوع!
​ابتسم عاصم ابتسامته الهادئة، ورفع حاجبًا بواحد من انطباعاته الهيبة ذاتها، ثم قال بنبرة دافئة فيها من الذكاء والغرور المحبب:
ـ وأنا اليوم ده سمعتك… وسمعت صاحبتك وهي خايفة عليكي، وقلت في بالي: “أبله المدينة جاية تعلم كبير الهوارية؟”.. بس الصراحة، الرهان مكسبش لما صححتلك الإنجليزي في المضيفة يا أبلة… الرهان حسمه قلبي لما خلتيني أعرف إزاي الكلمة تبقى إحساس.
​ربتت يدها على يده الحانية وقالت بحب:
ـ وأنا خسرت الرهان الأولاني… بس كسبت في الآخر راجل يعلم العالم كله معنى الهيبة والأمان.
​في هذه اللحظة، تقدم الحاج سالم ومعه عدد من رجال العائلة وهم يحملون الهدايا، بينما ركض الأطفال حولهما في مرح. استقرت يد ليان فوق يد عاصم، ينظران معًا إلى المستقبل الجديد الذي بنياه على المحبة والوفاء، بعد أن اندملت جراح الماضي وأغلقت صفحات الخوف إلى الأبد.
​تمت روايات مايا خالد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *