صبري
مروة حمدي
مر خاطرا بعقله لتحتد ملامحه ناظرا أمامه متحدثا بغل يقطر من كلماته..
– اهى خلفتك يا عبد الصمد يا خوى واحد سكن التربة والتانى اتجن، خلفتك ال ابوك بسببها فضلك عليا ووهب ليك حتة الأرض ال حيلته انت وعيالك بحجه أنى فلاطى ومش بينلى رجاء للخلفة وانك انت ال هتحافظ عليها، بجيت تديني كل اول شهر زى الشحات حسنتك وانت فاكر نفسك بتكرمنى حتى أولادك مشيوا على ال انت رسمته انت وابوى بجيت استنى كل شهر هلت ولدك عليا بالمصروف مستنى صدقته من مالى وحجى فى الاخر كله بجا ليا ولوحدى بتاعى كل ال عملته وشقيت عليه صب فى حجرى كل ال ولادك كملوه بعدك بتمرمغ فى نعيمه وولدى من بعدى.
عايرتنى بقلة خلفتى يا ابوى ، كل شهرين بقى ليا عروسة لحد ما وحده منهم بطنها شالت واهو انا ال كسبت وضحكت فى الأخر.
أشرق صباح .
قام الطبيب احمد من جلسته وهو يفرد ذراعيه، فرك عينيه بيديه لعله يفيق وهو يستمع لاصوات ضجه عالية قادمه من الخارج.
طرق على الباب يعقبه صوت الغفير جابرمناديا: ياضاكتور احمد، يا ضاكتور.
فتح له الباب وهو يتثاءب: صباح الخير يا عم جابر.
عم جابر: صباح الخير يا ضاكتور، نمت زين؟
احمد: انتوا هنا عندكم اسود مش نموس يا عم جابر.
عم جابربابتسامة: بكرة تتعود عليهم يا ضاكتور.
احمد: ايه الدوشة ال بره دى.
الغفيرجابر: ابدا دول اهل البلد اول ما عرفوا ان دكتور الصحة الجديد وصل بجا كل ال رجله وجعاه ال معدته ماشية عليه ال حداها عيل عايز يطعم ال معرفش ابصر ايه؟! جاب بعضه وجه؛ فاصحى كده وفوج للناس دى وانا هروح اريح هبابه.
احمد: انت هتسبنى لوحدى هنا وانا معرفش حاجه ولا حد ولا ايه الوضع.
الغفير جابر: الواد على ولدى شغال كاتب هنا معاك بعته يجيب إفطار ليك وزمانه على وصول ما تجلجش.
الطبيب يهز رأسه ليرحل الآخر.
انهمك مع المرضى وقد تزاحمت الغرفة بهم ، هذة تسحبها لها من يده حتى يكشف على صغيرها الممدد على الفراش ، لتتشابك معها أخرى تأمرها بالابتعاد فقد اتت هى اولا واخر يحاول سحبه من معطفه من الخلف.
” سيبك من الحريم ال عايزة الحرج دى، امانه لتطل على البجرة وتشوفها بطلت حلب ليه؟
احمد بنفاذ صبر: يا سيد هنا وحده بشرية مش بطرية.
طفل صغير أمسكه من بنطاله يهزه حتى ينتبه له: أمى بتجولك عندكوا وسيلة تيجى تأخدها.
احمد بنزق: خلصت قول لأمك هنجيب بكرة.
ووضع يده على اذنه يلتف حول نفسه بحيرة تكاد اصوات صراخ الرضع من حوله تفتك برأسه، حتى دخل عليه أحدهم: صباح الخير يا دكتور، شكلى كده اتاخرت عليك!
أكمل وهو يصفق بيده بعدما وضع ما بيده من طعام على المكتب..
‐يالا على بره، استنوا فى الأوضة ال جبنا وبالدور وال يدخل يكشف يدخل معاه واحد بس ويستحسن لوحده مش ناقصة وجع دماغ وصداع يالا، بيتك بيتك…هش هش.
بدقيقة أصبحت الغرفة فارغة الإ منهما ليلتفت برأسه متابعا…
-ما تبدأش كشف لوحدك معاهم، هيطلعوا عنيك ومش بعيد حد يلبسك نصيبه يادكتور.
اشار له الاخر وهو يضيق عينيه متسائلا: على!
ليهز رأسه بايجاب: ايوه على بن عم جابروالكاتب هنا.
ابتسم الطبيب على ذاك الشاب، جلس سريعا على الكرسى يفتح الكيس بلهفة جائع بعدما تغللغت الرائحة إلى أنفه واثارت معدته.
احمد: جيت فى وقتك ده ايه الدوشة دى! مرستان، مش كفاية دوشة بالليل وكمان بالنهار…
على بحزن : جصدك صبرى، ربنا يشفى عنه هو ده كان فى حد فى عقله الكبير، اللاه يسامح ولد الحرام ويشفى عنه يارب.
احمد: شكله عزيز عليك أنت ووالدك!
على: ده صاحبى، أطيب قلب ممكن تشوفه.
احمد: حصله ايه؟
على: بعدين يادكتور هبجى احكيلك بس الاول نفضوا المولد ال بره ده!
احمد بتخوف: وهو هيبقى كل يوم زى كده!
على بضحكه صغيرة: لا، ده بس علشان الوحده بجالها فترة من غير ضاكتور والناس اشتهته كيه الفاكهه وعلى رأى ال قال الغربال الجديد له شده، ده احنا هتعدى علينا ايام مفيش دبانه هتعبرنا.
احمد بهمس لنفسه: الله يقرفك يا شيخ، يالا يكون احسن برضه بعد ال شفته فى النص ساعه دى.
مر اليوم تحت إشراف على وتنظيمه للمرضى للدخول على الطبيب حتى انتهوا وشكره احمد على مساعدته.
احمد: مش عارف من غيرك كنت هعمل ايه؟
على: تستنانى ما تعملش حاجه دول يبلعوك صاحى، بعدين ده شغلى يا دكتور ال باخد عليه مورتب ياله هم أمى شيعت صنيه الغداء من بدرى وكنت معينها فى الأوضة حداك لحد ما تخلص واه ياريت اوضتك تبجى تقفلها بالمفتاح من هنا ورايح زى ما انا دخلت ممكن وسط الزحمه غيرى يدخل ويقلبك ويمشى ولاد المؤذية كتير.
احمد: مكنش ليه لزوم تعب الحجه ده يا على!
على: تعبك راحة ده انت ضيفنا.
احمد: هروح اغسل ايدى وجاى.
على: اكون انا روجت المكان.
خرج من غرفة الكشف، انتبه لوجود شئ ما يتحرك أمامه وهو يتلصص يمينا ويسارا ضيق عينيه بشك وسار بخفه باتجاهه حريصا على عدم اصدار أى صوت.
تأمل ذاك الغطاء الملتفحة به” البرده” ليعلم أنها أنثى..
احمد: ودى مالها دى كمان بتعمل ايه عند اوضتى؟ جايه تسرق زى ما قال عاى ولا عايزة تكشف واتلغبطت؟!
قطع تساؤله رؤيتها لها صاعده الدرج المؤدى إلى السطح ، ليرفع احد حاجبيه وقد أثارت فضوله لمعرفة ماذا تريد تلك الملتفحة؟
**
استيقظت بعد سويعات، لتهب من على الفراش مرة واحده ولسانها يردد ما كان يدور بخلدها أثناء نومها المتقطع ” صبرى”
بسرعه توجهت إلى نافذتها حتى تراه وتطمئن عليه، لم تجده بموضعه ليله أمس، دب القلق بأوصالها وهى تقف بالنافذة تنتظر مروره، سيره ذهابا وايابا بصحن الدار- كعادته- ولكن هذا لم يحدث.
لتضرب بيدها على صدرها بخوف” يا حومتنى ليكون عيىئ ولا راقد فى حته بالدار جوه بعد نومته فى الطل امبارح بعز البرد”
الام دالفة إلى الغرفه تنظر إلى الفراش الخالى من ابنتها لتتنهد بضيق تحدثها دون أن تلتف لها وهى تعلم أين تقف الان: وبعدهالك فى الوقفة دى! هو صبح وعشيه وفجرية! مش هنشوفوا مصالحنا ولا أكل عيشنا عاد!
وردة بتهته: ياما..
الام: جومى طسى وشك بشويه ميه وغيرى ريقك اكون اخدت الخضار من ام ميحسن واجعدى بيه اكون انا جبنت الرايب ال شيعوه ببت الحج كمال..
وردة وهى تشير للنافذة: بس ياما، ده..
الام بتجاهل: انتى ليه هتبسبسى، بقولك همى اول الشهر جرب عايزين نلموا الأجره للى ما يتسمى يالا انقلبى..
وعلى ذكر سيرة ذاك الشخص، اقشعر جسدها بإشمئزاز لا تعلم السبب تحديدا هلى هى نظراته الوقحة أم مايقترفه بحق حبيب قلبها.
بعد خروجها من الغرفة نظرت الام لاثر ابنتها: يابتى عارفة انى بجسى عليكى بس اسوى ايه لو انكسرت علينا الأجرة وقتها السداد هيكون صعب علينا والخسيس ده يبيع ويشترى فينا بعد ما اتملك..
وبنبرة صادقة أكملت..” الله يشفى عنك يا صبرى يا ولدى، كنت باب مانع عنا الكلاب”
خرجت من المنزل، تهرول ناحيه الباب بمقابلتهم، تحاول استراق السمع لأى همسه اى صوت أو حركه ولكن للأسف؛ لا شئ.
صارت بمحاذاة السور ويدها تسير على الحائط ترفع رأسها لأعلى تنظر لذلك البيت وعيناها تسأله عن موضع صاحبه منه الان؟!
توقفت أمام باب الوحده المفتوح على مصراعيه والناس يدلفون تباعا، تبادلت النظر للمبنى وللبيت وجالت بعقلها فكرة ما، لتسير بخفه للداخل تتطالع المبنى بعيناها، نظرت إلى الدرج ثم إلى أعلى ومنه إلى البيت المجاور.
يد وضعت على كتفها أفزعتها..
-جاية تكشفى انتى كمان يا ورد.
ورد بلجلجه: ها، لا، ده بس قولت اشوف الخلج الكتير دى جايه هنا ليه؟
‐الضاكتور الجديد جه، فكل ال حداه عله جاله.
هزت رأسها والتفت لتخرج لتوقفها صوت المرأة: ابقى حشيلى ربطتين كزبرة على جنب اخدهم منك وانى معاودة بعد ما اخلص كشف للواد.
ورد: حاضر ياخيتى.
خرجت هامسة لنفسها: لما الزحمه دى تخف اعاود وابرد نار جلبى.
قضت الوقت على الفرش الصغير الخاص بها وبوالدتها وعيناها لا تنزاح عن بوابه الوحده حتى هدأت الحركة بداخلها، نظرت إلى الفرش الفارغ برضا متمته..
” الحمدلله، جبرنا”
أمسكت الكيس المخبئ بعنايه تحت أحد الاقفاص لتضعه تحت ذراعها واحكمت وضع الغطاء عليها ودخلت من الباب تتلفت يمينا ويسارا حتى وقفت أمام الدرج، تتطلع له بخوف ولكن قلقها ورعبها عليه تغلبا على خوفها ما إن رأءها احدهم، لتصعد بسرعه متلهفة…
لم تنظر مرة واحده للخلف، لكانت أبصرت ذاك المراقب وقد صعد خلفها بصمت، وقف على الدرج متوارى بجسده وعيناه تتبعانها وهى تسير كالمجذوبه تنظر لاسفل تنتقل من بقعه إلى أخرى، حتى وقفت وأمسكت بحافة الحائط تميل بنصف جسدها إلى أسفل لدرجه جعلته يخرج من مخبأه برعب من ان تسقط ولكنه توقف بمكانه وهو على بعد خطوات منها، يراها تعتدل بوقفتها تخرج شيئا من أسفل ملابسها وبهدوء اسقطته لاسفل…
كانت تبحث عنه كمجذوبه والسطح يكشف لها مناطق كثيرة بالمنزل سوا الرواق الموصل بين الغرف العلوية سطح منزله صحن الدار وخلفه، بحثت عنه بعيناها حتى وجدته يتسطح الاريكه أسفل الحائط بين منزله والوحده ينام بعمق مرتديا جلباب فقط وقد تغير لونه من كثرة اتساخه، تأملت ملامحه وقد اشتاقت لها لأول مرة منذ فترة تتطلع نحوه بهذا القرب لتسقط دموع عينيها تباعا عليه وعلى حاله، كيف كان وكيف أصبح.
تذكرت ذاك الكيس لتخرجه من تحت ردائها وبهمس تحدثه كأنه يستمع لها..
” ده وكل يا حبه الجلب حته جبنه خضرا من ال بتحبها ودبداب وبصل أخضر وليمون اجرشه لأجل البرد ما يتملكش منك، الباب اتفتح وعلى قد ما هقدر هطل عليك يا غالى.
همت بالتحرك ليختبئ الطبيب سريعا خلف عمود خرسانى بالمنتصف لتتحرك من أمامه وعيناه لا تفارقها حتى هبطت الدرج وبنفس الطريقة تسحبت حتى خرجت من البوابه بينما هو خرج من مخبأة وكلماتها التى استمع لها جعلته ينظر بفضول إلى ما كانت تنظر له، ليتفأجا بذلك النائم وجسده لا يستره سوا جلباب بالى والكيس إلى جواره..
-يا ترى ده مين ده كمان؟ ومين هى دى وتقربله ايه؟
وعلى ذكرها بسرعه توجه ناحيه الحافة المطله على الحى ليجدها تخرج من الباب تتوجه نحو فرش من صناديق فارغة أمام الوحده تجمعه بعنايه وتضعه فوق رأسها رحلة إلى داخل الحى وعيناه عليها حتى اختفت من امامه داخل منزل صغير بالجهة المقابلة على بعد منهم.
ليهبط الدرج بفكر مشغول وسؤال واحد يتردد داخله: هو ايه الحكاية؟



