رواية جديدة ج١

لم يكن منها سوى أن رفعت كفيها إلى وجهها لتحجبه عنه قبل أن تتعالى شهقاتها أكثر من السابق فلم يستطع سوى أن انصاع لرغبة عادته حين بكائها فأجبر قدماه على الانحناء للجلوس بجوارها ولكن هذه المرة لم يجذبها لأحضانه كما السابق وإنما جلس صامتًا بقلبٍ تمنى لو كان بإمكانه الإفصاح عما يعانيه هو الآخر.

دقائق طويلة مرت كالسنين على قلبه قضاها ينتظر دموعها أن تجف، لا يدري بأن الدموع هي الرفيق المخلص للقهر والألم فلا تسمح لنفسها أن تنضب وتتمنع على صاحبها قبل أن تبريء الأسقام. بُهت قلبه حينما انتفضت واقفة دون سابق إنذار وسرعان ما أنصت إليها حينما سمعها تهتف بقوة

– مش هسيب بيتي، أنت عايز تمشي امشي، في الشرع المطلقة واجب عليها تلزم بيت زوجها لحد ما تنتهي فترة العدة، ولا عايز تخالف شرع ربنا يا شيخ يونس؟

ألقت كلماتها وخرجت من الغرفة دون أن تعبأ بأبحر النيران التي أشعلتها بقلبه قبل خروجها، فهنا بحر نشبت نيرانه حينما استمع لنبرتها الباكية وهنا آخر ارتفع لهيبه عندما تمسكت بطرف الرباط الذي أرخى هو قبضته وهناك بحر فاض منسوب نيرانه بمجرد تهدج صوتها بكلمة مطلقة، أحقًا باتت طليقته وانفصلت عنه؟ أيصح للسكن أن ينفصل عن جدران بنائه ويُطلب منه أن يبقى صامدًا؟ تمدد بجسد أنهكه أنين العشق بعدما فاض به الكيل وأدخل عقله بدوامه أخرى من التفكير عله يجد طريقة يستطيع بها إخراجها من المنزل فبقائها بقرب قلبه بمثابة اقتراب الوقود من الحريق ولن يحظى بنجاح ما خطط له إن لم ترضخ لإرادته وتغيب عن عينيه.

**********
دوى جرس البيت معلنًا عن قدوم
والدها برفقة الضيف فأسرعت تهرول من غرفة الضيوف متجهة إلى غرفتها قبل أن يدلفان إلى الداخل، بمجرد غلقها لباب غرفتها استمعت إلى صوت والدها يهتف بترحاب وحماس
_اتفضل يا هاشم . ادخل يا حبيبي متتكسفش

اختفى صوت الضيف الذي تيقنت من أنه غرق تحت طوفان خجله فهزت رأسها بلامبالاة ثم اتجهت إلى المرآة الموضوعة بمنتصف الغرفة وصففت بعض خصلات شعرها المتطايرة قبل أن تعود لتجلس على فراشها لتغوص بين أحد كتب التفسير الذي تدرسه في السنة الأخيرة لها بمرحلتها الجامعية

بعد مرور دقائق كثيرة زفرت براحة وهي تستمع إلى إغلاق باب المنزل عقب انتهاء المؤذن من إلقاء الآذان مباشرة فقد علمت أن والدها قد غادر برفقة من معه ويمكنها التجول في أنحاء الشقة كما يحلو لها، نهضت من فراشها واتجهت إلى مطبخ البيت ولم تكد تبتلع أولى قطرات المياة التي ألصقتها بشفتيها إلا و أعادتها مرة ثانية بصدمة مما استمعت إليه، أحقًا هذه نبرته التي توصلت إلى مسامعها؟ كيف لها أن تستمع إليه في هذا الوقت واليوم هو الاثنين بمنتصف الأسبوع وهي اعتادت على سماعه في يوم الجمعة فقط؟ خرجت إلى بهو المنزل لتتيقن من صدق ما تستمع إليه وسرعان ما صفقت بيدها واتجهت إلى غرفتها وتلك الابتسامة البلهاء ترتسم على محياها، بعد عدة دقائق ارتفع صوتها بنفس الآيات التي كان يرددها أثناء صلاته في محاولة منها لتقليده، فدائما ما كانت قادرة على محاكاة أعظم القراء والاقتراب بنبرتها إلى طريقتهم فما لها كلما حاولت تقليده تشعر أنها لم تقترب منه ولو بواحد في المئة هناك شيئًا بصوته هو ما يميزه ويجعله يسكن القلوب بلمح البصر، تلك البحة العجيبة التي اخترقت جدر قلبها لا تستطيع الوصول إليها أبدًا، حاولت التقليل من مستوى صوتها خجلًا من والدها التي علمت بعودته بعد إغلاقه للبيت ولكن مع مرور الوقت شردت بمحاولتها ولم تعبأ بوجود والدها في الخارج

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *