رواية جديدة ج١
دقائق قليلة قد مرت قبل أن يدلف إلى المطبخ كعادته ولكن هذه المرة بقلب أضناه التفكير حد الوجع، ربما في الأيام السابقة كان يمنى نفسه بأنه سيشعر بالراحة بعدما يطلق سراحها وتهجره أنياب ضميره التي كانت تطبق على قلبه ولم تدع له الفرصة ليرتاح لثانية واحدة، ولكن قد خاب ظنه وبات يشعر بجميع بدنه مكبلًا بأصفاد من نار.
عقد حاجبيه بضيق حينما لم يجدها تنتظره على الطاولة كالسابق وسرعان ما ابتسم بتهكم من عقله الذي تعدت جرئته حد الوقاحة، أكان ينتظر منها أن تترقب قدومه وهو الذي لم تمر ساعات على رميه لها بتلك الرصاصات الملطخة بسموم لا ترياق لها؟!
رمق تلك الطاولة التي لا حياة لها بكدر قبل أن يعود بأدراجه مرة ثانية إلى غرفته مرتديًا جلبابه الابيض متجهًا إلى المسجد وهو يجر قلبه قبل أقدامه التي باتت ثقيلة لدرجة لا تحتمل.
خرجت من مخبئها بعد استماعها لصرير الباب الذي أغلقه خلفه ثم نظرت إلى طاولة المطبخ بترقب قبل أن تلملم الاطباق من فوقها دون أن تمس ما بداخلها يد.
بعد مرور تسعون دقيقة عاد إلى البيت ودون إرادة منه تمنى قلبه أن تكون متيقظة عله يراها فيروى ظمأ قلبه الذي أضناه الاشتياق، تسرب إلى أذنيه صوت أنينها الحاد المرفق بصوتها الذي بدأ في العلو وكأنها تتعارك مع أحدهم فسقط قلبه بين قدميه حينما توصل عقله إلى أن سبب صراخها هو ذات السبب الذي أوصله إلى هذه الحالة وقد كان ما اعتقده وهو يستمع إليها تقول
– يا أمي حرام عليكوا ارحموني… انتو كدا بتدمروا حياتي.. احنا الاتنين راضيين وفرحانين في حياتنا مع بعض ربنا مخلي قلوبنا راضية والله.. بلاش كلامك دا كل ما تكلميني… أنا بحب يونس ومستحيل أبعد عنه لأني مكتفية بيه دا غير إني متأكدة إنه لو كان مكاني كان عمره ما هيتخلى عني.
استمع إلى إنصاتها قليلًا قبل أن يسمعها تصيح بانهيار
– ليه يا أمي كدا.. ليه بتحطيني أدام الاختيار بينك وبينه.. انتو الاتنين أغلى من حياتي ومش هقدر أستغنى عن حد منكوا. أمي؟ أمي؟
علا نشيجها بقوة حينما أدركت أن والدتها أغلقت الهاتف بعدما خيرتها بينها وبينه فتوقع هو ما حدث؛ خرج جاذبًا الباب خلفه بقوة كما عاد قبل أن تعلم بقدومه، ها هي المواقف تؤكد له بأنه كان صائبًا فيما فعله، يعلم أن أهلها سيظلون هكذا حتى تمل من إلحاحهم ويمرض قلبها وهذا آخر ما يريده، ربما تعتقد أنه هكذا يظلمها باتخاذه القرار وحده دون الاستماع إليها ولكن كيف يستمع وهو يعلم أن أهلها لن يكفون عن محاولتهم في تخريب بيتهم وهو من المحال أن يمنعها عنهم فيتحمل ذنب عدم صلتها لأهلها.

