روابة جديدة ج٢
– جيت متأخر يا أبي
وقع قلب أبيه بين قدميه حينما استمع إلى جملته فدارت عيناه بأنحاء المنزل ليقول بقلق
-فين خديجة يا يونس
بدموع لم يستطع الآخر على السيطرة عليها أكثر من ذلك قال بحسرة
– خربت بيتي بإيدي يا أبي
كاد قلبه أن ينشق لرؤية دموع ولده التي أفصحت له عن القهر الذي يعانيه فجذبه من ذراعه ليجلس بجواره على أقرب مقعد يسعهما معًا قبل أن يقول بهدوء
– قول لي إيه اللي حصل
صمت يونس دون أن يتحدث بشيء فحثه والده بنظرته على الحديث ليبوح بما أرهق قلبه لشهور طويلة..
بعدما انتهى من قص ما أثقل فؤاده استند والده على المقعد بإرهاق وعينان مفتوحتان على وسعهما من فرط الصدمة ثم صاح بصوت مهموم
– وأنت واحدة ست اللي تخليك تخرب حياتك كدا، إحنا إما روحنا نخطبها لك حطينا إيدنا في إيد راجل ولا ست، وبعدين لو هي مش مؤمنة بقضاء الله أنت فين إيمانك؟ فين رضاك باللي ربنا كتبه ليك؟ مش قادر تتقبل بلاء صغير ربنا ابتلاك بيه؟ أومال اللي مبيشوفش أو مبيسمعش دا يعمل ايه؟ اللي ربنا بيبتليه في أولاده ويتقت\لوا أدام عيونهم دول يعملوا ايه؟ ربنا إداك كل حاجة وحرمك من حاجة صغيرة لحكمة لا يعلمها إلا هو وأنت بتعترض؟
هز يونس رأسه عدة مرات نافيًا وهو يصيح بدفاع عن نفسه
– أنا راضي والله راضي، أنا بس مكنتش عايز أظلمها معايا كنت عايزها تعيش مرتاحة، أنا من كتر حبي ليها ضحيت بيها عشان تفرح
– صدقني مفرقتش كتير وأنا مش شايفك غير مش راضي بقاء ربنا أنا رايح أرجع بنتي لبيتي اللي وعدتها إنها مش هتشوف فيه إهانة أبدًا، هتيجي معايا ولا هتقعد تعيط وتستنى زي الحريم؟
لم يتردد الآخر في موافقته على الذهاب معه؟ وكيف له أن يرفض وما قرأه قبل مجيء أبيه قد زلزل قلبه وجعله يتذوق قليلًا من نيران عيشها تحت كنف غيره، ذهب برفقة أبيه وهو يتمنى ألا تكون عدة طلاقهما قد انتهت.
بأحد الأحياء الشعبية تنهدت خديجة براحة حينما تخطت هي ووالدتها تلك الخيمة المزينة بالأنوار الكثيرة والمقاعد الملونة التي كانت مرصوصة أمام بيت طليقها الأول، شعرت بدمعة هاربة تفر من عينيها وهي تتذكر نظراته لها حينما رأته، تذكرت كيف أودعها تلك النظرة الحاقدة عليها لتفضيلها أحد غيره بل يبدو أنه يصدق تلك الإشاعة التي كان قد أطلقها عليها بعد طلاقهما من خيانتها له مع يونس عبر الهاتف، فاقت من شرودها بما حدث بالماضي على صوت والدتها الذي ارتفع مرة واحدة تقول بقوة
– ما تبصي على أدك يا ست أنتِ وهي.

