رواية جديدة ج١

أومأت بإيجاب دون أن تضيف شيء ثم ذهبت إلى الغرفة الأقرب لقلبها، تلك التي انحسرت أحلامها بها، فلم تبارح عقلها؛ وكيف لها أن تفعل وهي ترى لقاءها به كل ليلة بين أركانها متجسدًا في صورة رؤية شرعية؟!

لملمت كتبها المبعثرة على آرائك الغرفة ثم جلست على أقربهم ووضعت الكتب على قدميها، انخفض نظرها إلى غلاف الكتاب الأول وتلمست أطرافه بأناملها مبتسمة تلك الابتسامة التي تخص تذكرها لأحد أحلامها معه، احمرت وجنتيها بخجل متذكرة ذاك الحلم الذي أهداها به كتابًا يحمل نفس عنوان الكتاب وألوانه هامسًا بنبرته التي لا تعرف منه سواها
“كوني صحابية”

تلمست أحرف الكتاب بسرعة متناغمة مع نطقه بها وسرعان ما استفاقت من خيالاتها على صوت ضميرها الذي بدأ يعلو بألم كلما توغل عقلها في التفكير به، فتحت الصفحة الأولى من الكتاب وتأملت ما بداخلها علها تنشغل بشيء عنه ولكن هيهات وأول ما وقع عليه عينها كانت تلك الجملة التي دونتها بخطها
“وبصوتك الحياة”

أغلقت الكتاب بانفعال مصطنع وضيق من تفكيرها به ثم نهضت متجهة إلى غرفتها خوفًا من مجيء الضيف بأي وقت لا تدري بأن هذا الضيف قد استعمر طرفًا منه الفؤاد سابقًا وستكون الأرواح أكثر من مرحبة بأي جزء منه يشن ثاني غاراته لاستوطانها مدى الحياة.

************
حينما أعلنت السماء حدادها واتشحت بالسواد مرغمة باكية بقطرات صافية تنعي شمسًا استتر جمالها خلف عتمة الليل سطع القمر يشع بأنواره ناثرًا نجومه حوله ليرسم لوحة خلابة تضيء عتمة القلوب وتجدد أملًا بأن السواد وإن طغى لابد من قمر يضيِّع عليه انتصاره ويولد بريقًا ربما يفوق بريق الشمس، ولكن هذه الظاهرة لم تفلح في مواساة قلب هذا الذي يسير بين الناس مغيبًا بعيون لا تريد سوى الاختلاء بصاحبها لتفيض من الدمع عزاء لحبٍ حاول قطع الطرف الأخير منه بطلاق مزق نياط قلبه قبل أن يفكر عقله بلفظ الحرف الأول منه، خطت قدمه الدرجة الأولى من درجات السلم الرخامية وقلبه يستعد للعيش بين أحضان الوحدة الموحشة، لا يعلم كيف لقلبه أن يتحمل العيش بدون وجودها ولكن أليس هو من ولّى نفسه قاضيًا وحكم على قلبيهما بالفراق؟!

تنهد بقوة بعدما أغلق الباب خلفه وكاد أن يطلق العنان لقلبه كي ينهار بعد كل تلك الصدمات التي أوهنت بنيانه إلا أن تلك الشهقات المقهورة التي تشربتها أذناه جعلته يعقد حاجبيه متعحبًا قبل أن يجر قدماه متجهًا إلى مصدر الصوت، شعر بانفجارات عنيفة تدوي بقلبه حينما طالع هيئتها المتربعة على فراشهم تنزف بدل الدموع دمًا ولكن وجد لسان كبريائه يهتف صائحًا بجمود
– أنتِ لسة هنا بتعملي إيه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *