روايه كامله للكاتبه ميرا احمد

 

العجوز.

 

من أول يوم وصلت فيه نورا للقصر، الخادمات التانيين حذروها من الأوضة رقم 4B في الجناح الشرقي المعزول.

 

كانوا بيسموا صاحبها العم جابر، وقالوا لها إنه قريب عجوز لصاحب القصر، وإنه مشلول تمامًا بعد كذا جلطة قوية، وكمان بيعاني من خرف شديد.

 

قالوا لها إنه بقاله أكتر من خمس سنين ما نطقش بكلمة واحدة.

 

وبسبب إن صاحب القصر نادرًا ما كان بييجي، العاملين بدأوا بالتدريج يعاملوه باحتقار واضح.

 

مدام جابر كانت دايمًا بتكلف أحدث وأضعف الخادمات برعايته، لأنها كانت متأكدة إنهم هيخافوا يعترضوا.

 

في أول مرة فتحت نورا باب الأوضة 4B، وقفت مكانها.

 

الأوضة كانت ساقعة بشكل مخيف.

 

المدفأة مطفية، والستاير الثقيلة كانت مقفولة بإحكام، مخليّة المكان عايش في شبه ظلام دائم.

 

وفي ركن الأوضة، كان فيه راجل عجوز قاعد على كرسي متحرك، ووشه ناحية حائط فاضي.

 

كان ضعيف بشكل يوجع القلب.

 

شعره الفضي كان منكوش، ولابس بلوفر قديم وخفيف مش بيحميه من البرد.

 

وعلى الترابيزة الصغيرة جنبه كان فيه الغدا، واضح إنه اتساب من ساعات.

 

طبق شوفان بارد ومتجمد، وكوباية مية فاترة.

 

نورا ما شافتش عبء.

 

شافت إنسان بقى معتمد بالكامل على ناس بطلت تهتم بيه.

 

قالت له بصوت هادي:

 

“مساء الخير يا حاج.”

 

دخلت الأوضة، وفتحت الستاير الثقيلة، فدخل ضوء الشتاء الباهت.

 

العجوز ما تحركش بشكل واضح، لكن نورا لاحظت حركة بسيطة جدًا في صوابعه اللي كانت مستقرة على ذراعي الكرسي.

 

قالت:

 

“الدنيا ساقعة هنا أوي.”

 

راحت ناحية المدفأة، وبعد دقائق قليلة قدرت تشعلها.

 

وبعدين قربت من الكرسي، وفكت الفرامل، ولفته بحذر ناحية الشباك عشان يقدر يشوف أشجار الصنوبر المغطاة بالثلج.

 

لما رفعت طبق الشوفان، عبست.

 

“إنت مينفعش تاكل ده… ده مش أكل أصلًا.”

 

نزلت نورا للمطبخ، وهي عارفة إنها ممكن تتعرض لغضب مدام جابر، لكنها رجعت بطبق شوربة خضار سخنة وقطعة عيش بالثوم متحمصة لسه طالعة من الفرن.

 

حطت كرسي جنب الراجل العجوز، وقعدت تطعمه بالراحة، وكانت بتتأكد من كل معلقة قبل ما تدخلها بوقه إنها مش سخنة زيادة.

 

ومع مرور الشهور، بقت رعايته جزء من روتين نورا السري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *