اختي

 

لسنوات، عاشت إيثار في هذه العائلة وهي تحوّل الإهانة إلى مسؤولية؛ يتجاهلونها فتعمل بجهد أكبر، يسرفون في الأموال فتعيد ترتيب الحسابات، يثنون على ديما فتتظاهر بأن الثناء لا يهم. لكنها تعبت أخيراً من تحويل ألمها إلى فائدة لهم.

 

لذا اشترت وردة واحدة من بائع متجول خارج قاعة الفرح، وارتدت ثوباً أرجوانياً باهتاً تملكه بالفعل، وحذاءً مسطحاً دون حلي أو مساحيق، ووقفت حيث لا يلاحظها أحد.

 

كانت تريد أن تشعر بالغضب كاملاً دون تهذيبه أو تحويله لنشاط مفيد.

 

عند المنصة، كان «توفيق الصراف» يجلس في الصف الأول بملامح نصر، وكانت بدلته تبدو باهظة الثمن عن بُعد ومتهالكة عن قرب، تماماً كحال تجارة آل الصراف.

كانت ليلى تمسح عينيها بمنديل حريري، وديما تبتسم للحضور، بينما إيثار تراقب كل ذلك.

 

ثم تغيرت أجواء المكان.

 

حدث ذلك قبل أن ترى السبب؛ توقفت الأحاديث، ليس بالتدريج، بل فوراً.

 

فُتحت الأبواب الجانبية، ودخل «كاسر الورداني».

 

كانت إيثار قد رأت له صوراً، لكن الصور ظلت عاجزة عن إظهار حقيقته.

 

كان في الثامنة والثلاثين، قامة تناسب مهابته، يرتدي بدلة سوداء رسمية دون ربطة عنق، وشعره الداكن مقصوصاً قصيراً من الجانبين، مع ندبة باهتة تقطع حاجبه الأيسر.

 

كانت الصور تجعل وجهه يبدو غاضباً دائماً، لكن إيثار رأت فيه شخصياً شيئاً مختلفاً: السيطرة.

 

لم يبدُ كرجل يصارع غضبه، بل كرجل نادراً ما يحتاج إلى إظهاره.

 

تبعه رجلان على بعد خطوات، لم يحملا أسلحة ظاهرة، إذ لم يكن هناك داعٍ لذلك؛ فالجميع في المكان يعرفون تماماً من يكون كاسر الورداني.

 

كانت عائلة الورداني تسيطر على شبكة نقل وتوزيع كبرى تمتد عبر المحافظات والموانئ. معظم العمليات الحالية كانت رسمية ومسجلة: لوجستيات الموانئ، التبريد والتخزين، المقاولات، ومواد البناء.. لكن تاريخ العائلة كان يحمل أوراقاً وأساليب أكثر حزماً في الماضي.

 

قضى كاسر العقد الماضي وهو يسحب معظم أعمال المؤسسة نحو أنشطة صريحة لا تخشى الرقابة، ومكنه ذلك من زيادة ثرائه، لكنه خلق له أيضاً أعداءً من الطرفين: أولئك الذين ظنوا أنه يضعف، وأولئك الذين ظنوا أن التجارة النظيفة لا تمحو الماضي.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *